logo

logo

القانون العام | إبرام العقود الإدارية

إبرام عقود إدارية

ratification of administrative contracts - ratification des contrats administratifs

إبرام العقود الإدارية

إبرام العقود الإدارية

مهند نوح

تعريف

أسلوب التعاقد القائم على أساس السلطة المقيدة (المناقصة العامة)

أساليب التعاقد القائمة على السلطة التقديرية

إبرام العقود بناءً على التفاوض

 

أولاًـ تعريف:

يقوم إبرام العقود الإدارية على جملة من الإجراءات التي رسمها المشرع مسبقاً لتبادل الإيجاب والقبول في العقد الإداري في سبيل إبرام هذا العقد ذاته، وهذه الأساليب إما أن تكون فيها سلطة الإدارة مقيدة في معرض إبرام العقد، وإما منطوية على بعض عناصر للتقدير تختلف سعة وضيقاً بحسب أسلوب الإبرام المتبع في التعاقد.

ثانياًـ أسلوب التعاقد القائم على أساس السلطة المقيدة (المناقصة العامة):

المناقصة العامة l’adjudication publique هي إطارٌ إجرائي مرسوم من قبل المشرع لتبادل الإيجاب والقبول في العقد الإداري، وتقوم على مبادئ المنافسة المفتوحة، والعلانية، والإسناد التلقائي على أقل سعر، وتنهض بعبء عملياتها سلطة مختصةٌ هي لجنة المناقصة على أن تبقى نتائج الإرساء التي توصلت إليها لجنة المناقصة موقوفةً على اعتماد السلطة المختصة بإبرام العقد أو توقيعها.

وتجدر الإشارة إلى أنه توجد صيغة من صيغ المناقصة، هذه الصيغة هي المزايدة enchère، وهي تقوم على المبادئ نفسها التي تقوم عليها المناقصة العامة، كما تخضع إلى إجراءات هذه الأخيرة نفسها، ولكن وجه الخلاف بينهما أن الإرساء في المزايدة العامة يتم على العارض الذي يتقدم بأعلى سعر، وفي المناقصة العامة التي يتم الإرساء فيها على أقل سعر.

على كل حال المناقصة العامة هي التقنية الإجرائية التي يجب اتباعها من جانب الإدارة عند إقدامها على الشراء، في حين يجب اتباع المزايدة عندما تقدم الإدارة على البيع، وبناءً عليه تعد المزايدة في سورية الطريقة الأساسية لبيع عقارات الجهات العامة، أو إيجارها أو استثمارها، وكذلك بيع الأشياء واللوازم (المادة 73 والمادة 79 من القانون 51 لسنة 2004).

وتدرس المناقصة العامة من خلال دراسة المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه وهو المنافسة الحرة ومن خلال دورها في إبرام العقد الإداري:

1ـ المنافسة الحرة La concurrence libre 

أ ـ ماهية مبدأ المنافسة الحرة:

تعني المنافسة الحرة فتح باب التزاحم الشريف أمام كل من يود الاشتراك في المناقصة، والمناقصة الحرة بهذا المعنى تقضي أن يعامل كل المتنافسين على قدم المساواة، فلا يجوز إعطاء ميزة لأحدهم لم تعط لأقرانه أو على حسابهم، وهذا يعني أن الشروط المطلوبة للاشتراك في المناقصة يجب أن تكون واحدة للجميع.

وبناءً عليه فإن سلطة الإدارة في قبول المرشحين في نطاق المناقصة العامة هي سلطة مقيدة تماماً، فإذا كان المتنافس لم يراعِ الضوابط والأصول اللازمة والضرورية لدخول ساحة المنافسة فإن الإدارة تقوم باستبعاده، وكذلك الأمر إذا كان قد راعى كل الشروط المطلوبة لدخول المناقصة، فلن يكون للإدارة أي مساحة تقديرية لرفض قبوله.

ويقوم مبدأ المنافسة الحرة على أسس الحرية الاقتصادية التي تفرض إبرام العقد الإداري عن طريق تفاعل قوى العقد بالمعنى الاقتصادي.

