logo

logo

logo

logo

logo



أوربة- (الجغرافية)

اوربه (جغرافيه)

Europe - Europe

أوربة   أوربة Europe هي إحدى قارات العالم الخمس، ويمكن عدها ـ تجاوزاً ـ شبه جزيرة ملحقة بالقارة الآسيوية، ذلك أن تعيين حدودها الشرقية كان مجالاً للأخذ والرد منذ القديم، وقد جرت العادة قديماً أن يعدّ نهر الدون Don الذي يتصل بالفولغا Volga بقناة ضخمة حداً شرقياً للقارة، ولكن اتُّفق فيما بعد، ولاعتبارات سياسية وحضاريَّة، على أن تُعدّ سلسلة جبال الأورال الممتدة من الشمال إلى الجنوب بطول يزيد على 2000كم الحدود الشرقية الفعليَّة، ومع الارتفاع البيّن لهذه السلسلة (1895م) فإنها لا تؤلف حاجزاً حقيقياً وعقبة في وجه الاتصال بين آسيا وأوربة. وهنالك من الجغرافيين من يرى أن الحدود الغربية لما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي هي التي تؤلف الحدود الشرقية الفعلية لأوربة.   إن دراسة أوربة تصطدم بمشكلات عدة وذلك بسبب تعدد الجزر والمقاطعات البعيدة جداً عن القارة، ولكنها ما تزال تحت سيطرة بعض الدول الأوربية وخصوصاً فرنسة والمملكة المتحدة، وإلى جانب ذلك، هناك جزر كبيرة تؤلف دولاً مستقلة تطرح قضية تبعيتها لأوربة بعض المشكلات الشائكة، فإيسلندة مثلاً هل تعدُّ أوربيّة أم أمريكية؟ ذلك أنّها على قربها من القارة الأمريكية يقطنها الاسكندنافيون، ويمكن قول الشيء نفسه عن غرينلند التي يقطنها النورمنديون منذ الألف الأول للميلاد، وتحولت من عام 1721 إلى مستعمرة دنماركية مع أنها قريبة جداً من القارة الأمريكية، أما من جهة الجنوب، ومع أن البحر المتوسط يؤلف حداً طبيعياً فاصلاً، فإن المشكلة السابقة نفسها ماثلة في جزيرة مالطة[ر] مثلاً، هل تؤلف هذه الجزيرة جزءاً من أوربة أو من إفريقية؟ ومثل ذلك قبرص التي يقطنها الأتراك واليونانيون ويمكن إلحاقها بأوربة أو بآسيا على حد سواء. ومع كل ذلك، فإن هذه القارة ذات الرقعة المساحية الصغيرة تمتلك الشروط الطبيعية الضرورية لقيام حضارة راقية واقتصاد متين، وتتمثل هذه الشروط بالأمور التالية: ـ السهولة النسبية في المواصلات: وذلك لأن ثلاثة أخماس القارة سهول حقيقية يقل ارتفاعها فوق سطح البحر عن 200م، علماً بأن الارتفاع المتوسط لأراضي القارة فوق سطح البحر هو في حدود 300م فقط، في حين أن مساحة القطاعات التي يزيد ارتفاعها على 2000م لاتزيد على 1/100 من إجمالي مساحة القارة. ـ التغلغل الشديد للبحار والمحيطات في القارة بشكل يجعل نسبة طول سواحل القارة إلى إجمالي المساحة (الكثافة الساحلية) معادلة مثلي ماهي عليه في أمريكة ومرتين وربعاً مقارنة مع السواحل الآسيوية، وثلاث مرات مقارنة مع إفريقية، إضافة إلى أن أوربة تشرف على البحر المتوسط وعلى المحيط الأطلسي اللذين يؤلفان أكثر المساحات المائية غنى بالنشاط الملاحي التجاري في العالم، وهذا مايفسر المكانة المهمة للموانئ الأوربية ولصناعة السفن بأنواعها المختلفة. ـ سيادة الشروط المناخية المعتدلة الملائمة للنشاط البشري إلاّ الأقسام الشمالية لشبه الجزيرة الاسكندنافية التي تشرف على الدائرة القطبية الشمالية، وعلى هذا الأساس، تعد أوربة القارة الوحيدة التي لاتعرف الصحارى بالمعنى الحقيقي للكلمة. إن طبيعة المناخ السائد في أوربة أدت إلى تنوع كبير في الغطاء النباتي الطبيعي الدائم الخضرة، مع أن الغطاء قد بدأ مؤخراً بدفع ثمن الحضارة وضريبة الرقي والتقدم والتطور الصناعي الهائل في القارة ولاسيما في أوربة الغربية، ذلك أن التلوث الكبير للغلاف الغازي بسبب الارتفاع الكبير لفضلات الاحتراق المختلفة أدى إلى ارتفاع معدل حموضة الأمطار وهذا أثّر سلبياً في النباتات ودفع حكومات الدول الأوربية إلى اتخاذ الاحتياطات الضرورية لحماية البيئة من أخطار التلوث ومشكلاته. ـ مركز القارة وموقعها في قلب العالم وفي النصف الشمالي من الكرة الأرضية الأكثر غنى بالأراضي وبالسكان، مما سهل مهمة استغلال الأراضي والموارد الطبيعية وأسهم في ازدهار النشاط والعلاقات التجارية مع القارات الأخرى، ذلك لأن بعد القارة عن أمريكة يعادل بعدها عن الشرق الأقصى وعن إفريقية الاستوائية التي تؤلف أسواق التبادل التجاري الرئيسة مع أوربة. ـ غنى القارة الأوربية بالموارد الرئيسة وخاصة الفحم الحجري والحديد وبموارد الطاقة الكهرمائية التي تعد بمجملها أساس الصناعة الحديثة. ـ الماضي الاستعماري للقارة إذ إن بعض دول القارة وعلى رأسها المملكة المتحدة وفرنسة وإيطالية استغلت الموارد الطبيعية لأجزاء واسعة جداً من العالم، ومع أنها استغلت معظم المستعمرات السابقة، فإن هذه المستعمرات ماتزال تؤلف مناطق نفوذ سياسي وثقافي واقتصادي وأسواق تصريف للمنتجات الأوربية حتى اليوم. الموقع والحدود والمساحة تعدُّ أوربة ـ بعد أسترالية ـ أصغر قارات العالم، إذ يبلغ إجمالي مساحتها 10.525.000كم2 مع مجموعة الجزر التي ما تزال من الناحية السياسية تابعة لدولها المختلفة. إن هذه المساحة تزيد على ثلث مساحة إفريقية وربع مساحة أمريكة وأقل من ربع مساحة آسيا، وعلى العموم، إن مساحة القارة الأوربية تعادل نحو عُشْرِ مساحة اليابسة. يحد القارة الأوربية من الجنوب البحر المتوسط[ر]. أما من الغرب فإن المحيط الأطلسي[ر] يؤلف حداً طبيعياً واضحاً، في حين يؤلف البحر المتجمد الشمالي[ر] الحدود الشمالية للقارة، ومن الشرق تنتصب سلسلة جبال الأورال التي تمثل الحدود الغربية لسيبيرية والحدود الاتفاقية ـ إن صحت التسمية ـ مع آسيا. ومع أن سلسلة جبال القفقاس تمثل حاجزاً طبيعياً يشكل الحدود الجنوبية الشرقية للقارة الأوربية، فإن معظم الجغرافيين يرى أن نهر آراكس الذي يرسم الحدود الروسية ـ التركية والحدود الأذرية ـ الإيرانية، الحد الجنوبي الشرقي الفعلي للقارة الأوربية. وعلى هذا الأساس، تمتد القارة الأوربية بين خطي العرض 34-71 درجة شمالاً بطول يصل إلى نحو 3900كم، وتمتد بين خطي الطول 25 درجة مئوية غرباً (غربي إيسلندة) و66 درجة مئوية شرقاً بطول يصل إلى نحو 6200كم. ويزداد عرض القارة الأوربية واتساعها باتجاه الشرق، لأن المسافة التي تفصل بين رأس الشمال وساحل بحر قزوين تصل إلى 2500كم على حين لاتزيد على 400كم بين ساحل الأطلسي قبالة مدينة بوردو الفرنسية وميناء سِتْ Sete الواقع على خليج ليون في البحر المتوسط، وفي الوقت نفسه وبالاتجاه من الشرق إلى الغرب، يزداد تغلغل البحار داخل القارة، فالمسافة التي تفصل بين ساحلي البحرين الأبيض شمالاً والأسود جنوباً تصل إلى نحو 2000كم، مقابل 1100كم للمسافة بين أوديسّة الواقعة على البحر الأسود وكاليننغراد الواقعة على بحر البلطيق[ر]، وتنخفض إلى نحو 1000كم بين ميناء ترِيِسته Trieste الإيطالي الواقع على البحر الأدرياتي وبين ميناء شتيتين Stettin البولندي الواقع على بحر البلطيق، وفي أقصى الغرب تتناقص المسافة إلى 400كم بين خليجي غسكونية على المحيط الأطلسي وليون على البحر المتوسط. على هذا الأساس، يمكن تقسيم أوربة من الناحية الجغرافية إلى: ـ أوربة القارية نسبياً، وتشمل المناطق الشرقية من القارة (أقطار المنظومة الاشتراكية سابقاً). ـ أوربة الغربية، وتتألف من مجموعة من أشباه الجزر المتلاصقة التي تتداخل فيها الألسنة البحرية الممتدة إلى مسافات كبيرة ضمن القارّة. إن الرقعة المساحية الآنفة الذكر، تقسم إلى مجموعة كبيرة من الدول الصغيرة المساحة نسبياً، أكبرها فرنسة التي لاتتجاوز مساحتها 551000كم2، مؤلفة فسيفساء حقيقية من النواحي الجغرافية والسياسية والاقتصادية والتاريخية والثقافية والفكرية. البنية والتضاريس ويتناول البحث هنا الوصف التضاريسي العام والتاريخ الجيولوجي:  1ـ الوصف التضاريسي العام: إن الشروط والخصائص التضاريسية السائدة في أوربة تجعل من القارة واحدة من أهم مناطق العالم ملاءمة للحياة البشرية وللتطور الحضاري والاقتصادي، ذلك أن الكتل الجبلية الشاهقة الارتفاع مثلاً تنعدم في هذه القارة، ومع وجود بعض القمم التي تتجاوز ارتفاعاتها 5000م كما هي الحال في قمة إلبروز Elbrouse (أوشحه ماف) في القفقاس (5633م) أو دون ذلك كما في القمة البيضاء (مون بلان) Mont Blanc الفرنسية (4807م) فإن الطابعين السهلي والهضبي يغلبان على القارة، ليس هذا فحسب بل إن الاتجاه العام السائد على السلاسل الجبلية في القارة هو اتجاه شرق ـ غرب، وهذا مايسمح بتغلغل المؤثرات المحيطية القادمة من الغرب إلى مسافات بعيدة داخل القارة، ويضاف إلى ذلك كون هذه السلاسل ضيقة نسبياً حتى يمكن معها أن يخترقها نفق باطني لايتجاوز طوله 20كيلومتراً، كما هي الحال في نفق سِمْبلون Simplon الواقع في جبال الألب السويسرية، وعلى هذا لاتوجد في أوربة عقبات تضاريسية في وجه المواصلات كما هي الحال في القارات الأخرى، أما السلاسل الرئيسة في أوربة فهي: ـ سلسلة الكتل ذات الاتجاه جنوب غرب ـ شمال شرق، وتمتد من إيرلندة إلى رأس الشمال في أقصى شمالي شبه الجزيرة الاسكندنافية. ـ مجموعة السلاسل الجبلية التي تتجه من الغرب إلى الشرق، من السلسلة الكانتبرية التي هي استطالة غربية لجبال البيرينيه غرباً حتى جبال القفقاس شرقاً. ـ بين المجموعتين السابقتين، تسود السهول والهضاب الأوربية التي تزداد عرضاً واتساعاً باتجاه الشرق، ويضطرب رتوب هذه السهول بظهور مجموعة من الكتل الجبلية المؤلفة من صخور قديمة تعرضت لحركات بنائية (تكتونية) عنيفة. 