logo

logo

الفيزيولوجيا | الاستقلاب (تنظيم-)

استقلاب (تنظيم)

Regulation of metabolism - Régulation du métabolisme

 الاستقلاب

الاستقلاب (تنظيم -)

آليات تنظيم الاستقلاب

 

الاستقلاب Metabolism هو مجموعة التفاعلات الكيميائية التي تحدث في الخلية، تسهم فيها منظومات إنزيمية كاملة توفّر تحول المواد، وتحرير الطاقة التي تختزنها الخلايا، كما يحقق استخلاص الطاقة من الوسط المحيط بالتركيب الضوئي وتحويل المركبات الموجودة في الوسط الخارجي إلى مركبات بنيوية، واصطناع الكربوهدرات والبروتينات والحموض النووية والشحوم وغيرها من مكونات الخلايا اعتباراً من هذه المركبات البنيوية، واصطناع الجزيئات الحيوية (البيولوجية) الضرورية لتحقيق مختلف وظائف الخلية، وتفكيكها.

آليات تنظيم الاستقلاب:

يتحقق تنظيم تفاعلات الاستقلاب على مستوى جيني وعلى مستوى خلوي وعلى مستوى كيميائي حيوي:

1- تنظيم الاستقلاب على المستوى الجيني: تنظم السيطرة الوراثية تفاعلات الاستقلاب، حيث تُحدِّد سرعة التفاعل الاستقلابي باصطناع الإنزيمات اللازمة له، وتُحدِّد تركيز الشكل الفعال لكل إنزيم يساهم فيه. تُسمى الإنزيمات التي توجد ضمن الخلية على نحوٍ دائم «الإنزيمات الأساسية»، بينما تسمى الإنزيمات الأخرى التي تصطنع استجابة لظهور الركائز substrate الموجود في الوسط “إنزيمات تكيُّفية أو مُثارَة”.

تكون المورثات المسؤولة عن الإنزيمات التكيفية عادة بحالة كبح repression، وتتحول إلى الشكل الفعال رداً على ظهور الركائز، ويمكن في بعض الحالات الحث على تكوين مجموعة كاملة من الإنزيمات عندما تكون جيناتها متجاورة في الدنا DNA ضمن مَشْغَل (أوبيرون) operon تُحَث أو تُثَبَّط، كما هي الحال في أوبيرون اللاكتوز، حيث دلت الدراسات على الإشريكية القولونيةE. coli أن الجينات المسؤولة عن مسلك استقلابي واحد تتجمع في منطقة واحدة من الذخيرة الوراثية، سُميت هذه المنطقة بالأوبيرون، وقد تبين أن الإشريكية القولونية تستطيع النمو في وسط يحتوي على مصدر وحيد للكربون هو اللاكتوز lactose، حيث تقوم بتفكيكه إلى سَكَريدَين أحاديين monosaccharides هما الغلوكوز والغالاكتوز ثم تستقلبهما. وتتوسط عملية إدخال اللاكتوز إلى الإشريكية القولونية وتفكيكه واستقلابه ثلاثة إنزيمات هي بيتا غالاكتوزيداز b-galactosidase وبيرميـاز بيتـا غالاكتـوزيداز b-galkactosidase permease وثيوغالاكتوزيد ترانس أسيتيلاز thiogalactoside transacetytase.

وقد تبين أنه عندما تنمو الإشريكية القولونية في وسط غني باللاكتوز، يكون داخل خليتها نحو 3000 جزي من كل إنزيم، وعندما تنمو في وسط فقير لا يبقى من هذه الجزيئات سوى بضع مئات فقط، أي إن وجود اللاكتوز في وسط النمو قد حَرَّض تركيب أعداد كبيرة من هذه الإنزيمات. وقد تبين لاحقاً أن التحريض يتم بمساهمة مماكب لللاكتوز يسمى أللولاكتوزallolactose يتشكل من اللاكتوز بمساهمة إنزيم بتا غالاكتوزيداز. تتوضع جينات الإنزيمات الثلاث السابقة متجاورة في الدنا DNA، ويوجد بقربها جينات تساهم في ضبط نسخ transcription هذه الأخيرة، وقد أطلق جاكوب Jacob ومونود Monod عام 1961 على قطعة الدنا التي تعمل كوحدة متكاملة اسم أوبيرون اللاكتوز، وقاما بوصفه كما في الشكل(1).