وكذلك يقوم مبدأ المنافسة الحرة على أسس دستورية تتعلق بالمساواة أمام القانون، التي من مقتضاها التطابق والمماثلة بين الأفراد في الحقوق والواجبات، مما يعني ضرورة التطابق والمماثلة بين مراكز المتنافسين عند إبرام العقد الإداري، إذ كانت مراكزهم واحدة، وتنطبق عليهم الشروط القانونية المطلوبة للاشتراك في المنافسة.

 ب ـ وسيلة وضع مبدأ المنافسة الحرة موضع التطبيق (العلانية):

إن العلانية تضع المنافسة الحرة موضع التطبيق الفعلي، لأنها هي التي تؤدي إلى إثارة المنافسة ضمن مناخ المساواة، والشفافية، فمن دون الإعلان لا يوجد مجال حقيقي للمنافسة بين الراغبين في التعاقد مع الإدارة. وبذلك فإن العلانية تسعى إلى تحقيق المنافسة العادلة عن طريق ضمان علم الجميع بما تريد الإدارة التعاقد عليه.

ومن الملاحظ أن مجلس الدولة الفرنسي متشددٌ جداً في مجال العلانية، إذ عدّها من قبيل الشكليات الجوهرية Formalité substantielle التي يؤدي عدم مراعاتها إلى بطلان العقد (C.E.،Cne de Pont - à -Marcq ، R.D، P.1995، P.96).

ولا تتحقق العلانية من الناحية الموضوعية إلا عن طريق نشر حد أدنى من المعلومات حول العقد المراد إبرامه، لذلك فإن الفقرة /ب/ من المادة (10) من القانون 51 لسنة2004 نصت على وجوب أن يتضمن الإعلان عن المناقصة البيانات التالية على الأقل:

(1) موضوع المناقصة.

(2) مكان تقديم العروض وجلسة المناقصة وزمانهما.

(3) التأمينات النهائية، والتأمينات المؤقتة.

(4) الجهة التي يمكن شراء إضبارة المناقصة منها، والحصول على جميع المعلومات والشروط المتعلقة بها.

(5) مدة إنجاز التعهد.

(6) سعر الإضبارة.

(7) المدة التي سيبقى العارض مرتبطاً خلالها بعرضه.

وقد حدد القانون وسائل معينة لنشر الإعلانات المتعلقة بالمناقصة، وهي تتجلى في سورية فيما يلي وفقاً للفقرة /أ/ من المادة (10) من القانون 51 لسنة 2004:

(1) النشر في الصحف: ويكفي النشر مرة واحدة، وفي صحيفة واحدة، إلا أن ذلك يعني الحد الأدنى، مع ترك الخيار في تحديد عدد الصحف، وعدد مرات النشر للإدارة المعنية، وفقاً لأهمية المناقصة، ولتقدير الإدارة صاحبة العلاقة.

وإذا تم النشر في مجلات وصحف تصدر خارج سورية فيجب:

(2) النشر في نشرة إعلانات الدولة: ونشرة إعلانات الدولة هي نشرة الإعلانات الرسمية التي تصدرها المؤسسة العربية للإعلان، وحرصاً على اتصال أكبر عدد من المتعهدين بالإعلانات عن العقود التي تود الإدارة إبرامها فإن العمل جارٍ في سورية على عدم قبول اشتراك المتعهدين والمقاولين في المناقصات والمزايدات وما في حكمها إلا بعد تقديمهم ما يشعر باشتراكهم في نشرة الإعلانات الرسمية (بلاغ رئاسة مجلس الوزراء رقم 18/ب ـ 1632/15 تاريخ 18/3/1989).

(3) اللصق في لوحة إعلانات الإدارة المعنية: ومن دون شك فإن هذه الوسيلة تعد تكميلية لوسائل النشر الأساسية المتمثلة في النشر في الصحف، وفي نشرة إعلانات الدولة، وبالتالي لا يمكن التعويل عليها وحدها.

(4) النشر عن طريق التبليغ: وتعد هذه الوسيلة من الوسائل التكميلية أيضاً، بحيث يجوز تبليغ جميع الجهات التي تهمها المناقصة، وكذلك تبليغ البعثات والهيئات التجارية السورية المعتمدة في البلاد، صوراً عن الإعلان المتعلق بالمناقصات الخارجية، وعن بعض وثائقها، ويجب ـ في هذه الحالة ـ مراعاة الفترة الزمنية اللازمة لوصول هذه الإعلانات إلى البعثات السورية في الخارج، بحيث ترد في وقتٍ يناسب الزمن المحدد في الإعلان (بلاغ رئاسة مجلس الوزراء رقم 3/ب ـ 6/15. تاريخ 2/1/1982).