2ـ التاريخ الجيولوجي: إن أوجه النشاط الجيولوجي المختلفة التي أعطت تضاريس أوربة ملامحها الحالية هي: أ ـ الالتواءات الهورونية: وقد حدثت في بداية الحقب الجيولوجي الأول، وأدت إلى ظهور الأقسام الشمالية من الجزر البريطانية ـ الاسكندنافية إضافة إلى أقصى شمالي جمهورية روسية الاتحادية، والسلاسل التي نهضت في هذه الحقبة الزمنية، تعرضت لعمليات حت عنيفة انطمست معها كل معالمها الأوليّة، وتلتها الالتواءات الكاليدونية التي أنهضت جبال اسكتلندة واسكندنافية. وتعرضت لعمليات حت وتعرية عنيفة أيضاً. ب ـ الالتواءات الهرسينية: وقد حدثت في أواخر الحقب الجيولوجي الأول وأثرت عموماً في الأقسام الجنوبية للمناطق التي تعرضت للالتواءات الكاليدونية، وقد نجم عن هذه الالتواءات، نهوض جبال إنكلترة ومقاطعة بروتاني الفرنسية والكتلة المركزية الفرنسية أيضاً إضافة إلى كتلة الغابة السوداء والأردين Ardenne، ومجمل هذه المناطق تعرض في النصف الثاني من الحقب الجيولوجي الثالث لنشاط بنائي (تكتوني) بالغ الأهمية على شكل فوالق وكسور رافقها حدوث اندفاعات بركانية شملت مساحات واسعة، ثم تعرضت فيما بعد إلى أعمال حت وتعرية عنيفة. جـ ـ في الحقب الجيولوجي الثاني انطمرت بعض البحار الداخلية الأوربية من تكدس الأنقاض الناجمة عن نشاط أعمال الحت والتعرية في الجبال وتراكم الرسوبات في قيعان هذه البحار، وهذا ماأدى إلى تكوُّن سهول أوربة الشمالية الكبرى كحوض باريس الحالي مثلاً. د ـ الالتواءات الألبية: حدثت هذه الالتواءات في الحقب الجيولوجي الثالث، وأثرت في الأجزاء الجنوبية لأوربة خاصة، وماتزال المناطق التي تعرضت لهذه الالتواءات محتفظة بتضاريسها الشابة نسبياً، وإن تأثّرت جزئياً بحركات الخسف التي أدت إلى تكون بعض البحار التي مازالت على وضعها الأولي أو تعميقها إلا بحرين داخليين تعرّضا لنشاط ترسيبي مهم أدى إلى اختفائهما الكامل، ليظهر مكانهما سهل البو الشهير في شمالي إيطالية وسهل هنغارية الواسع. أما أهم الكتل الجبلية التي نجمت عن هذه الالتواءات فهي: البيرينيه والألب والأبنين والكاربات والألب الدينارية وجبال البلقان والقرم وجبال القفقاس. هـ ـ شهد الحقب الجيولوجي الرابع سلسلة من الزحوف الجليدية المهمة هي الغونز Günz والمندل Mindel والرِّيس Riss والفورم Würm، وقد أثرت هذه الزحوف في أوربة الشمالية خاصة، ووصلت فيها الجليديات حتى خط عرض مدينة موسكو ونجم عنها تكوُّن سهول تراكمية ومناطق حت جليدي، كما أن انحسارها النهائي أدى إلى تكوُّن عدد كبير جداً من بحيرات المياه العذبة ولاسيما في فنلندة التي تعرف عادة ببلد العشرة آلاف بحيرة، ومع أن الرقم المذكور من غير شك مبالغ فيه، فإن مجرد إطلاق التسمية الآنفة الذكر يشير إلى غنى فنلندة الكبير بالبحيرات المهمة ذات الأصل الجليدي، التي تعود بدايات تكوُّنها إلى ما قبل نحو 11000سنة، أي إلى الانحسار النهائي للجليديات. الجغرافية الطبيعية ويتناول البحث هنا الوحدات التضاريسية الكبرى، والمجموعات التُربية الكبرى، والأحوال المناخية. 1ـ الوحدات التضاريسية الكبرى: إن التاريخ الجيولوجي للقارة الأوربية ومارافقه من أنشطة عامة يتيح تمييز الوحدات التضاريسية الكبرى التالية: أ ـ منطقة الكتل القديمة (صخور القاعدة القديمة) الممتدة في أقصى شمال غربي القارة وفي بعض أنحاء أوربة الوسطى، وتتألف من صخور متبلورة كالغرانيت والغنايس والشيست، تعلوها أحياناً بعض الصخور ذات الأصل الرسوبي كالصخور الرملية والكلسية والدولومية، ومجمل هذا القطاع تعرض لحركات بنائية رافقها غالباً اندفاعات بركانية، كما أنها كانت مسرحاً لأوجه نشاط جيومورفولوجي بالغة الأهمية، تمثلت بالحت الجليدي ولاسيما في الأقسام الشمالية، وقد استطاع هذا الحت أن يحفر الكثير من الأودية الجليدية المعلفيَّة العميقة التي تعرضت لطغيانٍ بحري تالٍ من ارتفاع مستوى الأساس العام أو المطلق (مستوى البحار والمحيطات) الناجم عن الانحسار والتراجع الجليدي النهائي، مما أدى إلى تكوُّن السواحل الغنية جداً بما يعرف بالفيوردات Fiords (خلجان مغمورة بمياه البحر) كما هي الحال في سواحل النروج خاصة. ومن وجهة نظر طبوغرافية، لاتتجاوز ارتفاعات منطقة الكتل القديمة 2000م إلا في شبه الجزيرة الاسكندنافية، كما أن عنف الحركات البنائية التي تعرضت لها صخور القاعدة القديمة هذه أدى إلى تجزئتها إلى كتل متفرقة ومتباعدة وأحياناً متطبقة بعضها فوق بعض، وقد خددتها الأودية وحززتها على شكل خوانق عميقة، كما ينتشر بين الكتل السابقة بعض الأحواض الرسوبية المهمة كحوض لندن مثلاً، وتظهر بعض الأغوار الانهدامية المنشأ كسهول الألزاس وباد وليمان والسون والرون. وعموماً، تغطي أشجار الغابة القديمة قمم الكتل الآنفة الذكر، في حين أن المناطق الهضبية القليلة الارتفاع غنية بالمراعي والمروج وأحياناً ببعض المزروعات كما هي الحال في منطقتي السوم العليا والفوج الفرنسيتين مثلاً، وهذه التوضعات الصخرية القديمة غنية عادة بمكامن الفحم وببعض الموارد المعدنية الأخرى كالرصاص والنحاس والزنك واليورانيوم، وغنية جداً بمصادر الطاقة الكهرمائية كما هي الحال في منطقة الكتلة المركزية الفرنسية. ب ـ مناطق الألب الأوربية: على العكس من المناطق السابقة، تتكوَّن مناطق الألب من سلسلة من الجبال المرتفعة والضيقة نسبياً، ويعود تكوُّنها إلى الحقب الجيولوجي الثالث، وعند أقدام هذه السلاسل، تنتشر السهول الخصبة الناجمة عن تراكم الرسوبيات القادمة من القمم الجبلية، وأقصى ارتفاع يمكن أن تبلغه الجبال التي تمثل هذه السلسلة هو 5633م في قمة إلبروز علماً بأن الارتفاع السائد على معظم القطاعات هو بحدود 3000م، وقد تنخفض الارتفاعات إلى أقل من ذلك بكثير، كما هي الحال في سلاسل اللانغدوك الفرنسية التي لايتجاوز معدل ارتفاعها 1000م. إن بداية نشوء هذه السلاسل حدث انطلاقاً من سلسلة من الرسوبيات المتراكمة التي وصل ثخنها إلى 8000م أحياناً، متوضعة في مقعرات عميقة استطاعت توفير الشروط الملائمة من ضغط وحرارة ساعدا على ظهور الصخور المتحولة ذات الأصل الرسوبي كظهور صخور الشيست المتكون من الغضار، والرخام المتكون من الصخور الكلسية، في حين أن النشاط البركاني الذي رافق تكون هذه السلاسل، أعطى صخوراً خضراء في جبال الألب وفي السلسلة الدينارية، وهنالك بعض السلاسل الألبية الناجمة عن نبش صخور القاعدة القديمة التي اندمجت فيما بعد بالحركات الالتوائية الألبية، كما هي الحال في مناطق البيرينيه الشرقية. وإلى جانب السلاسل الجبلية وسهول التراكم الخصبة، يتضمن عالم الألب الأوربي عنصراً ثالثاً ممثلاً ببقايا صخور القاعدة القديمة التي لم تندمج بالسلاسل الجبلية كما هي الحال في هضاب ميزيتا Meseta الإسبانية، وبقايا هضاب جزر بحر إيجة. ويبدو أن صخور القاعدة هذه كان لها أثر في تحديد مسار السلاسل الألبية واتجاهاتها وقت حدوث الالتواءات التي كوَّنتها. إن سلاسل الألب الآنفة الذكر تعدُّ أهم الكتل الأوربية، وذلك من حيثُ ارتفاعها وموقعها المركزي في القارة، وهي مؤلفة عموماً من ثلاثة أشرطة رئيسة هي: ـ كتلة مركزية محورية عالية مكوَّنة من الصخور المتبلورة ومن الصخور الكلسية، لاتقل ارتفاعاتها عن 3500م. ـ على جانبي الكتلة السابقة، تنتشر كتل تُعرف بأقدام الألب، وتتألف عادة من الصخور الرسوبية الكريتاسية ذات الارتفاع الذي يراوح بين 2000م و3500م، والمنطقة الوحيدة التي لاتظهر فيها هذه الكتل هي السفوح الجنوبية للألب الفرنسية الإيطالية، حيث يمتد سهل البو الشهير من أقدام الكتلة المحورية مباشرة. وهنالك سلسلة من الأودية النهرية الشديدة التعقيد ممتدة على طول الكتلة المركزية المذكورة، إضافة إلى وجود شبكة من الأودية المعترضة، وهذا مايساعد على سهولة المواصلات. إن تباين الارتفاعات في هذه السلاسل يؤدي إلى ظهور شروط بيئية مختلفة تسبب نشوء مجموعات نباتية شديدة التنوع وفقاً لتبدل الأحوال المناخية مع الارتفاع عن سطح البحر، وإن الإمكانات الكهرمائية هنا بالغة الأهمية، وتستثمر وتستغل استغلالاً نموذجياً في مناطق البيرينيه وجبال الألب، في حين أن إمكانات السلاسل الديناريّة والكاربات والأبنين ماتزال تفتقر إلى الاستثمار الكامل لهذه الطاقة. حـ ـ السهول الأوربية الكبرى: تمتد على مساحات واسعة جداً من سواحل بحر الشمال غرباً إلى جبال الأورال شرقاً، وتتألف من توضعات ورسوبيات خصبة، لم تتعرض إطلاقاً لحركات التوائية في أجزائها الغربية، في حين أن أجزاءها الشرقية تعرضت لحركات التوائية، استطاعت أعمال الحت والتعرية العنيفة، وخصوصاً الحت الجليدي، اجتثاثها تماماً، وأهم هذه السهول: سهول حوض لندن، ثمّ سهول الفلاندر الواقعة على سواحل بحر الشمال وتشغل الأجزاء الشمالية الغربية لفرنسة والجنوبية الغربية لبلجيكة. وتشتهر هذه السهول بزراعة الحبوب والشوندر خاصة، ثمّ يأتي حوض باريس وسهل البو وسهول هولندة، وإلى الشمال قليلاً، يمتد السهل الألماني ـ البولندي الواسع والغني جداً بالركاميات (المورينات) النهائية والقاعية التي خلفها التراجع والانسحاب النهائي للجليديات، وتركت وراءها أيضاً سلسلة مهمة من المنخفضات التي تؤلف اليوم بحيرات المياه العذبة الشهيرة. إنّ الزحف الجليدي أدى إلى حفر مجارٍ عميقة باتجاهات محددة تعبر قيعانها اليوم مجارٍ مائية مهمة أشهرها نهرا إلبة Elbe الذي يزيد طوله على 1100كم، وفيستولة Vistule الذي يصل طوله إلى 1090كم، في حين وضَّعت الرياح أشرطة من الرمال شمالاً، ومن اللوس Loess جنوباً، وهذه الأشرطة تؤلف حزاماً مستمراً من البورد في ألمانية إلى أوكرانية مروراً بتورنغن وسكسونية في ألمانية وسيليزية وهي سهول خصبة بولنديّة ـ تشيكية ـ سلوفاكية، وتعدُّ هذه السهول أخصب مناطق القارة على الإطلاق، وإلى الجنوب، تمتد سهول الدانوب وأوكرانية والدون والفولغا حتى القفقاس وسلسلة جبال الأورال. إن الارتفاع العام لهذه السهول لايتجاوز 300م، وتخترقها أنهار أوربية ذات أودية ومجارٍ عميقة وعريضة صالحة للملاحة النهرية في معظم الأحيان. 