 

الوصف: D:\d\المجلد الثاني للتقانة اخراج\بوك 2 تقانة\542\32-11.jpg

الشكل(1): يوضح مكونات أوبيرون اللاكتوز وعمل بيرمياز اللاكتوز وبتا غالاكتوزيداز

 

يتألف القسم الأول من الأوبيرون من الجينات البنيوية structural genes الثلاثة وهي lacZ و lacY و lacA. فالمورثة lacZ ترَمِّز بيتا غالاكتوزيداز الذي يفكك اللاكتوز. )وفي تفاعل جانبي يُحَوِّل بيتا غالاكتوزيداز أيضاً كمية قليلة من اللاكتوز إلى ألّولاكتوز الشبيه بنيوياً باللاكتوز المهم في تنظيم الأوبيرون lac). أما المورثة lacY فتُرَمِّز إنزيم البيرمياز permease، وهو بروتين غشائي ضروري لإدخال اللاكتوز إلى سيتوبلاسما الإشريكية القولونية. أخيراً المورثة lacA تُرَمِّز ثيوغالاكتوزيد ترانس أسيتيلاز الذي يُحَوِّل اللاكتوز وشبيه اللاكتوز بربط مجموعة الأسيتيل الوصف: الوصف: 1365.jpg.

يوجد أمام الجينات التركيبية جين الإقلاع (المُشَغِّل) operator، والتي يُشرف عليها جين مُعَزِّز promoter يقع قبلها والموقع CAP. تقوم هذه المنطقة من الأوبيرون ببد نسخ الجينات التركيبية. أما الموقع CAP فهو متتالية دنا يستطيع تمييزها بروتين منشَّط activated protein. أما الجين lac I فإنه يُرَمِّز البروتين الكابح لـ lac operon.

تؤثر بعض الهرمونات في فعالية الجينات مباشرة، بينما يعمل بعضها الآخر على نحو غير مباشر، وذلك بتنشيطها نواقل خاصة توجد على سطح الخلية تؤثر في البنى الفراغية (تنظيم أللوستيري allosteric regulation) لمجموعات إنزيمية متعاقبة الدور تُعدِّل من سرعة فعاليتها، كما هو الحال في إنزيمات استقلاب الغليكوجين.

2- التنظيم على المستوى الخلوي: تتلقى الخلايا الرسائل من بيئتها وتنظم تفاعلاتها الكيميائية لتتلا م مع هذه الرسائل. فمسالك الرسائل الخلوية غالباً ما تؤدي إلى تنشيط كينازات البروتينات التي تربط مجموعات الفسفات ببروتينات هدف. مثلاً عندما يُذعَر شخص ما يُفرَزُ هرمون الإبنيفرين (الأدرنالين) في الدم، والذي يرتبط بسطح الخلية العضلية ويثير مسلكاً ضمنها يؤدي إلى فسفرة بروتينات متعددة، بما في ذلك إنزيمات استقلاب السكريات، تقوم هذه الإنزيمات المُنَشَّطَة بتفكيك السكريات، الأمر الذي يمد الفرد الخائف بطاقة كبيرة؛ لذلك يسمى الإبينيفرين أحياناً باسم هرمون “حارب أو اهرب fight or run” لأن الطاقة المضافة تُهيئ الفرد إما لأن يبقى ويجابه أو يهرب. فإذا ما انتفى سبب الخوف ينخفض مستوى الهرمون لتقوم إنزيمات أخرى تسمى إنزيمات الفسفوريلاز؛ بإزالة مجموعات الفسفور من الأنزيمات، ليعود مستوى استقلاب السكريات إلى طبيعته.

3- تنظيم الاستقلاب على المستوى الكيميائي الحيوي: تُنَظِّم تفاعلات الاستقلاب المختلفة الإنزيمات من خلال حفزها إيجاباً فيما يُطلَق عليه التنشيط activation، أو سلباً فيسمى ذلك التثبيط inhibition، وذلك بارتباطها بالركيزة (المادة المتفاعلة) مشكلة معقد الإنزيم-الركيزة enzyme-substrate complex.

أ- يتم التنشيط عادة من خلال الموقع الفعال active site في الإنزيم. المعروف أن هذه المواقع في الإنزيمات غير ثابتة الشكل، وترتبط بها الركائز ارتباطاً ضعيفاً، وذلك بدخولها فيها لتتم عملية تطابق بين شكل الركائز والمواقع الفعالة عن طريق تعديل البنية الفراغية للإنزيم، بحيث يصبح الإنزيم أكثر قدرة على بد التفاعلات (الشكلان 2 و 3آ)، ويساهم هذا التعديل في تطابق المجموعات الكيميائية في المواقع الفعالة مع المجموعات الكيميائية في الركائز، الأمر الذي يُسَرِّع الفِعل الحفزي للإنزيم.