(5)ـ النشر عن طريق الإذاعة والتلفاز وسائر وسائل الإعلام الأخرى، ولكن المشرع اشترط لأجل اللجوء إلى هذه الأساليب موافقة الوزير المختص بذاته، وذلك نظراً للتكلفة المرتفعة لمثل هذه الوسائل، مما يوجب تقدير ضرورتها من قبل الوزير بذاته، إضافة إلى أن عبارة (وسائر وسائل الإعلام الأخرى)، التي وردت في المادة (10) من القانون 51 لسنة 2004 تمتد لتشمل وسائل النشر الحديثة مثل النشر على شبكة الإنترنت.

وبعد أن يتم النشر وفقاً للأساليب التي ينص عليها القانون فإنه يجب أن يعطى للمتنافسين المحتملين مدة زمنية يستطيعون خلالها تقديم عروضهم، وهذه المدة يجب أن تكون كافية ليتاح للمتعهدين دراسة أوضاعهم، وأوضاع السوق، وموضوع المناقصة بروية وهدوء، ومن ثم تقديم عرضٍ على درجةٍ عاليةٍ من الدقةِ والوضوح.

وقد حددت المادة (9) من القانون 51/2004 في سورية مدة الإعلان، بحيث يعلن عن المناقصة قبل إجرائها بخمسة عشر يوماً بالنسبة للمناقصات الداخلية، وخمسين يوماً بالنسبة للمناقصات الخارجية، ويجوز في الحالات التي تستوجب السرعة إنقاص هذه المدة إلى خمسة أيام في المناقصات الداخلية، ويعود تقدير السرعة إلى آمر الصرف المختص، ويجري العمل في سورية على عدم جواز اللجوء إلى تخفيض المدة لضرورة السرعة إلا في حالة وجود حالة ملحة تدفع الإدارة إلى ذلك.

وقد حرص المشرع السوري على مراعاة الدقة في حساب مدة تقديم العروض، فلا يدخل يوم الإعلان في حساب هذه المدة، كما لا يدخل يوم إجراء المناقصة (الفقرة /د/ من المادة 9 من القانون 51 لسنة 2004).

وفي الحقيقة أن القواعد التي تنص على ضرورة الإعلان السابق عن المناقصة هي من قبيل القواعد الآمرة Les règles impératives التي يؤدي الخلل فيها إلى وصم المناقصة باللامشروعية.

ولا يكفي أن يكون الإعلان موجوداً، بل يجب أن يكون كاملاً وفعالاً، فالإعلان يمكن ألا يكون مشروعاً إذا لم يحتوِ على البيانات الدنيا المفروضة على النحو الذي ذكر سابقاً، أو لأنه لم ينشر ويذع على نحو كافٍ، أو لأن مدته لا تكون ملائمة لإعداد العروض.

ولكن ليس كل خطأ أو خلل في الإعلان مهما كان وزنه أو نوعه من شأنه أن يؤدي إلى إبطال المناقصة، فهناك أخطاء لا يكون لها هذا المفعول، وقد اتبع مجلس الدولة الفرنسي منهجه التقليدي في التفرقة بين الإجراءات الجوهرية والإجراءات غير الجوهرية في هذا النطاق، فالمناقصة تعد مشوبة بعيب جوهري إذا لم تحترم المدد القانونية للإعلان، أو إذا كان هناك خللٌ كبيرٌ في البيانات التي يجب أن يحتويها الإعلان، ولكن لا تبطل المناقصة إذا كانت بيانات الإعلان يعتورها نقص غير مخل.

(C.E, 29-12-1997, Département de Paris, Req, 159693

ومما تجدر الإشارة إليه أنه لا يجوز التعديل في دفاتر الشروط والمخططات وسائر الوثائق التي تبنى عليها المناقصة، بعد إذاعة إعلان المناقصة، ما لم يعلن عنها مجدداً.