2ـ المجموعات التربيَّة الكبرى: تتعدد النماذج الرئيسة للترب في أوربة من التنوعات الصخرية (الليتولوجية) الكبرى على مستوى صخور القاعدة، وللأحوال المناخية السائدة، إضافة إلى تبدل الشروط الطبوغرافية، فمنها ماتطور ببطء شديد من دون أن يخضع لتبدل ولتغير في مواضع التكوُّن الأولية كالترب التي نشأت وتطورت في السهول الأوربية الشرقية، وخلافاً لذلك، بسبب تشابك العوامل المؤثرة في الأقسام الغربية للقارة، تعددت نماذج الترب حتى ضمن كل نطاق مناخي على حدة، ومن أقصى شمالي القارة إلى سواحل البحر المتوسط تتتابع النماذج التربية الرئيسة التالية: أ ـ ترب التوندرة: وهي ترب مستنقعية غالباً، لونُها داكن، غنية جداً بالعناصر الدبالية الناجمة عن تحلل الأشنيات وتفسُّخِها، وفي المراعي الجبلية توجد نماذج تربية ذات خصائص قريبة جداً من خصائص ترب التوندرة، لكنها في هذه المراعي ليست مستنقعيَّة، وأعشاب المراعي المذكورة هي التي تغني هذه الترب بالمواد الدبالية. ب ـ ترب البودزول: وتتكوّن تحت غابات التايغا، وتتألف من غطاء علوي يبلغ ثخنه بضعة سنتيمترات وهو غني بالدبال الذي يغطي مساحات ذات طبيعة رماديّة ولون رمادي مبيض تعرضت لعمليات غسل شديدة، في حين تتألف القاعدة من أفق رمادي اللون كتيم وغني جداً بعنصر الحديد، وهذا النوع من الترب يتكون ويتطور عادة في المناطق الرطبة المتميزة بفصول الشتاء الباردة، وفوق قاعدة صخرية ذات طبيعة حمضية، حيث تقترب قيمة «الباهاء» pH فيها من 5. حـ ـ جنوب النطاق السابق تتطور ترب بُنية أو صفراء انطلاقاً من ترب البودزول الآنفة الذكر ولكن عنصر الحديد في هذا القطاع يبقى موجوداً في كل آفاق التربة، المتكوّنة من الذبذبات والتبدلات المناخية، وكثير منها ترب قديمة خضعت لتطورات وتبدلات لاحقة. د ـ ترب تشِرنوزم Chernozem السوداء الخصبة: تنتشر خاصة في سهوب روسية الاتحادية وسهوب أوكرانية وعلى الأطراف الجنوبية لبولندة وألمانية وسهول الدانوب، وهي ترب غنية أيضاً بالدبال الذي يمثل 8-14% من الترب ذاتها، وتعد هذه الترب مناسبة تماماً لزراعة القمح والشوندر السكري وعباد الشمس شريطة توفر المياه والرطوبة. هـ ـ الترب الكستناوية والرمادية الغنية بالأملاح وبكربونات الكالسيوم التي تذيبُها مياه الهطل فصلياً، لتعود فتتصاعد إلى السطح ثانية بفضل عملية البَخْر، وهذه الترب ذات طبيعة قلوية تزيد قيمة التفاعل الأرضي أي «الباهاء» فيها على 9، وتتصلب بشدة صيفاً، وتتحول إلى كتلة وحلية في فصل الأمطار، ولذلك فهي غير ملائمة للزراعة مقارنة مع أنواع الترب السابقة. و ـ ترب حوض البحر المتوسط: تتميز بسيادة الترب البنية المحمرة Terra Rossa التي تتطور في ظل الأحوال المناخية الحالية، وهي مفتقرة عموماً إلى العناصر الدبالية المُخرّبة بفعل عمليات الحت والتعرية، وتتكوَّن هذه الترب عادة من تحلل الصخور الكلسية وذوبانها، في حين أن الصخور السيليسية تمتاز بسيادة الترب الرملية البنيّة عادة. وفي المناطق المتوسطية الجافة، يختفي اللون البني المحمر ليسود اللون المائل للبياض من تكوُّن القشرات الكلسية كما هي الحال في جنوبي إسبانية[ر]، وهذه الترب غير ملائمة للزراعة إلا بعد تخريب هذه القشرات وانتزاعها. 3ـ الأحوال المناخية: تمتاز القارة الأوربية بسيادة أحوال مناخية خاصة ناجمة عن تضافر مجموعة من العوامل الجغرافية وتفاعلها وأهمها:  أ ـ امتداد القارة بين خطي العرض 34 و71 درجة شمالاً، يؤدي إلى سيادة الأحوال والشروط المناخية المعتدلة مجملَ أراضي القارة، إلا أقصى جنوبي إسبانية الذي لايعرف الجليد إطلاقاً، وتتميز هذه المنطقة بارتفاع درجات الحرارة ارتفاعاً يتيح زراعة قصب السكر، إلا أقصى شمالي شبه الجزيرة الاسكندنافية الواقعة ضمن المجال الجليدي الشديد البرودة. ب ـ تغلغل البحار والمسطحات المائية ممتدّة إلى مسافات بعيدة ضمن القارة، بما تحمله من مؤثرات نوعيَّة خاصة. حـ ـ مرور تيارات المحيط الأطلسي وتفرعاتها الدافئة على طول السواحل الغربية مما يؤدي إلى تلطيف مناخ المناطق الشديدة البرودة الواقعة في أقصى الشمال، حتى إن رأس الشمال لايعرف الجليد الدائم، وللحديث عن أوربة القطبية فعلاً، يجب الوصول حتى جزيرة سبيتزبرغ (-17 درجة مئوية شتاءً مقابل + 4.8 درجة مئوية صيفاً)، أو يجب الاتجاه شرقاً ضمن أراضي جمهورية روسية الاتحادية القاريّة (- 16.8 درجة مئوية في كانون الثاني). إن التيارات السابقة هي التي تجعل متوسط درجة حرارة أكثر شهور السنة برودة في مدينة برغن (في النروج) لايقل عن +1.3 درجة مئوية مع وقوعها على خط عرض أقصى جنوبي غرينلندة، مقابل متوسط حرارة لشهر كانون الثاني يعادل -3.7 درجة مئوية لميناء أوديسّة الواقع على البحر الأسود. د ـ وضع السلاسل الجبلية الخاص مقارنة مع اتجاه هبوب الرياح الرطبة المتجهة نحو القارة، إذ إن الاتجاه الرئيس السائد لهذه الجبال من الشرق إلى الغرب، يسمح بتغلغل المؤثرات المحيطية في قلب القارة، في حين يمنع هذا الاتجاه نفسه في جبال البيرينيه ولوج الرياح الجنوبية الغربية شمال غربي أوربة. إن تضافر العوامل السابقة أدى إلى وجود نماذج مناخية متعددة ضمن القارة، ذلك لأن هذه العوامل هي التي تحدد وضع الكتل الهوائية التي تحدد نوعية الأحوال المناخية السائدة، فتتلاقى فوق المحيط الأطلسي كتل هوائية مختلفة الطبيعة والخصائص والمنشأ، وإلى جانب الكتل الحارة المدارية المنشأ التي تتكوّن فوق المناطق المتأثرة بالتيارات الحارة والممتدة حتى السواحل الإفريقية (تيار الخليج مثلاً)، هنالك الكتل الهوائية القطبية الباردة، وعلى جبهة التلاقي تحدث الاضطرابات التي تسبب هبوب الرياح المطيرة التي تساير أحياناً الساحل النروجي، وقد تعبر البلطيق أحياناً فتصل حتى البلقان، وربما وصلت سواحل المتوسط الجنوبية. وإضافة إلى مؤثرات المحيط الأطلسي فإن تأثيرات البحار الأخرى تجعل مجمل أجزاء القارة يتلقى أمطاراً كافية على مدار السنة، إلا المناطق الشرقية ذات الشتاء الجاف، والأقسام الجنوبية للقارة ذات الصيف الجاف أيضاً. إن العوامل السابقة تجعل من القارة رقعة قابلة للزراعة في كل أنحائها إلا القمم الجبلية، فحدود زراعة القمح، الذي يقاوم البرودة، تمرُّ من جنوب شبه الجزيرة الاسكندنافية، على حين يمكن أن تزرع الذرة في هولندة[ر] وعلى سواحل البلطيق وبالمقابل فإن الكثير من المزروعات ذات الأصول الإفريقية والأمريكية والآسيوية استطاعت أن تتأقلم مع الأحوال المناخية السائدة في أوربة جنوب خط العرض 45 درجة مئوية. إن النماذج المناخية في أوربة شديدة التنوع عملياً، ويخضع الجو فيها لتبدلات مهمة من فصل إلى آخر، ومن شهر إلى آخر، بل من يوم إلى يوم، حيث لايمكن التنبؤ بنوعية الجو لمدة تزيد على يومين أو ثلاثة، وهذا ناجم عن عدم ثبات الكتل الهوائية ومراكز الضغوط العالية القارية المنشأ، والضغوط المنخفضة التي تتكون بالأخص فوق شمالي المحيط الأطلسي. إن الموقع الفلكي، والقرب والبعد عن المسطحات المائية عوامل تتيح ظهور ثلاثة نماذج مناخية كبيرة، وضمن كل نموذج تلاحظ تباينات وتغيرات محلية وفقاً لنظام الهطل والمدى الحراري السائد، وهذه النماذج هي: ـ المُناخ المحيطي الذي يسود سواحل الأطلسي إلا أقصى جنوبي البرتغال وإسبانية، وسواحل بحري الشمال والمانش، وتعيين الحدود الشرقية لتأثير هذا النموذج المناخي أمر عسير للغاية، لأن المؤثرات المحيطية تختفي تدريجياً باتجاه الشرق، إلا النروج، إذ إن امتداد الألب الاسكندنافية يقف عائقاً أمام مرور المؤثرات المحيطية باتجاه الشرق، كما أن السلاسل الكانتبرية في إسبانية لها الأثر نفسه، حتى في الجزر البريطانية فإن تأثيرات هذا النموذج المناخي تخف من الغرب باتجاه الشرق، حيث تسود بعض الخصائص القارية الأطراف الشرقية للسهول البريطانية، فمعدل درجة حرارة أكثر الأشهر برودة على ساحل إيرلندة الغربي يصل إلى +7 درجة مئوية مقابل +3.5 درجة مئوية في لندن، وينخفض إلى +0.8 درجة مئوية في مدينة غرونينغ الهولندية، وإلى الصفر المئوي في براندنبرغ الألمانية، مقابل -3.4 درجة مئوية في وارسو و-11 درجة مئوية في موسكو. وفي جنوبي القارة، تتداخل المؤثرات المحيطية ومؤثرات البحر المتوسط التي يمكن أن تصل حتى الكتلة المركزية في فرنسة. أما الخصائص الرئيسة لهذا النموذج المناخي فهي: ضعف المدى الحراري السنوي الذي يراوح بين +10 درجة مئوية و +15 درجة مئوية، ودرجات الحرارة اللطيفة شتاءً والمعتدلة صيفاً، وتوزع الهطولات على مدار السنة، مع وجود هطل أعظمي في الفصل البارد قرب السواحل، وتتبدل الأوضاع نسبياً باتجاه الداخل حيث يصبح توزع الهطولات متساوياً في كل فصول السنة، وتراوح كمية الهطولات السنوية بين 850 ملم للمناطق السهلية وإلى مايزيد على 1500ملم حتى 5270ملم في كركفيس والجبل الأسود (مونتنيغرو) الواقعة على ارتفاع 1097م، أي على السفوح الجبلية المواجهة لهبوب الرياح المحيطية الغربية المشبعة بالرطوبة، وفي الوقت نفسه يراوح عدد الأيام المطيرة في السنة بين 180 يوماً في مدينة برستْ الفرنسية و270 يوماً في جزر فارو، كما يتباين عدد ساعات سطوع الشمس، فهو يراوح بين 1550 ساعة في السنة على الساحل الجنوبي لإنكلترة [ر]، مقابل 2500 ساعة في السنة في مدينة نيس الفرنسية الواقعة على ساحل البحر المتوسط. ـ المناخ القاري: تقع المنطقة الخاضعة لهذا النموذج المناخي تحت تأثير الضغوط الجوية العالية، التي تتكوّن شتاءً، وهذه المرتفعات الجوية هي النتيجة والسبب للبرد الشديد في آن واحد، لأن التبرد السريع للقارة شتاءً بالمقارنة مع المحيطات والبحار يؤدي إلى توضع هذه الضغوط على ارتفاعات تراوح بين 2000م و3000م، فتمنع دخول المؤثرات المُحيطيّة إلى أعماق القارة، ولهذا يشتد انخفاض الحرارة انخفاضاً قد يصل إلى -30درجة مئوية في مدينة موسكو، وتتجمد مياه الأنهار. والقسم الأعظم من الهطولات النادرة جداً في فصل الشتاء هنا تكون ثلوجاً. إن موجات البرد الشديد التي تشهدها أوربة الغربية، ناجمة عن الرياح التي تدفعها هذه الضغوط العالية ولاسيما في الأوقات التي تسود فيها الضغوط المنخفضة فوق البحر المتوسط، لأنها تقوم باستقطاب هذه الرياح أو جرِّها، ومعدل الهطولات السنوية في ظل هذا النموذج المناخي يراوح عادة بين 450ملم و650ملم، وأغلبها