الوصف: الوصف: 32-2.psd 

الشكل (2): تنشيط تفاعلات الاستقلاب بالموقع الفعال 

ب- أما التثبيط فيتم عادة ببعض المواد الكيميائية التي ترتبط بالإنزيمات، فتزاحم الركيزة على الارتباط بالمركز الفعَّال، أو تعدل البنية الفراغية للإنزيم بحيث يصبح هذا المركز فيه عاجزاً عن الارتباط بالركيزة ومن ثم عاجزاً عن تحقيق التفاعل الكيميائي. ويكون عادة التأثير السمي لكثير من المركبات السامة في الجسم أو التأثير العلاجي لبعض العقاقير الدوائية عن طريق تأثير هذه العوامل المثبِّطة في فعالية الإنزيمات.

ينضم تحت لوا المثبِّطات عدد من المركبات الطبيعية أو الصنعية. ويمكن أن يكون التثبيط الإنزيمي إما تثبيطاً تنافسياً competitive inhibition وإما تثبيطاً لا تنافسياً.

يعد التثبيط التنافسي أكثر حوادث التثبيط في تفاعلات الاستقلاب، يستطيع المثبِّط فيه الارتباط بالموقع الفعَّال في الإنزيم؛ أي إن هذه المثبِّطات “تتنافس” مع الركيزة على الموقع الفعَّال، تسمى هذه المثبِّطات بالمثبِّطات التنافسية competitive inhibitors، ويكون لها عادة بنية تحاكي mimic بنية مادة الإنزيم (الشكل3 ب). ويمكن التغلب عليها عادة بزيادة تركيز الركيزة بحيث تصبح جزيئاتها أكثر من جزيئات المثبِّطات فلا تتمكن هذه من ولوج الموقع الفعال.

الوصف: الوصف: 32-3.psd 

االشكل (3): ارتباط المتفاعلات بالإنزيمات في التفاعلات العادية (آ) والتثبيط التنافسي (ب) والتثبيط اللاتنافسي (جـ)  

أما في التثبيط اللاتنافسي فيرتبط المثبِّط بالإنزيم في موقع خارج الموقع الفعّال، أي لا تتحقق علاقة تنافسية بين المثبِّط والركيزة، بل تتعلق درجة التثبيط بتركيز المثبِّط فقط. فعند ارتباط هذا المثبِّط بالإنزيم فإنه يسبب حدوث تغيرات في البنية الفراغية للإنزيم وتُغَيِّر التوزع الفراغي لزمر المركز الفعال وبنيته، الأمر الذي يخل بعملية ارتباط هذا المركز مع الركيزة (الشكل 3 جـ)، بحيث يصبح الإنزيم أقل فاعلية في العمل الحفزي وغير قادر على متابعة عمله الوساطي، مما يشكل أيضاً ما يسمى التثبيط الراجع feedback inhibition يبينه الشكل (4) الذي يُمَثَّل فيه التثبيط الراجع في تركيب الإيزولوسين ابتدا من الثريونين.

الوصف: الوصف: 32-4.psd 

الشكل (4): التثبيط الراجع 

 

وقد تبين وجود تثبيط لا تنافسي آخر يسمى تثبيط غير تنافسيnoncompetitive inhibition تستطيع المثبِّطات فيه أن ترتبط إما بالإنزيم أو بمعقد الإنزيم-الركيزة، وبذلك يصبح الإنزيم غير فعال لدى ارتباطه بالمثبِّط، لكن تبقى الركيزة قادرة على الارتباط بمعقد الإنزيم-المثبِّط، ولكن لا تتشكل منتجات.