2ـ المنافسة الحرة ومبدأ المناقصة المقيدة:

المناقصة المقيدة L’adjudication restreinte هي صيغة خاصة للمناقصة، تعتمد على الإرساء التلقائي على السعر الأقل، ولكن المنافسة فيها تكون مقيدة، بحيث لا يدخلها إلا المرشحون الذين اختارتهم الإدارة نظراً للضمانات المهنية والمالية التي قدموها، وذلك لأن محل العقد أو قيمته يحملان أهمية خاصة.

وقد ظهرت المناقصة المقيدة أول ما ظهرت في فرنسا منذ سنة 1836، ثم قننت بالتشريعات اللاحقة، وتلقفت نظامها القانوني التشريعات في عدد من الدول ومنها مصر وسورية.

وتقوم فكرة المناقصة المقيدة على التوفيق بين مفهومي السلطة التقديرية والسلطة المقيدة عند إبرام العقد الإداري، فكما مرَّ، أن الإدارة تكون مقيدة في نطاق تقرير المتنافسين الذين سيدخلون إلى نطاق المنافسة على العقد، فمتى ما استكمل هؤلاء الشروط المطلوبة قانوناً للدخول إلى المنافسة فإن الإدارة تكون ملزمة بقبولهم، إضافة إلى أنها محكومة بمبدأ آلية الإرساء على السعر الأقل كما سيتضح لاحقاً، وبالتالي فإن سلطتها في نطاق المناقصة بصيغها المفتوحة إنما تكون مقيدة في معرض انتقاء المتنافسين وفي معرض الإرساء، لذلك فقد أتت المناقصة المقيدة تخفيفاً لتلك السلطة المقيدة، وبحيث يكون للإدارة سلطةٌ تقديرية في انتقاء المتعهدين الذين سيدخلون إلى ساحة المنافسة بعد فحص مؤهلاتهم التقنية والمالية، فلا يكفي مجرد استكمال الشروط المطلوبة قانوناً للاشتراك في المناقصة، وبالتالي فإنه يمكن استبعاد بعض المتعهدين وإن استوفوا الشروط المطلوبة قانوناً للاشتراك في المنافسة، وذلك لأن تقدير الإدارة انصرف إلى عدم توافر الضمانات الفنية والمالية الكافية فيهم، بالنظر إلى محل العقد أو قيمته، مع بقاء مبدأ الإرساء التلقائي قائماً، بحيث يتم إرساء المناقصة على العارض الذي تقدم بالسعر الأقل، وذلك بعد انحصار المنافسة فيمن رأت الإدارة قبوله من المتعهدين.

وقد نظم المشرع السوري المناقصة المقيدة في المادة (26) من القانون 51/2004 تحت تسمية (المناقصة المحصورة). حيث نصت المادة (26) المذكورة على أنه: «يحق للوزير المختص حين الإعلان عن المناقصة اعتبارها محصورة بمن تتوافر فيهم شروط وكفاءة مادية وفنية معينة لأسباب تتعلق بطبيعة العمل، أو نوعيته، أو ظروفه، وفي هذه الحالة تقوم لجنة المناقصة بعد تدقيق وثائق العارضين بتحديد أسماء المقبولين، ويكون قرارها في هذا الشأن قطعياً، وتتم إجراءات المناقصة على النحو المبين في الأحكام السابقة...»، وفي الحقيقة أعطى أن المشرع للجنة المناقصة صلاحية البت في قبول المتعهدين للدخول إلى ساحة المنافسة، وهو بذلك أعطاها اختصاصاً واسعاً، لكن التعليمات التنفيذية للقانون 51/2004، نصت صراحة على أن الجهة التي تتولى هذا التأهيل إنما هي لجنة يشكلها آمر الصرف لهذه الغاية، وبالتالي فإن المادة (26) من القانون الجديد والتعليمات التنفيذية تكونان على طرفي نقيض في هذا المجال.