ذات طابع فجائي وعاصف، وتحدث في فصل الصيف الذي يشهد درجات من الحرارة أكثر ارتفاعاً مِمّا هي عليه في المناطق التي يسودها المناخ المحيطي، ففي شهر تموز، يصل معدل درجة الحرارة في موسكو وفي برلين إلى +18.9 درجة مئوية وإلى 18.8 درجة مئوية في وارسو، مقابل +22.6 درجة مئوية في أوديسّة، أمّا المدى الحراري السنوي فإنه يزيد عادة على 30 درجة مئوية. إن تضافر الهطولات الصيفية مع درجات الحرارة الآنفة الذكر يؤدي إلى انتعاش الغطاء النباتي. والظاهرة الجديرة بالاهتمام هنا هي كون درجات الحرارة الصيفية ذات قيم متناقصة من الجنوب باتجاه الشمال بحسب درجات العرض، في حين أن تباينات درجات الحرارة الشتوية تتأثر بدرجات الطول، أي بحسب وضع المناطق المختلفة مقارنة مع امتداد الكتلة القارية التي تمتاز بسيادة الضغوط الجوية العالية. ـ المناخ المتوسطي: يسود هذا المناخ الأقسام الجنوبية للقارة، ويتميز عادة بفصول شتاء معتدلة نسبياً، وصيف شديد الحرارة لأن ساعات سطوع الشمس تزيد غالباً على 2200 ساعة في السنة، وقد تصل إلى 2900 ساعة كما هي الحال في صقلية، ونظام هطولاته خريفي وشتوي، وتحدث الهطولات فيه فجأة وبغزارة كبيرة، حتى إن قيعان الأودية الجافة صيفاً تتحول إلى مجارٍ لفيضانات وحلية خطرة وعنيفة جداً، فنهر الجوكار الذي لا يتجاوز طوله 506كم والذي يخترق سهول فالنسية الإسبانية قبل أن يصب في البحر المتوسط مثلاً يشهد في أوقات الهطل المفاجئ فيضانات عنيفة يصل صبيبه فيها إلى مايزيد على 12000م3 /ثا، أي مايزيد على صبيب نهر الرون في أعنف فيضاناته. وضمن النطاق الذي يتأثر بهذا النموذج المناخي توجد اختلافات محسوسة بين قطاعين يفصل بينهما الخط الوهمي الواصل بين لشبونة وأثينة، والذي ينطبق تقريباً على خط تساوي درجات الحرارة ذي القيمة +9.5 درجة مئوية في شهر كانون الثاني، فالمناطق الواقعة إلى الجنوب من الخط المذكور تشهد شتاءً لطيفاً نسبياً، ومعظم الهطولات تحدث في فصل الشتاء، وخاصة بين كانون الأول وبداية آذار، في حين أن فصلي الخريف والربيع لا يشهدان سوى القليل من الهطولات، أما فصل الصيف الجاف فإنه يمتد من خمسة أشهر حتى ستة، وهذا النطاق يتأثر عادة بالرياح ذات المصدر الصحراوي القادم من القارة الإفريقية، وضمن هذا النطاق توجد بعض الأجزاء التي لاتزيد كميات الهطل فيها على 250ملم، أما المناطق الواقعة إلى الشمال من الخط المذكور فإن معظم الهطل يحدث في فصلي الخريف والربيع، في حين أن الضغوط الجوية المرتفعة التي تسود قلب القارة، تسبب حدوث موجات شديدة البرودة في فصل الشتاء، وتتميز هذه المناطق عموماً بقصر فصل الصيف الجاف. إن المعدل العام للهطولات في المناطق السهلية يصل إلى مايزيد قليلاً على 500ملم سنوياً ولكن عدم توزعها المنتظم على مدار السنة يؤدي إلى كون معظم نباتات هذا النطاق من النوع المتأقلم على العموم مع شروط الجفاف، وبالمقابل فإن السفوح الجنوبية والغربية المعرضة لهبوب الرياح الرطبة تتلقى كميات كبيرة جداً من الهطولات التي قد تصل حتى المترين في منطقة فنتو الواقعة على الأقدام الجنوبية للألب الفرنسية، مقابل 4400ملم في منطقة الجبال الغربية اليوغسلافية، وترتفع إلى مايزيد على 5000ملم في جمهورية الجبل الأسود. 4ـ المياه: أوربة غنية بالمياه العذبة في أنهارها وبحيراتها وبركها التي تُعد بالآلاف، أغلبها متخلف عن تراجع جليديات الحقب الرابع الجيولوجي وذوبانها في حفر ومنخفضات مغلقة كوَّنها الحت الجليدي السابق. كذلك هناك الكثير من البحيرات التي كونتها الأنهار في المناطق السهلية ذات الأصل الركامي الجليدي. لذا تكثر البحيرات في شمالي القارة التي انزاحت عنها الجليديات الرباعية، كما في شمالي روسية وفيها أكبر بحيرة في أوربة (بحيرة لادوغا)، وفي فنلندة والسويد ودول البلطيق الأخرى. وفي جبال الألب عدد من البحيرات المهمة الناشئة على مياه الأنهار وذوبان الألسنة الجليدية. وتكثر في جبال الألب الدينارية وألبانية ويوغسلافية بحيرات كارستية المنشأ وغيرها.     تتصف الشبكة المائية في أوربة بتأثرها الكبير بالأوضاع المناخية السائدة في العروض الجغرافية المعتدلة الباردة. فيقل مقدار التبخر ويكون الجريان مستمراً فتصرف الأنهار مابين ربع حتى نصف كمية الهطل المطري والتساقط عامة. خلافاً لما عليه الحال في شبكات أنهار العروض فوق المدارية وشبه الجافة (في الوطن العربي) إذ لاتصرف أنهارها أكثر من 1/20 حتى 1/30 من كمية التساقط فيها، كما أن أكثرها يجف في فصل الصيف. وتنتمي أنهار أوربة إلى شبكات عدة تنصرف مياه معظمها إلى البحار المفتوحة، أهمها شبكة أنهار المحيط الأطلسي والبحار الجانبية المتصلة به مثل بحر الشمال وبحر البلطيق. وشبكة البحر المتوسط وبحاره الجانبية مثل البحر الأدرياتي وبحر إيجة وغيرهما، وشبكة البحر الأسود مع بحر آزوف، وهما شبكتان تتصلان بمياه المحيط الأطلسي عبر مضيق جبل طارق. وهناك شبكة رابعة تنتهي مياه أنهارها إلى البحر المتجمد الشمالي. أما الشبكة الخامسة فهي شبكة أنهار بحر الخزر (قزوين) المغلقة، وتنتهي إليه أهم أنهار أوربة وهو نهر الفولغا. ويخضع جريان المياه في أنهار أوربة إلى أنظمة جريان متباينة تنضوي تحت: ـ أنظمة جريان البحر المتوسط وتضم جميع الأنهار الجنوبية، وتتأثر بأشكال التساقط (المطر خاصة) وبتوزيع الهطل على فصول السنة، كما تتأثر بالثلوج وذوبان الجليديات في الأجزاء الجبلية العالية. لذلك يخضع جريان مياه الأنهار إلى: النظام الثلجي ـ الجليدي، والنظام الثلجي الصرف، والنظام الثلجي الانتقالي، والنظام الثلجي ـ المطري، والنظام المطري ـ الثلجي. وأهم الأنهار المتوسطية أنهار: الإيبرو والرون والبو وماريتسا وغيرها من الأنهار الصغيرة. ـ أنظمة المناطق المعتدلة ـ الباردة وتقسم إلى مجموعة أنهار الأنظمة المطرية المعتدلة وتشتمل على أنهار أوربة الغربية التي لاتدخل في الأنظمة المتوسطية، وكذلك الأجزاء الخالية من الجبال العالية مثل أنهار السين واللوار والموزيل والويزر والإلبة وغيرها. أما مجموعة أنهار الأنظمة الثلجية والثلجية ـ المطرية والمطرية ـ الثلجية للسهول القارية في النطاق المناخي المعتدل البارد فهي أنهار أوربة الشرقية وسهولها الوسطى والشمالية. وأهمها أنهار الفولغا والدنيبر والدانوب والكاما والدون والفستولة والأودر وأنهار أخرى. أما الأنهار الداخلة في نظام الجريان الجبلي فهي إما جليدية النظام وإما ثلجية ـ جليدية في الغالب، ويضم أنهاراً جبلية صغيرة، أو تشمل المجاري العليا لأغلب الأنهار الأوربية المهمة المنبثقة من جبال الألب والبيرنيه وغيرها. 5ـ النبيت والوحيش في القارة الأوربية: يتميز الغطاء النباتي الطبيعي هنا بتنوعه الشديد وبغناه الكبير من تنوع النماذج المناخية السائدة من جهة، ومن تنوع الترب الكبير في أوربة من جهة ثانية، لأن المناطق التي يسودها المناخ المحيطي تتميز بأن غطاءها النباتي قد تبدل في مراحل التطور الطبيعي، ففي أثناء الزحوف الجليدية التي شهدتها القارة في الحقب الجيولوجي الرابع تعرض النطاق الذي تشغله التوندرة للزحزحة باتجاه الجنوب، في حين أن نباتات المناطق المعتدلة ظهرت حتى حدود أطراف البحر المتوسط، كما أن تراجع الجليديات سبَّب تراجع النطاقات النباتية باتجاه الشمال، وعموماً، وعلى الأطراف الجنوبية للمناطق التي يسودها المناخ المحيطي تنمو وتزدهر بعض أشجار حوض البحر المتوسط وعلى رأسها السنديان، كما تزدهر غابات الصنوبر البحري وخاصة في المناطق التي بقيت في مأمن من الحرائق، أما المناطق الشمالية فتزدهر فيها أشجار الزان والبلوط، في حين تغطي القطاعات التي تعرض فيها الغطاء الغابي إلى التخريب حشائش وأعشاب متفرقة أغنت التربة بالعناصر الدبالية ذات الطبيعة الحامضية التي منعت نمو الأشجار ثانية. وأما المناطق الجبلية التي يزيد معدل ارتفاعها على 500م فتتميز بفقر غطائها النباتي حتى إن الأشجار على ارتفاع 600م في إيسلندة تصبح نادرة تماماً كحال الصحارى القاحلة، وعلى هذه المناطق المرتفعة وعند اختفاء السفوح الشديدة الانحدار تظهر حشائش المروج والمراعي التي تكثر على تربها المرزغية في هذه المناطق قطعان الرنة كما هي الحال في إيسلندة والنروج، في حين أن أقصى شمالي القارة مستور بغطاء مستمر من التوندرة القطبية.   أما المناطق ذات المناخ القاري، وحيث تسود الترب المرزغية فتظهر النباتات الطحلبية والتوندرة، كما ينتشر البعوض والذباب الذي يهاجم قطعان الرنة مما يجبرها على اللجوء إلى المناطق المكشوفة للرياح التي تمنع ظهور هذه الحشرات، وتنمو هذه النباتات إلى حدود مسافة 300كم عن ساحل المحيط المتجمد الشمالي، وعلى الأطراف الجنوبية لهذه القطاعات لا تظهر التوندرة إلا في القمم الشمالية لجبال الأورال، أما المناطق المنخفضة فتشغلها الغابة السوداء والتايغا التي تنمو حتى تتيح ظهور غطاء تحت الغابة مكوّن على الخصوص من توت العليق، وتستغل أشجار هذه الغابات استغلالاً مثالياً في كل من السويد وفنلندة وشمالي جمهورية روسية الاتحادية، وإلى الجنوب من التايغا تظهر بعض أشجار البلوط على الحدود بينها وبين نطاق السهوب والأعشاب السائدة في روسية الاتحادية وأوكرانية، ولاسيما في القطاعات التي يصل معدل أكثر الشهور حرارة فيها إلى نحو +19.5 درجة مئوية مع معدل هطولات سنوية لا يتجاوز 450ملم، أي إن ارتفاع معدل البخر السنوي هنا لايسمح بنمو الغطاء الغابي، ومع ذلك، فإن وجود بعض المناطق ذات الهطولات العالية نسبياً، يسمح هنا بظهور بعض الأشجار القزمة ضمن غطاء السهوب ذاته. وتتميز المناطق التي يسودها المناخ المتوسطي، بنمو غطاء غابي تأقلمت أشجاره مع جفاف فصل الصيف، كما تتميز بظهور الأشجار ذات الأوراق الإبريَّة أو الشمعية وذلك لتقليل أهمية النتح، وأهم أشجار هذا القطاع السنديان والصنوبريات والأرز إضافة إلى غابات الماكي التي تنتشر بالأخص فوق المناطق ذات الصخور