تُستخدم كثير من المسالك الاستقلابية المثبِّطات اللاتنافسية في التنظيم الكيميائي الحيوي للاستقلاب. وفي هذه الحالات يحمل الإنزيم المثبِّط موقعين فعالين، أحدهما تتحول فيه المتفاعِلات reactants إلى مُنتَجات products. وغالباً ما تعد السموم والذيفانات toxins مثبطات إنزيمات غير عكوسة irreversible enzyme inhibitors، ومثال ذلك غاز الأعصاب السارين sarin الذي استُخدِم في قطار الأنفاق في طوكيو عام1995 . إن الجزيئة الصغيرة لهذا الغاز ترتبط تساهمياً (تشاركياً) covalently بمجموعة R من الحمض الأميني السيرين serine الذي وجد في الموقع الفعال في إنزيم الأسيتيل كولين إستيراز acetylcholinesterase المهم في الجهاز العصبي. ومثال آخر هو المبيدان الحشريان DDT والباراثيون parathion المؤثران في الجملة العصبية.

يُعَدّ الكثير من الصادات الحيوية antibiotics مثبطات لبعض الإنزيمات في البكتريا. فالبنسيلين مثلاً يسد الموقع الفعال في إنزيمات تستعملها الكثير من البكتريا لصنع جدران خلاياها.

ولا بد من الإشارة إلى أن عدّ الإنزيمات سموماً استقلابية يترك الانطباع بأن التثبيط الإنزيمي هو أمر غير طبيعي ومؤذ. والواقع أن المواد التي توجد عادة في الخلية تنظم فعالية الإنزيمات من خلال عملها مثبطات. وهذا التنظيم - الذي يسمى التثبيط الانتقائي selective inhibition- ضروري من أجل تنظيم الاستقلاب الخلوي، فيما يعرف بالتنظيم الأللوستيري، حيث تتمتع الإنزيمات التي ينظمها التثبيطُ الراجع بموقعٍ تفارغيٍ allosteric site، يمكن أن ترتبط به الجزيئة برابطة غير تساهمية noncovalent bond فتؤثر في فعالية الموقع الفعال، ويسبب ذلك تغيراً في ترتيب بنية الإنزيم وشكله، الأمر الذي يثبط فعله الحفزي. وغالباً ما توجد المواقع التفارغية في الإنزيمات التي تحفز المراحل المبكرة من المسالك الاستقلابية، ومثل هذه المواقع تربط عادة الجزيئات المُنتَجة في المسالك الاستقلابية، وعندما ترتبط المنتجات بهذه المواقع فإنها تثبط عمل هذه الإنزيمات، ومن ثَم تمنع تشكل الكثير من المنتجات.

 

أحمد مالو

 

 

مراجع للاستزادة:

- R. J. Brooker, E. P. Widmaier, L. E. Graham, and Peter D. Stiling, Biology, McGraw- Hill, 2009.

- H. R. Horton, L. A. Moran, M. D. Perry and J. D. Rawn, Principles of Biochemistry, 2006.

- D. E. Metzler and C. M. Metzler, Biochemistry: the Chemical Reactions of Living Cells, Elsevier Academic Press, 2003.

- D. L. Nelson, and M. M. Cox. Lehninger, Principles of Biochemistry, W. H. Freeman, 2004.

- J. B. Reece, L. A. Urry, M. L. Cain, S. A. Wasserman, P. V. Minorsky and R. B. Jackson, Campbell Biology, Pearson, 2011.

- L. Stryer, J. L. Tymoczko and J. M. Berg, Biochemistry, W. H. Freeman, 2002.

 




التصنيف : الفيزيولوجيا
النوع : الفيزيولوجيا
المجلد: المجلد الثاني
رقم الصفحة ضمن المجلد :
مستقل

البحوث الأكثر قراءة

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 18
الكل :
اليوم :

الأصبغة التنفسية

 الأصبغة التنفسية الأصبغة التنفسية الهيموغلوبين الهيموسيانين الهيم إيريثرين تقوم سوائل البدن بوظائف متعددة في جسم الكائن الحي، ويُعدّ نقل الأكسجين أحدها، وقد وُجِد أن الأكسجين ينحل في الما بما يعادل 0.46 %من الحجم، أما البلازما (البلاسما) الدموية في جسم الإنسان فإنها تحمل ما مقداره 0.3 % من الحجم فقط. لكن الدم الشرياني للإنسان يحمل من الأكسجين نحو 20 حجماً في المئة. أي إن الكميات المنحلة في البلازما تعادل 1 - 2% من السعة الأكسجينية الكلية، وهي لا تفي طبعاً بحاجة الإنسان لهذا الغاز؛ ما يعني وجود وسيلة أخرى لنقل باقي الأكسجين الضروري، هي بروتينات صباغية...

المزيد »

المجلدات الصادرة عن موسوعة التقانة :