3ـ نطاق مبدأ المنافسة الحرة:

إن المنافسة الحرة تعني المنافسة الكاملة، لكن يحق للإدارة أن تضع شروطاً معينة أقرها المشرع والاجتهاد لإيجاد حدود منطقية للمنافسة، من حيث إنها تشكل ضوابط وقيوداً على هذا المبدأ الأخير، وهذه القيود تستلزمها المصلحة الإدارية والفنية للإدارة المتعاقدة، وهي تتجسد فيما يلي:

أ ـ الأهلية القانونية: حيث يشترط فيمن يتقدم للتعاقد مع الإدارة أن يكون متمتعاً بالأهلية القانونية للتعاقد، وبالتالي يصبح قادراً على تلقي الحقوق وتحمل الالتزامات في مواجهة الإدارة، لذلك لا يمكن لهذه الأخيرة أن تقبل اشتراك فاقد الأهلية أو ناقصها في المناقصة، وإذا كان الأمر يمكن أن يؤخذ على هذا القدر من البساطة إذا كان المتعاقد مع الإدارة شخصاً طبيعياً، فإنه لا يكون كذلك إذا كان هذا المتعاقد شخصاً معنوياً، حيث تثور في هذه الحالة مشكلة تمثيل هذا الشخص، وفيما إذا كان مؤهلاً قانونياً لهذا التمثيل، لذلك يجب دائماً على من يتولى مسؤولية تمثيل شخصٍ معنوي أن يبرز الوثائق التي تثبت مشروعية تمثيله.

ومن أبرز المشاكل التي يمكن أن تثور أيضاً ـ إذا كان المتعاقد شخصاً معنوياً خاصاً ـ تلك المشكلة المتعلقة بعدم الأهلية الزمنية، لأن هذه الأشخاص تؤسس بموجب عقود محددة المدة، وبالتالي إذا قدم عرض من جانب شركة، وكانت مدة تأسيسها قد انقضت فإن عرض الشركة يعد صادراً عن شخصٍ غير ذي أهلية.

ب ـ الشرف المهني والمدني: ويقصد بالشرف المهني عدم توافر عناصر الثقة في شخص المرشح، وهذا يحتم عدم قبول المرشحين الذين أشهر إفلاسهم، أو الخاضعين للتصفية القضائية.

ولا يوجد نص صريح في القانون السوري يحكم مسألة الشرف المهني، إلا أن الحكم الذي نص عليه البند /2/ من الفقرة أ من المادة (11) من القانون 51/2004 في سورية من وجوب إرفاق صورة عن السجل التجاري للمرشح مع العرض من شأنه أن يوضح صورة الشرف المهني تماماً لهذا المرشَّح، وإن كان من المحبذ أن يتناول المشرع السوري ذلك صراحةً.

وكذلك يجب أن يكون العارضون متمتعين بالشرف المدني، إذ يجب أن يتمتعوا بحسن السيرة والسلوك، إذ ليس من مصلحة الإدارة التي تقوم بتسيير المرافق العامة وتوزيع الخير العام، أن تتعاقد مع شخصٍ مشبوه، أو ذي سوابق جنائية. وقد كان المشرع السوري واضحاً في هذا المجال إذ اشترط البند الرابع من الفقرة أ من المادة (11) من القانون 51/2004على من يود الاشتراك في المناقصة: «أن لا يكون محكوماً بجناية أو بجرمٍ شائنٍ ما لم يرد إليه اعتباره».

ج ـ التعارض بين العارض وصفة الموظف العام: في الواقع إن الجمع بين صفة المتعاقد مع الإدارة، وصفة الموظف العام قد يكون في غير مصلحة المرفق المتعاقد، وذلك لأنه إذا أبيح للموظفين العامين أن يتعاقدوا مع الإدارة فإنهم سوف يمارسون تأثيراً واضحاً في إبرام العقد، وفي تنفيذه على حدٍّ سواء.

إضافة إلى كون الموظف العام عالماً بأمور الإدارة، ومطلعاً على تقنياتها وأساليبها في العمل، وهذا في ذاته من شأنه أن يخلق نوعاً من التفضيل له على حساب بقية العارضين من غير الموظفين.

وقد كان المشرع السوري صريحاً في هذا المجال، حيث حظرت المادة (65) من النظام الأساسي الموحد للعاملين في الدولة  على العامل أن يدخل في التعهدات والمناقصات بنفسه أو بالواسطة أثناء وجوده في عمله، وذلك بالنسبة لكل تعهدات أو مناقصات إدارات الدولة، ويستمر هذا الحظر سارياً بعد تركه للخدمة، ولأي سبب كان، ولمدة خمس سنوات بالنسبة للتعهدات والمناقصات التي تجري في الجهة العامة التي كان فيها عند تركه للخدمة.