المتبلورة التي تعطي الترب السيليسية القادرة على الاحتفاظ بالرطوبة أكثر من قدرة المناطق ذات الطبيعة الكلسية مثلاً. أما نباتات المناطق الجافة نسبياً، فتقتصر على حشائش السهوب وبعض أشجار النخيل والسرو القرْم، في حين أن ارتفاع معدل الأمطار في المناطق الجبلية التي يراوح معدل ارتفاعها بين 1000م و2000م يسمح بظهور غابات البلوط والسنديان، وفوق هذا الارتفاع، ينعدم الغطاء الغابي بسبب البرودة الشديدة، وتراكم الثلوج الشتوية، إضافة إلى الجفاف الصيفي، ولكن الظاهرة الجديرة بالذكر هنا هي أن الغطاء النباتي الطبيعي في نطاق المناخ المتوسطي تعرض للتبدل الناجم عن تدخل الإنسان أكثر من تعرضه في بقية الأقاليم المناخية في القارة، ولاتقل أنواع الوحيش تبايناً وتنوعاً عن أصناف الغطاء النباتي، وذلك بسبب تبدل الأحوال الطبيعية الآنفة الذكر، ففي المناطق القطبية الشمالية التي تحتل مايقرب من 3% من إجمالي المساحة العامة للقارة تعيش مجموعات من الرنة ومن الذئاب والثعالب والدببة البيضاء، في حين أن المناطق الساحلية تكون غنية جداً بالفقمة والدببة البيض، كما يشهد الفصل الحار من السنة قدوم الكثير من أصناف الطيور المهاجرة إلى جانب أنواع كثيرة من الذباب والبعوض. أما المناطق المعتدلة الباردة التي تشمل مايقرب من 85% من إجمالي مساحة القارة، فتكثر فيها الثعالب والخنازير البرية والماعز الجبلي والأرانب البرية والكثير من أصناف السنجاب والسمّور والنمس وعناق الأرض، في حين أن المناطق الجنوبية الشرقية ذات الجفاف النسبي ضمن هذا النطاق المناخي، غنية بأنواع من القوارض المختلفة التي تشتمل على الجرذان وفئران الحقل وأنواع الخلد المختلفة، يضاف إليها أنواع الطيور التي تشتمل على الحجل والكركي ومالك الحزين خاصة. أمّا المناطق المعتدلة الحرارة وأشباه الجزر والجزر الواقعة في البحر المتوسط فهي فقيرة عموماً إلى الحيوانات الكبيرة، وأهم مايوجد فيها أنواع كثيرة من العقارب والصراصير والجراد والذباب، في حين أن المناطق الجبلية العالية تمتاز بوجود الدببة والخنازير البرية والوعول وأنواع الحرباء والحِرذون، أما النسر فإنه يؤلف أهم أنواع الطيور التي تعيش في المناطق الجبلية. الجغرافية البشرية يتناول البحث هنا السلالات البشرية والأوضاع الديموغرافية والهجرة وحركة السكان وأوربة سياسياً. 1 ـ السلالات البشرية: من الصعب تمييز سلالة بشرية صافية أو نقية تماماً في أوربة وذلك بسبب الاختلاط البشري الذي شهدته القارة في مراحل تطورها، ومع ذلك فإن الدراسة الدقيقة للخصائص الفيزيائية من حيث طول القامة وقياسات الجمجمة ولون العينين والشعر، تمكن من تمييز السلالات التالية، التي تنضوي تحت مظلة العرق الأبيض القفقاسي وهي: أ ـ السلالة النوردية (الشمالية): يمتاز أفرادها بطول القامة والبشرة البيضاء والشعر الأشقر والعيون الفاتحة اللون والرأس المتطاول نسبياً، والموطن الرئيس لهذه السلالة هو سواحل البلطيق وبحر الشمال. ب ـ سلالة شرقي أوربة: يمتاز أفرادها بالجمجمة المفلطحة وقصر القامة نسبياً واللون الفاتح للشعر والبشرة والعيون، والموطن الرئيس لهذه السلالة هو المنطقة الممتدة بين بولندة وجمهورية روسية الاتحادية، أما الحدود الانتقالية بين منطقتي سكن هاتين السلالتين فتظهر فيها مجموعة بشرية ذات صفات وسط بين السلالتين الآنفتي الذكر. حـ ـ سلالة البحر المتوسط: يمتاز أفرادها بصغر القامة وبالرأس المتطاول نسبياً كالسلالة النوردية (الشمالية) ولكن لون البشرة والشعر والعيون يصبح داكناً نسبياً، وأهم مناطق انتشار أفراد هذه السلالة شبه جزيرة إيبرية (أبارية) وجنوبي إيطالية وجنوب شرقي شبه جزيرة البلقان وجنوبي أوكرانية وروسية الاتحادية. د ـ السلالة الألبية: يمثلها سكان القسم الأعظم من أوربة الغربية والوسطى إلا المملكة المتحدة، ويمتاز أفرادها بصغر القامة مقارنة مع السلالة النوردية، وبالرأس العريض، وبالشعر الكستناوي أو البني، وبالبشرة الحنطية ولكنها تبقى فاتحة اللون مقارنة مع سلالة البحر المتوسط. هـ ـ السلالة الدينارية: وصفاتها قريبة جداً من صفات السلالة السابقة، مع اختلاف رئيس يكمن في تفلطح مؤخرة الجمجمة وبطول الوجه، إضافة إلى أن أفراد هذه السلالة أطول من السلالة السابقة، والموطن الأصلي لها هي الجبال الدينارية والألب النمسوية. مع كل ماتقدم تصطدم الدراسة العلمية للسلالات البشرية في أوربة بمجموعة من العقبات المتعلقة بتحديد الخصائص البدنية لكل سلالة على حدة، ذلك أن معدل طول القامة مثلاً في مجمل دول القارة وخاصة في أوربة الغربية، ازداد نحو 6ـ7سم في الستين عاماً الأخيرة نتيجة للتطور الصحي الكبير الذي شهدته هذه الدول من جهة، ولارتفاع مستوى المعيشة فيها من جهة ثانية، إضافة إلى التزاوج الواسع بين مختلف أبناء السلالات السابقة الذكر، مما أدى إلى ظهور جيل بل أجيال تحمل خصائص نوعية مميزة تختلف في خطوطها العامة عن الخصائص المحددة لكل سلالة على حدة. إن تعدد السلالات والقوميات والأمم والأديان واللغات والنظم الاجتماعية والسياسية السائدة في أوربة على صغر مساحتها يجعل دراسة القارة من الناحية السياسية والاجتماعية من أعقد المشكلات وأصعبها، ذلك أن إعمار القارة ذاتها مر بمراحل شائكة وعرف شعوباً وقبائل ذات أصول شديدة التنوع يغلب عليها الشعوب الهندية الأوربية (وهي مجموعة بشرية يجمع بينها عامل اللغة فقط) إلى جانب القبائل المجرية (الهنغارية) Magyar والفينية Finnois والشعوب التي تمثل المجموعة الهندية الأوربية التي بدأت بالظهور في الشرق، ومن ثم انتقلت إلى أوربة الغربية ويمثلهم الأخيون والدوريون الذين احتلوا اليونان الحالية، والإيطاليون الذين سكنوا إيطالية الحالية، والسلت (الكلت) والجرمان، وعلى هذا يبدو الإعمار الأوربي شديد التعقيد بسبب مارافقه من هجرات وتدفقات بشرية متتالية. 2ـ الأوضاع الديموغرافية: تطور سكان أوربة تطوراً ملحوظاً كما يبدو من معطيات الجدول (1).       العام عدد سكان أوربة من دون الاتحاد السوفييتي (سابقاً) عدد سكان الاتحاد السوفييتي (سابقاً) 1650 103.000,000   1750 144,000,000 ضمن سكان أوربة 1850 274,000,000   1900 423,000,000   1930 355,000,000 179,000,000 1950 392,000,000 180,000,000 1960 425,000,000 214,000,000 1970 460,000,000 244,000,000 1980 484,000,000 266,000,000 1985 492,000,000 278,000,000 1988 504,880,230 285,796,000 1998 627.200.000 102.200.000 الجدول (1) تطور سكان أوربا وعلى هذا تحتل أوربة المرتبة الثانية من حيث السكان بين قارات العالم بعد القارة الآسيوية، وإن كانت تحتل المرتبة الأولى من حيث الكثافة السكانية التي تصل إلى نحو 67ن/كم2، وترتفع إلى نحو98 ن/كم2 في عام 1990 إذا استثنيت أراضي ما كان يؤلف الاتحاد السوفييتي الذي انفرط عقده في أواخر عام 1991، علماً أنَّ الكثافة السكانية العامة للكرة الأرضية المعمورة لا تتجاوز 34 نسمة/كم2، ولا يزيد هذا المعدل على 54ن/كم2 في القارة الآسيوية مقابل 14ن/كم2 للقارة الأمريكية و15ن/ كم2 في القارة الإفريقية و3ن/كم2 في أسترالية. إن ارتفاع الكثافة هذا في مجمل أوربة، مع وجود تباينات كبيرة من قطر إلى آخر تبعاً لمعطيات الجدول (2)، يعكس ملاءمة الشروط الطبيعية للاستغلال ولأوجه النشاط الاقتصادي المختلفة، ومع ذلك تنخفض الكثافة جداً في المناطق الجبلية تليها المناطق الهضبية القليلة الخصوبة كما هي الحال في هضاب الميزيتا الإسبانية وبعض أنحاء الكتلة المركزية الفرنسية، ثمّ في جبال البلقان والكاربات وأقصى شمالي شبه الجزيرة الاسكندنافية حيث يمتد النطاق تحت القطبي الشديد البرودة، وبالمقابل تتركز أكثر المناطق كثافة في الأحواض الغنية بمصادر الطاقة وبالفلزات المعدنية كما هي الحال في أحواض استخراج الفحم الحجري حيث تتركز الصناعات الثقيلة كما هي الحال في المملكة المتحدة وشمالي فرنسة وبلجيكة مثلاً، يضاف إليها المناطق الزراعية التقليدية الخصبة كسهل البو الإيطالي، كما يشتد ارتفاع الكثافة في المدن الكبرى وفي الموانئ المهمة وتتناقص كثيراً في المناطق الريفية ولايزيد هذا المعدل على 28ن/كم2 في الريف الأوربي عامة. ويسهم معدل الارتفاع عن سطح البحر أيضاً في توزع سكان أوربة، حيث تستقطب المناطق التي يقل معدل ارتفاعها عن سطح البحر عن 200م مايقرب من 68.8% من السكان مقابل 23.5% للمناطق المحصورة بين 200م و500م ونحو 7.2% من السكان للمناطق الواقعة على ارتفاع 500م ـ1000م و0.5% للمناطق المحصورة بين 1000م و15000م، علماً أنَّ المعدل العام للمناطق المأهولة بالسكان في أوربة هو في حدود 170م فوق مستوى البحر، كذلك فإن لعامل القرب والبعد عن البحر أثراً ملموساً في توزع سكان أوربة، إذ يستقر 29.1% من السكان على مسافة تقل عن 50كم عن ساحل البحر مقابل 8،25% للنطاق الذي يبعد مسافة 50كم ـ 200كم عن البحر، و30.3% للنطاق المحصور بين 200كم و500كم عن البحر، و11.9% للنطاق المحصور بين مسافة 500كم و1000كم عن ساحل البحر مقابل 2.9% للمناطق التي يزيد بعدها عن ساحل البحر على 1000كم، علماً أنَّ متوسط بعد الأراضي الأوربية المأهولة عن ساحل البحر يقدر بنحو 329كم.   