وقد أكمل البند /5/ من المادة (11) من القانون 51/2004نطاق هذا الحظر، حيث اشترط فيمن يود الاشتراك في المناقصة «أن لا يكون من العاملين في إحدى الجهات العامة».

د ـ الجنسية: اتجهت معظم التشريعات في الماضي في منحى تفضيل المواطنين على الأجانب في نطاق الدخول على المناقصات العامة، إذ إن الأجنبي كان يستبعد على الفور من نطاق المنافسة بسبب جنسيته الأجنبية فقط، وبغض النظر عن مؤهلاته الفنية، وملاءته المالية، وهذا ما عرف اصطلاحاً باسم الشرط التفضيلي Clause discriminatoire، إلا أن سياسة فتح الأسواق وتحرير التجارة التي تعم العلاقات الدولية الاقتصادية قد جعلت هذا التمايز بين الوطني والأجنبي في نطاق الدخول إلى المناقصات العامة ضئيلاً، بل منعدماً في بعض الدول كما هو الحال في فرنسا مثلاً، التي خضعت للنظام القانوني الذي يحكم الاتحاد الأوربي منذ إبرام معاهدة روما سنة 1957، ومنعت المادة (7) منها صراحة أي تمييزات بسبب الجنسية في نطاق العمليات التجارية أو الاقتصادية التي تتم في دولة عضو في الاتحاد.

أما في سورية فينص البند 11 من المادة (12) من المرسوم التشريعي 228/1969 الملغى على أنه يشترط فيمن يود الاشتراك في المناقصة «أن يكون عربياً سورياً أو عربياً فلسطينياً، أو من رعايا إحدى دول جامعة الدول العربية». كما نصت المادة (12) ذاتها على ما يلي: «يجوز في المناقصات الخارجية قبول العارض الأجنبي».

ويلاحظ من قراءة النصين السابقين أن الأصل أن يكون العارضون من المواطنين السوريين أو العرب، وبالتالي فإن المرسوم التشريعي 228/1969 يكون قد راعى السياسة العامة للجمهورية العربية السورية القائمة على النهج القومي.

ويلاحظ أيضاً، أنه يمكن قبول المتنافسين الأجانب في المناقصات الخارجية، والمناقصات الخارجية هي التي يعلن عنها على المستوى الدولي والتي يسمح فيها للعارضين السوريين والعرب والأجانب بالاشتراك فيها على حد سواء.

إلا أن المادة (11) من القانون 51 لسنة 2004 لم تشر إطلاقاً إلى شرط الجنسية في معرض تعدادها لشروط الاشتراك في المناقصات العامة، وكان يفضل المحافظة على الاتجاه القديم الذي يقصر المناقصات الداخلية على السوريين والعرب، ويفتح أمام الأجانب باب المناقصات الخارجية.

ويؤدي شرط الجنسية دوراً مهماً في إطار استفادة الشركات الوطنية المشاركة في المناقصات من مزية تفضيلية إذا كانت السلع التي تقدمها ذات إنتاج وطني، وذلك بالمقارنة مع السلع الأخرى ذات المنشأ الأجنبي (تعميم رئاسة مجلس الوزراء رقم 3573/15.تاريخ 4/5/2002 وتعميم رئاسة مجلس الوزراء رقم 4853/15 تاريخ 2/7/2002).

هـ ـ الضمان المالي (تقديم التأمين المؤقت): التأمين المؤقت Le cautionnement provisoire، هو قيمة يضمنها العارض عرضه، ويخصصها لمصلحة الإدارة، وذلك ضماناً لجدية العرض، وتأييداً لحسن تنفيذه للالتزامات الناجمة عن تقديمه لهذا العرض، والمستندة إلى إرادته المنفردة، ولكن إذا كان التأمين المؤقت يضمن نية العارض في تنفيذ العقد فيما لو تم الإرساء عليه فإنه لا يضمن التنفيذ الجيد للعقد، لأن هذا الدور يضطلع به التأمين النهائي.

وقد نصت المادة (13) من القانون 51 لسنة2004 على وجوب تقديم التأمينات الأولية من قبل من يود الاشتراك في المناقصات، وقد حددت الفقرة /أ/ من المادة (46) من المرسوم ذاته قيمة هذه التأمينات بحيث تكون 5% من القيمة التقديرية للتعهد، أو بمبلغ مقطوع عند عدم وجود كشف تقديري. ويجوز للإدارة المعنية بالمناقصة، وبعد موافقة آمر الصرف إنقاص قيمة هذه التأمينات على أن يذكر ذلك في دفتر الشروط الخاصة، وفي الإعلان (الفقرة ب من المادة (46) من القانون 51/2004).

وقد أعطت الفقرة /ج/ من المادة (46) من القانون الجديد لآمري الصرف سلطة تقديرية لإعفاء العارضين من تقديم التأمينات الأولية كلياً، شرط أن يكون محل العقد توريدات أو قطع تبديل للصيانة، كما أن الفقرة /د/ من المادة نفسها أجازت وبموافقة الوزير المختص الإعفاء من التأمينات المؤقتة والنهائية، وذلك في الحالات الخاصة التي تقتضي طبيعتها ذلك.

 وعلى الرغم من أن المحكمة الإدارية العليا قد عدّت أن إيداع التأمين المؤقت من قبل مقدمي العروض شرطٌ أساسي للنظر في عروضهم (حكم المحكمة الإدارية العليا السورية رقم 57 في الطعن رقم 8 لسنة 1977، المجموعة، 1977، ص260) رأت بالمقابل أنه إذا اقتضت الإدارة التأمينات على غير الأصول المنصوص عليها قانوناً، ونظرت في العرض وأرست عليه فلا يسوغ لها التحلل من التزامها تجاه مقدم هذا العرض (حكم المحكمة الإدارية العليا السورية رقم 343 في الطعن 157 لسنة 1978، المجموعة، 1978، ص. 213).

ولدفع التأمينات الأولية صورٌ متعددة، فهي إما أن تدفع نقداً إلى أحد صناديق الإدارة بموجب إيصال رسمي، يثبت عليه موضوع المناقصة وتاريخها والقيمة المدفوعة، والإدارات التي ليس لها صندوق يعدّ صندوق الخزينة العامة هو الصندوق الخاص بها (كتاب وزارة المالية رقم 823/16/1 تاريخ 14/1/1975)، وإما أن تدفع التأمينات المؤقتة أيضاً على شكل شيك مؤشر عليه بالقبول من قبل المصرف المسحوب عليه لمصلحة الإدارة، ولا يشترط أن يكون صاحب الشيك هو صاحب العرض نفسه، مادام الشيك صادراً لأمر الإدارة المعنية، وبالتالي يمكن صرفه في أي وقت تشاء الإدارة. كما يمكن أن تدفع التأمينات المؤقتة على أساس كفالة مصرفية.

و ـ الكفاية الفنية: من مصلحة الإدارة ألا يدخل إلى المنافسة إلا متنافسون على درجة كافية من الاستعداد التقني، فلا جدوى من السعر الأقل إذا كانت أهلية المتعاقد على درجة من السوء، إذ إن ذلك سوف يؤثر في حسن تنفيذه لالتزاماته في النهاية، مما يمس حسن سير المرفق بانتظام واضطراد، وقد عبر مجلس الدولة الفرنسي ببلاغة عن ذلك بقوله: «... يجب على العارض أن يقيم الدليل على روحٍ كافية للاشتراك مع الإدارة...».

(P. 1169، 1974، R.D.P، Cagre، 20-10-1972،C.E)

 ومن هذا المنطلق فقد استقرت الأنظمة القانونية المقارنة على أن مبدأ الدخول المفتوح إلى المناقصات العامة يجب أن يوازن مع ضرورة توافر درجة معينة من القدرة الفنية عند المتنافسين.

وتحقيقاً لشرط الكفاية الفنية فقد قضت المادة (11) من القانون 51/2004 أن يكون المتنافسون المرشحون مسجلين في إحدى الغرف التجارية أو الزراعية أو الصناعية أو السياحية، وفي سبيل اكتمال الهوية المهنية للمرشحين على نحو كامل قضت المادة ذاتها أن يكون المرشحون مسجلين في السجل التجاري، ويجب بطبيعة الحال أن يتضمن قيد السجل التجاري نوع الأعمال التي يقوم بها المرشح، والتي تحتم بدورها أن تكون متجانسة ومنسجمة مع نوعية الأداءات محل المناقصة (كتاب وزارة المالية السورية إلى وزارة التعليم العالي، رقم 30068 تاريخ 9/11/1995).