وعلى الصعيد الديموغرافي، يبين الجدول (2) حقيقة الانخفاض التدريجي لمعدل التزايد الطبيعي للسكان (معدل الولادات ـ معدل الوفيات)، ونجم ذلك عن تناقص معدلي الولادات والوفيات من نهاية الحرب العالمية الأولى، إذ انخفض معدل الزيادة الطبيعية إلى أقل من 1%، وعلى هذا يعد معدل التزايد في أوربة من أقل معدلات التزايد في العالم، وهذا يؤدي إلى شيخوخة الشعب الأوربي عامة، وبسبب إحساس الحكومات الأوربية بالخطر الناجم عن الحقيقة الآنفة الذكر، فقد اتخذت وسائل تشجيعية لزيادة الولادات، كتوفير الرعاية الصحية المثالية للأمهات، وتخصيص مصادر دخل إضافية للأسر الكثيرة الأطفال وتحسين أحوال عمل الأمهات. كما أن بعض الحكومات الأوربية ما تزال تمنع الإجهاض غير المشروع بحزم شديد، كما هي الحال في رومانية التي أصدرت قراراً بمنع الإجهاض عام 1968 بسبب تناقص معدل الولادات فيها، ومع ذلك فإن معدل الزيادة الطبيعية مازال منخفضاً، وقد بدأت بعض الدول الأوربية تعاني ظاهرة تناقص أعداد السكان. مع كل ما تقدم، يلاحظ ضمن كل دولة أوربية تباين في معدل الولادات من منطقة إلى أخرى، فترتفع نسبة الولادات في المناطق الرعوية والزراعية مقارنة مع المناطق الصناعية والمراكز المدنيّة الكبرى، وترتفع نسبياً في دول شرقي القارة والدول المطلة على البحر المتوسط مقارنة مع دول أوربة الغربية، وقد ارتفع معدل الولادات نسبياً بعد الحرب العالمية الثانية في أنحاء القارة كلها، ويصل هذا المعدل اليوم إلى نحو 21 بالألف في جمهوريات البلطيق وروسية الاتحادية وأوكرانية ودول شرقي القارة الأوربية (إلا تشيكوسلوفاكية سابقاً) وهولندة وإسبانية والبرتغال وإيسلندة مقابل 19.3 بالألف في اليونان و18.4 بالألف في إيطالية وفرنسة و17بالألف في ألمانية والنمسة وبريطانية وينخفض إلى 14.1 بالألف في البلدان الاسكندنافية، وفي الوقت نفسه تناقص معدل الوفيات في أنحاء القارة كلها، وهذا ما جعل النمو السكاني موجباً مع أنه ضعيف جداً، إلا ألمانية وهنغارية حيث تتناقص أعداد السكان. أما متوسط طول عمر الإنسان الأوربي فقد تطور تطوراً ملحوظاً في الثلاثين عاماً الأخيرة، فبعد أن كان 63.2 سنة للرجال و67.7 سنة للنساء عام 1950 ارتفع عام 1980 إلى 68.9 سنة للرجال و75.2 سنة للنساء، ويقدر أن هذا العمر لعام 2000 هو 71.3 سنة للرجال و77.4سنة للنساء.   الدولة المساحة مقدرة بالكيلومترات المربعة عدد السكان في عام 1996 الكثافة السكانية مقدرة بـ ن/كم2 إسبانية 504.783 39.260.000 78 ألبانية 28.748 3.286.000 114 ألمانية 356.979 81.912.000 229 أندورة 468 71.000 152 أوكرانية 603.700 718.000 84 إيرلندة 70.285 3.626.000 52 إيسلندة 103.000 270.000 2.6 إيطالية 301.277 57.380.000 190 البرتغال 92.389 9.930.000 108 بلجيكة 50.518 10.159.000 333 بلغارية 110.994 8.356.000 75 البوسنة والهرسك 51.129 4.510.000 88 بولندة 312.683 38.618.000 124 تشيكية 78.864 10.315.000 131 جبل طارق 5.8 27.086 4670 الدنمارك 43.092 5.262.000 122 روسية الاتحادية 17.075.400 147.739.000 8.7 روسية البيضاء (بيلوروسية) 207.595 10.298.000 50 رومانية 237.500 22.608.000 95 سان مارينو 61 25.000 413 سلوفاكية 49.036 5.343.000 109 سلوفينية 20.255 1.991.000 98 السويد 449.964 8.843.000 19.7 سويسرة 41.293 7.074.000 171 الفاتيكان 0.44 455 1034 فارو 1.399 47.840 34 فرنسة 543.965 58.375.000 107 فنلندة 338.145 5.125.000 15.2 كرواتية 56.538 4.771.000 84 لاتفية 64.589 2.490.000 39 اللكسمبورغ 2.586 416.000 161 ليتوانية 65.300 3.709.000 57 ليختنشتاين 160 31.000 194 مالطة 316 373.000 1180 مان (جزيرة) 572 71.714 125 ملدافية 33.700 4.327.000 128 المملكة المتحدة 244.110 58.782.000 242 موناكو 1.9 32.000 16.410 النروج 323.878 4.381.000 13.5 النمسة 83.857 8.059.000 96 هنغارية 93.031 10.193.000 110 هولندة 41.863 15,517.000 371 يوغسلافية 102.173 10.574.000 104 اليونان 131.957 10.475.000 79   3 ـ الهجرة وحركة السكان: إن وجود الطبقات الفقيرة والتناقضات الاجتماعية والمفارقات الاقتصادية في قلب المجتمعات الأوربية دفع أعداداً كبيرة من الأوربيين إلى الهجرة التي اتجهت بالأخص نحو القارة الأمريكية، وقد استمرت هذه الهجرة حتى الوقت الذي شهدت فيه أوربة ثورتها الصناعية وبلغت أوجها وقت الأزمات الاقتصادية الخانقة التي شهدتها القارة، فبين المدة الواقعة من 1846 و1924 هاجر ما يزيد على 17مليون بريطاني و9ملايين إيطالي و6ملايين برتغالي و6ملايين إسباني و5ملايين ألماني و5ملايين نمسوي وهنغاري و4ملايين روسي غير الروس الذين اتجهوا شرقاً لإعمار سيبيرية و2مليون مهاجر اسكندنافي، غير أن تعدد الأزمات الاقتصادية التي تعرضت لها الدول المستقبلة لهذه الهجرات وخصوصاً من عام 1929 أسهمت في تناقص الهجرة الأوربية إلى الخارج، ومع ذلك فقد غادر أوربة في المدة الواقعة بين 1921 حتى 1930 نحو 5.9 مليون مهاجر، مقابل 1.2مليون مهاجر للمدة الواقعة بين 1931 حتى 1939 ونحو 11مليوناً بعد الحرب العالمية الثانية، فبين المدة الواقعة بين 1946 حتى 1982مثلاً دخل الولايات المتحدة الأمريكية 3.3 مليون مهاجر أوربي معظمهم من ألمانية، والمملكة المتحدة وإيطالية، ودخل كندا مليونا مهاجر قدموا من المملكة المتحدة ومن إيطالية وهولندة وألمانية، مقابل 2.8 مليون من الإيطاليين والإسبانيين والبرتغاليين الذين هاجروا إلى كل من الأرجنتين والبرازيل وفنزويلة، و1.7 مليوناً من المملكة المتحدة وإيطالية وألمانية هاجروا إلى أسترالية في المدة ذاتها. وبالمقابل تلقت ألمانية وفرنسة وبلجيكة وسويسرة مايقرب من 14 مليوناً من المهاجرين الذين قدموا إليها بعد الحرب العالمية من إيطالية واليونان ويوغسلافية وإسبانية والبرتغال وتركية وأقطار المغرب العربي، ومن بين جميع الأقطار الأوربية تعدُّ فرنسة البلد الوحيد الذي استقبل أعداداً من المهاجرين يفوق ماغادرها منهم، وفي الوقت الحاضر يعدُّ سُبع سكان فرنسة من أصول أجنبية، أمّا أعداد الأجانب فيها فإنه يقدر بنحو 6ملايين نسمة منهم 500000 مواطن عربي من المغرب العربي، كما تحوي ألمانية جالية تركية يزيد عددها على مليوني تركي. أما توزع الأديان في أوربة فيبين إن المسيحية هي الديانة الغالبة على القارة بنسبة 95% يليها الإسلام بنسبة تزيد على 3% من مجموع سكان القارة. إما الباقي فموزع بين الديانات الأخرى مثل اليهودية والكونفوشية والهندوسية والبوذية وغيرها.  4 ـ أوربة السياسية: 1ـ الأحلاف والمعاهدات والاتفاقات العسكرية: بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية التي كانت القارة الأوربية مسرحاً لجزء كبير ومهم من أحداثها، وقّعت كل من فرنسة والمملكة المتحدة في 4 آذار عام 1947 معاهدة للتعاون وللدفاع المشترك ضد أي عدوان محتمل، وفي 17 آذار 1948، انضمت كل من بلجيكة واللكسمبورغ وهولندة إلى المعاهدة. واقترح الجنرال مونتغمري رئيس اللجنة العسكرية للمعاهدة ضرورة طلب المساعدة الأمريكية، ووُقِّعت اتفاقية حلف شمال الأطلسي في 4 نيسان عام 1949 بين كل من بلجيكة وكندا والدنمارك والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسة والمملكة المتحدة وإيسلندة وإيطالية واللكسمبورغ والنروج وهولندة والبرتغال، وانضمت إليه كل من تركية واليونان عام 1952، وألمانية الاتحادية سابقاً عام 1955، أمّا إسبانية فقد وقّعت اتفاقية خاصة مع الحلف المذكور. وأعلن الجنرال ديغول رئيس الجمهورية الفرنسية انسحاب فرنسة من حلف شمال الأطلسي عام 1966 من الناحية العسكرية مع احتفاظها بقوات فرنسية عددها 3000 مقاتل في ألمانية الاتحادية سابقاً واحتفاظها بعضوية فخرية في الحلف المذكور، كما انسحبت اليونان من الحلف عام 1974 وأعادت انضمامها إليه عام 1980. وبالمقابل فقد وقّعت اتفاقية حلف وارسو في 14 أيار عام 1955 بين مجموعة الدول الاشتراكية في أوربة الشرقية إلا ألبانية ويوغسلافية، غير أن هذا الحلف حلّ بعد انهيار كتلة النظم الاشتراكية وانفراط عقد الاتحاد السوفييتي أواخر عام 1991.   لدراسة الخريطة السياسية للقارة الأوربية، يمكن الاستناد إلى خصائص وصفات متباينة، ذلك أن ظهور الدول الأوربية بحدودها الحالية حديث العهد نسبياً، بل إنه حديث جداً فيما يتصل بالجمهوريات الناشئة عن تفكك الاتحاد السوفييتي، والجمهوريات الناشئة عن انفراط عقد الاتحاد اليوغسلافي لها الوضع نفسه أيضاً، وإلى جانب ذلك هناك دول قديمة التكون بحدودها الحالية كحال فرنسة وبريطانية وإسبانية، وهنالك دول أخرى لم تحقق وحدتها الوطنية إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كحال إيطالية مثلاً، كما توجد مجموعة من الدول التي نشأت عن تفكك الامبراطوريات القديمة كامبراطورية النمسة والمجر والسلطنة العثمانية والقيصرية الروسية، إلى جانب ذلك هنالك الدول الاتحادية مثل سويسرة والبقية الباقية مما كان يؤلف الاتحاد اليوغسلافي وتشيكوسلوفاكية. ومن جهة ثانية، وإلى جانب دول أوربة الغربية (ماعدا ألمانية) ودول شبه الجزيرة الاسكندنافية التي بقيت حدودها ثابتة منذ بداية القرن العشرين، هنالك مجموعة من الدول التي خضعت حدودها الإقليمية لتطورات جذرية عميقة نتيجةً مباشرة للحربين العالميتين كألمانية التي قسمت إلى دولتين شرقية وغربية ثم استعادت وحدتها بعد تفكك الدول الشيوعية في أوربة الشرقية، وكذلك فقدت إيطالية بعضاً من أراضيها التي ضمت إلى يوغسلافية السابقة، واليونان التي استعادت الدوديكان ورومانية التي تخلت عن دوبروجية لبلغارية وعن مولدافية للاتحاد السوفييتي، وتشيكوسلوفاكية التي تخلت عن روتينية للاتحاد السوفييتي (ضمت لأوكرانية الحالية)، وعلى هذا يمكن القول إن النتيجة الرئيسة المباشرة للحرب العالمية الثانية في القارة الأوربية هي تعيين الحدود السياسية الحالية لدولها المختلفة، إضافة إلى أن الخلافات والصراعات المذهبية والعقائدية والسياسية التي كانت أوربة مسرحاً لأحداثها قبيل هذه الحرب، انعكست مباشرةً على دول القارة ذاتها، ممّا قسّمها إلى مجموعتين أو كتلتين من الدول لهما نظم سياسية واقتصادية واجتماعية متناقضة، هما مجموعة دول أوربة الشرقية ذات النظام الاشتراكي والوثيقة الارتباط بالاتحاد السوفييتي، ودول أوربة الغربية التي لها نظام رأسمالي حر. وضمن كل مجموعة تباينات تصل أحياناً إلى درجة التناقض، عاكسة خصائص نوعيَّة محددة واضحة تخص أمة بعينها، فيوغسلافية الاشتراكية ـ قديماً ـ احتفظت دائماً بشخصيتها الاشتراكية المميزة، ولكنها لم تكن أبداً عضواً فيما كان يعرف بالكوميكون الذي كان يؤلف سوق التبادل التجاري لدول أوربة الشرقية، وفي الوقت نفسه كانت تحتفظ بعلاقات تجارية وثيقة مع دول السوق الأوربية المشتركة التي ترتبط معها باتفاقيات خاصة، وهناك ألبانية التي انسحبت مما كان يُعرَف بالكوميكون عام 1961 وانتهجت خطاً اشتراكياً استمد أسسه من نظام جمهورية الصين الشعبية، وهناك تباينات واضحة في الاتجاه العام للسياسة التي كانت تنتهجها كل من تشيكوسلوفاكية السابقة ورومانية وهنغارية مع أن النظام الاشتراكي هو الإطار العام الذي كان يحكمها، في حين أن بلغارية في هذه المرحلة (قبل تفكك دول المنظومة الاشتراكية) بقيت مخلصة جداً لخط الاتحاد السوفييتي.   الدولة نظام الحكم العاصمة تاريخ الاستقلال إسبانية ملكي دستوري مدريد 1492 إستونية جمهوري تالين 5/9/1991 ألبانية جمهوري تيرانة 28/11/1912 ألمانية جمهوري برلين (1871)ـ1990 أندورة إمارة أندورة لافيله (1278)ـ1993 أوكرانية جمهوري كييف 1991 إيرلندة جمهوري دبلن 6/12/1921 إيسلندة جمهوري ريكيافيك 17/6/1944 إيطالية جمهوري رومة 17/3/1861 البرتغال جمهوري لشبونة 1140 بلجيكة ملكي بروكسل 4/10/1830 بلغارية جمهوري صوفية 5/10/1908 البوسنة والهرسك جمهوري سراييفو 1992 بولندة جمهوري وارسو 10/11/1918 تشيكية جمهوري براغ 1993 جبل طارق مستعمرة إنكليزية     الدنمارك ملكي كوبنهاغن   روسية الاتحادية جمهوري موسكو 1991 روسية البيضاء (بيلوروسية) جمهوري منسك 1991 رومانية جمهورية بوخارست 21/5/1877   سان مارينو   سان مارينو 1955 سلوفاكية جمهوري براتسلافة 1993 سلوفينية جمهوري لايباتش 1991 السويد ملكي ستوكهولم قبيل عام 836 سويسرة جمهوري اتحادي برن 22/9/1499 الفاتيكان سلطة دينية     فارو استقلال ذاتي تورس هافن 1948 فرنسة جمهوري باريس 843 فنلندة جمهوري هلسنكي 6/12/1917 كرواتية جمهوري زغرب 1991 لاتفية جمهوري ريغا 5/9/1991 اللكسمبورغ دوقيَّة لكسمبورغ 10/5/1867 ليتوانية جمهوري فيلنيوس 5/9/1991 ليختنشتاين إمارة فادوز 12/7/1806 مالطة جمهوري لافاليتة 21/9/1964 ملدافية جمهوري تشيسيناو 1991 المملكة المتحدة ملكي دستوري اتحادي لندن 14/10/1066 موناكو إمارة موناكو 2/2/1861 النروج ملكي أوسلو 7/6/1905 النمسة جمهوري فيينة 30/10/1918 هنغارية جمهوري بودابست 16/11/1918 هولندة ملكي دستوري امستردام 30/3/1814 يوغسلافية جمهوري اتحادي بلغراد 1/12/1918 اليونان جمهوري أثينة 3/2/1830 الجدول (3) أما في أوربة الغربية، فإن التناقضات الاقتصادية والسياسية شديدة الوضوح بين ألمانية الاتحادية حيث الليبرالية الاقتصادية الكاملة، وفرنسة التي تتدخل الدولة في تنظيم الاقتصاد فيها على الطريقة الفرنسية، إضافة إلى ذلك، هنالك هوة شاسعة جداً في مستوى المعيشة ومعدل دخل الفرد بين دول ألمانية وفرنسة والمملكة المتحدة والدول الاسكندنافية من جهة وإسبانية والبرتغال واليونان من جهة ثانية. وبقيت أوربة في نزاع بسبب تشكّل كتلتين واحدة اشتراكية شيوعية والثانية رأسمالية ليبرالية. وظهرت أحلاف ومعاهدات عسكرية واقتصادية، وتحوّلت أوربة إلى واحدة من مناطق الحرب الباردة في العالم، وترسانة للأسلحة التقليدية والنووية وتعمق الانشقاق بين دول الكتلتين، وضاقت العلاقات القائمة بينهما، غير أنه ظهرت محاولات من بعض دول القارة لتحسين الأوضاع فانسحبت فرنسة على سبيل المثال في عهد الجنرال ديغول من معاهدة حلف شمال الأطلسي، وحاولت التفاهم مع الاتحاد السوفييتي. وبدأ تحسّن في عهد الرئيس السوفييتي غورباتشوف الذي بدأ بسحب الصواريخ النووية القصيرة والمتوسطة المدى من أوربة، وازداد التحسن بعد حل حلف وارسو العسكري وتعليق نشاط ما يدعى بالكوميكون إبّان انفراط عقد ماكان يسمى الاتحاد السوفييتي.  2ـ التنظيمات السياسية: يعد روبرت شومان أحد وزراء الخارجية الفرنسيين السابقين الأب الحقيقي للوحدة الاقتصادية الحالية في أوربة الغربية، فمنذ 9 أيار عام 1950، نادى شومان بضرورة التكافل والتكامل الاقتصادي لأوربة الغربية كي تتمكن من الوقوف على قدم المساواة مع القوى الاقتصادية الكبرى في العالم من جهة، ولإنهاء الخلافات الفرنسية والألمانية التي استمرت أكثر من مئة عام من جهة ثانية، وقد نادى شومان ببناء أوربة بصورة تدريجية ابتداءً من تنظيم القطاع الصناعي الرئيس الذي يشمل صناعة الفولاذ وتنظيم استخراج الفحم الحجري، وبعد سلسلة طويلة من العقبات والمشكلات الناجمة عن اندلاع الحرب الكورية، ومشكلات إعادة تسليح ألمانية الاتحادية (سابقاً) وما رافقتهما من تطورات، وَقَّع اتفاقية السوق الأوربية المشتركة وذلك في 25 آذار عام 1957 في رومة كلٌّ من ألمانية الاتحادية وفرنسة وإيطالية وبلجيكة واللكسمبورغ وهولندة وانضمت إليها المملكة المتحدة عام 1973، وفي العام نفسه انضمت كل من إيرلندة والدنمارك، كما انضمت اليونان عام 1981، ومؤخراً انضمت كل من إسبانية والبرتغال بعد سلسلة طويلة وشائكة من المفاوضات. وتحدد اتفاقيات السوق الأوربية المشتركة أوجه التعاون المشترك بين مجموعة الدول الأعضاء في كل المجالات الصناعية والزراعية والرعي والصيد والإنتاج الحيواني والتقنية وأبحاث الفضاء وغيرها. وتوقع هذه السوق اتفاقيات تعاون خاصة مع دول غير أوربية غربية كما هي الحال في الاتفاقيات الموقعة مع كل من تركية وتونس والمغرب ومالطة والكونغو الديمقراطية (زائير سابقاً) ويوغسلافية وغيرها. وبغية تنظيم أمثل وتنسيق أفضل لأوجه النشاط المختلفة، استُحدِثَ البرلمان الأوربي ومركزه مدينة ستراسبورغ الفرنسية، ويجتمع هذا البرلمان ست مرات سنوياً ومدة الدورة الواحدة نحو أسبوع واحد. أمّا دول المنظومة الاشتراكية (سابقاً) إلا يوغسلافية وألبانية فكانت قد وقّعت عام 1949 اتفاقاً اقتصادياً مشتركاً عرف بالكوميكون الذي انضمت إليه كل من منغولية وكوبة وفيتنام، ولكن هذه السوق انهارت مع انهيار النظم الشيوعية التي وقعتها شأنها شأن حلف وارسو. ومن الناحية الجغرافية البحتة يمكن تصنيف دول القارة الأوربية إلى: أ ـ مجموعة الدول القاريّة التي ليس لها أي منفذ بحري كما هي الحال في سويسرة[ر] والنمسة[ر] وتشيكية وسلوفاكية وهنغارية، وتعتمد هذه الدول في تجارتها على موانئ واقعة في دول أوربيّة أخرى فسويسرة تعتمد على ميناءي روتردام الهولندي وجنوة الإيطالي، أمّا هنغارية والنمسة فإنهما تعتمدان على ميناءي تريسته الإيطالي وريجيكا (رييكا) اليوغسلافي، في حين أن تشيكية وسلوفاكية تعتمدان على ميناءي هامبورغ الألماني وشتيتين أو ستيتين البولندي. إضافة إلى ماتقدم، هنالك مجموعة من الأنهار المهمة الصالحة للملاحة، التي تضمن الاتصال النهري بين مجموعة كبيرة من الدول الأوربية كنهر الدانوب (طوله 2850كم ومساحة حوضه 800000كم2)، وهو يتجه على العموم من الغرب إلى الشرق ابتداءً من ألمانية فالنمسة فتشيكية وسلوفاكية فهنغارية فيوغسلافية فرومانية فبلغارية وأوكرانية ليصب في البحر الأسود، ويمر هذا النهر بمدن فيينة وبودابست وبلغراد وعليه موانئ نهرية مهمة تصل بين مناطق الكاربات والبلقان، ويمتاز هذا النهر أيضاً بإمكاناته الكهرمائية العالية، ويقوم نهر الراين (1300كم) بالدور الاقتصادي نفسه على مستوى أوربة الغربية، وأهم الموانئ النهرية على هذا النهر: روتردام ودويسبورغ ـ ريوهرورت ومانهايم ولودفيغس هافن وستراسبورغ وبال. ب ـ مجموعة الدول ذوات السواحل الطويلة والموانئ الناشطة جداً وتمثلها بالأخص فرنسة وإسبانية والبرتغال. حـ ـ الجزر وأشباه الجزر الأوربية وتمثلها المملكة المتحدة والسويد والنروج وإيطالية وإيسلندة ومالطة واليونان. الجدول (4) أوربة السياسية  الجغرافية الاقتصادية إن التباين الشديد لمجمل الأحوال الطبيعية في أوربة من جهة والتطور التقني من جهة ثانية، جعلا هذه القارة أشد القارات ملاءمة للاستثمار العقلاني المنظم، فنسبة المساحة المزروعة إلى نسبة المساحة العامة مثلاً تعد أكثر النسب ارتفاعاً في العالم، على وجود تباينات محسوسة بين دولها المختلفة. وفي الوقت نفسه يخضع استغلال المراعي والغابات إلى التنظيم والاستثمار المبرمج وفق خطط مدروسة علمياً واقتصادياً، كما أن حكومات الدول الأوربية المختلفة حريصة أشد الحرص على وضع الخطط الكفيلة بحماية البيئة والوسط الطبيعي من الاستغلال الجائر، ومع وجود هذه الحقائق فإن الدراسة التحليلية المنظمة للأحوال الاقتصادية للقارة شائكة ومعقدة، وهي تصطدم بمجموعة من العقبات تعكس التناقضات السياسية والاجتماعية التي كانت تعصف بدول القارة خاصة قبيل تفكك منظومة الدول الاشتراكية فيها. وهكذا عند دراسة مكانة القارة اقتصادياً على الصعيد العالمي كان لابد من التمييز بين دول الكوميكون القديم ودول السوق الأوربية المشتركة، إضافة إلى مجموعة أخرى من الدول غير المنتمية لإحدى السوقين الآنفتي الذكر كحال سويسرة والنمسة ويوغسلافية سابقاً مثلاً. وعلى العموم تعد أوربة بمجملها إحدى القوى الاقتصادية الرئيسة الكبرى في العالم، إذ تتركز فيها رؤوس الأموال الضخمة المستثمرة في القطاعين الصناعي والزراعي، كما أن موانئها تعد من أنشط موانئ العالم على مدار السنة ومستوى الحياة فيها يلي مستوى الحياة في الولايات المتحدة الأمريكية مباشرة، وينعكس ذلك على الارتفاع الكبير لمستوى الرفاه والاستهلاك في أوربة. وعلى مستوى استهلاك الطاقة وارتفاع معدل البناء والإعمار، وعلى ارتفاع معدل امتلاك السيارات الخاصة وأجهزة الهاتف والتلفزيون ومعدل توزيع الصحف اليومية. إضافة إلى التطور الهائل لشبكة خطوط النقل والمواصلات البحرية والبرية وخاصة خطوط السكك الحديدية التي تعدُّ وسيلة النقل الرئيسة في مجمل دول القارة ولاسيما في أوربة الغربية. ومع كل ما تقدم، يمكن تقسيم الدول الأوربية من الناحية الاقتصادية إلى: أ ـ مجموعة الدول الصناعية الكبرى، وتشمل كلاً من المملكة المتحدة وألمانية وفرنسة وبلجيكة وهولندة وتشيكوسلوفاكية سابقاً. ب ـ مجموعة الدول التي تعتمد على الزراعة وعلى تربية الحيوان أكثر من اعتمادها على النشاط الصناعي، وتشمل كلاً من إسبانية والبرتغال واليونان وألبانية وبلغارية ويوغسلافية سابقاً. حـ ـ بقية الدول الأوربية التي تحتل مكاناً وسطاً بين المجموعتين الآنفتي الذكر. وما تجب الإشارة إليه هنا هو أنه مع التفكك الذي شهدته دول المنظومة الاشتراكية، فإن الدلائل تشير إلى استمرار تعمق الفجوة الفاصلة بين دول أوربة الشرقية، ودول أوربة الغربية التي قطعت شوطاً بعيداً على طريق الوحدة والتكامل الاقتصادي. 1ـ الثروة المعدنية والصناعة: وتشتمل على موارد الطاقة والخامات وأهم الصناعات: أ ـ موارد الطاقة: تتسم القارة الأوربية بفقرها النسبي إلى موارد الطاقة، لقلة مصادرها من جهة، والتزايد السريع لاستهلاكها من جهة ثانية، فمع أن القارة تنتج ما يزيد على ربع الإنتاج العالمي من الفحم الحجري ونحو 62% من الإنتاج العالمي من الليغنيت، فإن احتياطي القارة من هاتين المادتين قليل للغاية إضافة إلى أن بعض الدول الأوربية وخصوصاً فرنسة بدأت تحد مؤخراً من استخراج الفحم لارتفاع النفقات مقارنة مع أسعار شرائه من دول العالم الثالث المنتجة له، أمّا النفط، فإن معظم الدول الأوربية تستورده من الأقطار العربية خاصة، ماعدا المملكة المتحدة وألبانية اللتين تستخرجان ما يكفي الاستهلاك المحلي مع وجود فائض كبير عن استهلاك المملكة المتحدة بفضل غنى مكامن النفط التي اكتشفت في بحر الشمال. إن الحاجة المتزايدة لاستيراد النفط الخام أسهمت في ازدهار مجموعة كبيرة من الموانئ النفطية الأوربية وسفن النقل الضخمة جداً، إضافة إلى التطور الهائل الذي واكب ذلك في مجال تكرير النفط الخام وازدهار الصناعات البتروكيمياوية كما هي الحال في كل من هولندة وفرنسة وإيطالية. وفي مجال الطاقة الكهربائية، فقد تضاعف إنتاج أوربة من 1101 مليار كيلو واط/ساعي عام 1970، إلى 2520.05 مليار كيلو واط/ساعي عام 1986 عدا إنتاج ماكان يعرف بالاتحاد السوفييتي، إضافة إلى ماسبق تنتج أوربة الغربية وحدها أكثر من نصف الإنتاج العالمي من الطاقة الكهرذرية مع أن مشروعات تطوير هذا المصدر من الطاقة تصطدم دائماً بمقاومة مايُعرف بأصدقاء الطبيعة من الأوربيين الذين يطالبون بأن توجه الدول الأوربية الاهتمام إلى تطوير الطاقة الكهرمائية واستغلال الطاقة الشمسية والرياح بدلاً من وضع برامج لتطوير الطاقة الذرية لما قد تحمله من أخطار بيئية فادحة، وتتباين سبل إنتاج مصادر الطاقة وحجومها في أوربة من بلد إلى آخر. ب ـ الخامات المعدنية وأهم الصناعات: كانت أوربة تنتج مايكفي حاجتها من الخامات والفلزات المعدنية الضرورية للصناعة كالحديد والمنغنيز والكروم والألمنيوم والنحاس والرصاص والزنك والبوكسيت والقصدير، غير أن التقدم الصناعي الذي شهدته القارة استنفد معظم احتياطيها من الخامات الآنفة الذكر، مما دفع بدولها بلا استثناء إلى الاعتماد على استيرادها، كما هي الحال في استيراد خامات الحديد من البرازيل ومن موريتانية مثلاً. أما أهم المصنوعات فتتمثل بصناعة الحديد والصلب والفولاذ والآلات والأدوات المختلفة والمصانع الجاهزة والسيارات والسفن وصناعة الأسلحة إلى جانب تكرير النفط والصناعات البتروكيمياوية والصناعات الغذائية بأنواعها كافة، وصناعة الأدوات الكهربائية المنزلية والصناعات الإلكترونية والمطاط الصناعي الذي تنتج أوربة أكثر من ربع الإنتاج العالمي منه، وما يقرب من 40% من الإنتاج العالمي للبلاستيك و35% من الصناعات النسيجية العالمية، كما تشتهر دول أوربة الغربية ولاسيما فرنسة وإيطالية بصناعاتها الخشبية والجلدية الراقية والعطور الفاخرة، وأهم مايميز الصناعة الأوربية هو هذا التنوع الشديد والإنتاج الضخم والنوعية الممتازة، ومع التفاوت الكبير بين دول القارة الأوربية في المجال الصناعي، فإن هذا القطاع يشهد تطوراً مذهلاً في مجمل أقطار القارة حيث تصل نسبة النمو الصناعي السنوي إلى نحو 6-8% لدول شرقي القارة مقابل 6% في فرنسة وألمانية و7% في إيطالية، ويعد حجم الإنتاج الأوربي من الحديد والفولاذ دليلاً على رقي الصناعة فيها. 2 ـ الزراعة وتربية الحيوان والصيد البحري: كان لامتداد آثار الثورة الصناعية إلى القطاع الزراعي، أن شهد هذا الأخير تطوراً مهماً في أوربة، وخاصة بعد أن دخل نظاما المكننة والأتمتة في مجمل أوجه النشاط الزراعي وتربية الحيوان، إضافة إلى تطبيق الأساليب العلمية الحديثة في الزراعة، كاتباع الدورات الزراعية والتحسين المستمر لأصناف البذار المستخدمة واصطفائها وذلك بفضل الانتشار الواسع للمخابر الاختصاصية التي تتم فيها البحوث العلمية الزراعية بتمويل من الحكومات الأوربية، إضافة إلى التطور الكبير لوسائل مكافحة الآفات والحشرات، وتعد أوربة أكبر مستهلك للأسمدة، إذ يستخدم فيها وسطياً بحدود 300كغ/هكتار كما هي الحال في ألمانية وهولندة. ولهذا فإن مردود الزراعة الإجمالي يعد في أعلى المعدلات العالمية. ويخضع الإنتاجان الزراعي والحيواني لبرمجة وتخطيط خاصين تفرضهما القوانين والأنظمة التي تحددها متطلبات السوق الأوربية المشتركة لأعضائها. ويتصف الإنتاج الزراعي عموماً بتنوعه الشديد، وبارتفاع معدلات إنتاجه وبجودة نوعية المحاصيل الزراعية، وأهم المحاصيل الأوربية: البطاطا التي تعد الغذاء الرئيس والشعبي لمعظم الدول الأوربية التي تنتج ما يزيد على نصف الإنتاج العالمي منه، إضافة إلى إنتاجها نحو خُمس الإنتاج العالمي من القمح ونحو 35% من الإنتاج العالمي من الشوندر السكري ونحو 10% من الإنتاج العالمي للذرة الصفراء، وأهم المحاصيل الأخرى: الخضراوات والفواكه بأنواعها المختلفة والزيتون والعنب والقطن والتبغ والنباتات العلفيّة وعلى رأسها الشعير والشوفان وتجود في جنوبي القارة خاصة. أما تربية الحيوان، فإنها تسهم بنحو ثلثي مجمل الدخل الزراعي، وقد تصل هذه النسبة إلى ما يزيد على 90% من الدخل الزراعي في بعض الدول الأوربية كما هي الحال في الدنمارك، وتوجه الأقطار الأوربية عناية فائقة لتربية المواشي إذ تسمَّد المروج الطبيعية وتقوم بتهيئة المراعي الاصطناعية وفي الوقت نفسه تقدم الأعلاف الصناعية المركزة والجذور الدرنية لتغذية الحيوانات التي تربى وفق أحدث الأساليب العلمية وتستفيد من الرعاية البيطرية اللازمة. وأهم الحيوانات التي تربّى في القارة: الأبقار والأغنام والخنازير وبعض الماعز وخصوصاً في المناطق الجبلية والهضبية العالية وتنتج أوربة عموماً ما يزيد قليلاً على ثلثي الإنتاج العالمي من الحليب الذي تقوم عليه صناعة الألبان ومشتقاتها الشديدة الازدهار في القارة، وخاصة في دول أوربة الغربية. ولفرنسة وهولندة على الخصوص شهرة عالمية في صناعة الأجبان، إذ تنتجان ما يزيد على 300 نوع منها. كما أن كثرة السواحل الغنية جداً بمصائد الأسماك جعل أساطيل الصيد تنشط فيها وخصوصاً في النروج والدنمارك وإسبانية والمملكة المتحدة، ويزيد إنتاج القارة على 10ملايين طن من الأسماك سنوياً وهذا ما يعادل نحو سبع الإنتاج العالمي. 3ـ التجارة والنشاط السياحي: إن التطور الصناعي الكبير من جهة، وفقر القارة النسبي إلى المواد الخام الضرورية القادرة على سد الحاجة المتزايدة لهذه الصناعة من جهة ثانية، جعلا من القارة الأوربية مركزاً تجارياً عالمياً بالغ الأهمية، لأن دول السوق الأوربية المشتركة وحدها تحتل المركز العالمي الأول في التصدير والاستيراد في آن واحد، وعلى رأس المواد المستوردة يأتي النفط (أكثر من 200 مليون طن سنوياً) والخامات والموارد المعدنية المختلفة كالحديد والنحاس والزنك والرصاص إضافة إلى كميات ضخمة من الفحم الحجري، وتستورد الدول الأوربية أيضاً القطن والرز والشاي والخضراوات والفواكه المدارية، وتصدر الآليات والأدوات والمعامل الجاهزة والسيارات والأسلحة والمعدات الإلكترونية والأدوات الكهربائية والأدوية والمصنوعات المطاطية ومنتجات الألبان. وبسبب النشاط المتزايد الأهمية للتجارة، ازدهرت في أوربة صناعة السيارات والبواخر وتطورت في القارة أكبر الموانئ التجارية في العالم (الجدول 4).   الميناء حجم التجارة بملايين الأطنان روتردام 226 أنفرس 78 مرسيلية 74 لندن 60 الهافر 58 جنوة 55 هامبورغ 48 ميلفوردهافن 42 اغوستا 35 ساوثامبتون 29 تريسته 28 ليفربول 27 المجموع 760 الجدول 4: أهم الموانئ الأوربية وحركة البضائع فيها   وتحتضن القارة أيضاً أكبر مطارات العالم وأكثرها رقياً وحركة على مدار السنة، كما تغطي أراضيها في أجزائها الغربية خاصة شبكات كثيفة ومعقدة من طرق السيارات المزدوجة ذات النوعية الممتازة، إلى جانب شبكة من خطوط السكك الحديدية التي تسير عليها حافلات متقدمة، تتجاوز سرعتها أحياناً 260كم/سا، وتشهد القارة ولاسيما أقطارها الجنوبية المطلة على البحر المتوسط حركة سياحية متزايدة الأهمية توفر دخلاً إضافياً كبيراً. محمد فائد حاج حسن    

اقرأ المزيد »




التصنيف : التاريخ و الجغرافية و الآثار
المجلد : المجلد الرابع
رقم الصفحة ضمن المجلد : 171
جزء : أوربة

آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 5
الكل : 2776403
اليوم : 229

الأحداث الجانحون

الأحداث الجانحون   الأحداث الجانحون juvenile delinquents مصطلح يهتم به القانون الجزائي، وبصفة خاصة قانون الأحداث الجانحين، ويطلق على الذين يرتكبون جرائم قبل بلوغهم سن الرشد القانوني، ويلاحق جزائياً منهم أولئك الذين يرتكبون جرائم وهم  في سن التمييز. ويقصد بالحدث كل ذكر أو أنثى لم يبلغ بعد سن تحمل المسؤولية الجزائية، أي لم يصل بعد إلى سن الرشد الجزائي الذي يعدّ بداية مرحلة المسؤولية الجزائية الكاملة، وعلى ذلك تفرق التشريعات الجزائية في مختلف الدول بين الحدث والراشد من حيث المعاملة الجزائية ومن حيث القواعد التي تحكم المسؤولية الجزائية.

المزيد »