وإضافة إلى ذلك، فإن المقاولين يصنفون في سورية ضمن فئات وفقاً لنظام تصنيف المقاولين، الذي حدد الحد الأقصى لقيمة المشروع الذي يمكن أن يتقدم إليه المقاول بحسب اختصاصه وفئة تصنيفه؛ لذلك فإن تصنيف المقاول بحسب نوع الأعمال التي يمارسها في إطار عقود الأشغال، وبحسب قيمتها من الطرق الفعالة جداً في إثبات كفاءة العارضين.

ز ـ يجب ألا يكون العارض محروماً من التعاقد مع الإدارة:

والحرمان يعني منع أحد الأشخاص الطبيعيين أو الاعتباريين من التعاقد مع جهات الدولة كلها أو بعضها مدة زمنية محددة، ويتم هذا الحرمان لكل متعهدٍ تثبت سوء نيته، أو عدم كفاءته في أثناء تنفيذ تعهدات الإدارة (المادة 58 من القانون 51/2004).

وتعبير «سوء النية» تعبيرٌ واسع يشمل فيما يشمل الغش والتلاعب والرشوة، وجميع الانحرافات الأخرى التي لا يجوز أن تجتمع مع صفة المتعاقد العام مع الإدارة، أما عدم الكفاءة فهو كل فعل ينطوي على إخلالات واضحة في تنفيذ الأداءات محل العقد (حكم المحكمة الإدارية العليا السورية، رقم 418 في الطعن رقم 396، لسنة 1976، المجموعة، ص221).

ويقوم كل وزير بإصدار قرارات الحرمان من التعاقد مع الإدارة التابعة له، أما إذا كان القرار شاملاً للحرمان من التعاقد مع جميع الجهات العامة فيتحتم عندئذٍ أن يتم بقرار من رئيس مجلس الوزراء، بناءً على اقتراح الوزير المختص، وفي كل الحالات يجب تسبيب قرارات الحرمان. (الفقرة /أ/ من المادة 58 من القانون 51/2004).

ويجوز للوزير المختص ولرئيس مجلس الوزراء أن يسحبا قرار الحرمان بعد صدوره، ولكن لا يجوز أن يتم ذلك قبل مضي سنة واحدة على صدوره، علماً أنه لا يوجد في القانون السوري قرارات حرمان دائمة، كما هو الحال في بعض الأنظمة القانونية الأخرى، ذلك لأن المادة (58) من القانون 51/2004 تقضي بأن يكون الحرمان مؤقتاً، ولمدة لا تتجاوز خمس سنوات.

ويمارس القضاء الإداري في سورية رقابة على قرار الحرمان، فيراقب الانحراف في السلطة ووجود أسباب للقرار، والتكييف القانوني لهذه الأسباب الذي يصل إلى حد رقابة التناسب بين الأسباب التي بني عليها القرار (الأفعال المنسوبة للمتعهد)، والتدبير الصادر عن الإدارة (حرمان هذا المتعهد من ولوج باب مناقصات الدولة)، (حكم المحكمة الإدارية العليا السورية رقم 143 في الطعن 103، لسنة 1977، المجموعة، ص250).

ومن الملاحظ أنه إذا تم صدور قرار الحرمان بعد إرساء المناقصة على أحد المرشحين وقبل إعطاء أمر المباشرة فإنه لا يجوز للإدارة المضي في إبرام العقد مع المتعهد الذي صدر بحقه قرار حرمان مادام لم يبلغ أمر المباشرة، وإذا رأت الجهة المتعاقدة ضرورة لتنفيذ العقد وكان قرار الحرمان عاماً فيجب الحصول على استثناء من رئيس مجلس الوزراء من الحرمان (رأي الجمعية العمومية لمجلس الدولة السوري رقم 29 لعام 1999، الصادر في 8/6/1999، مجموعة المبادئ القانونية التي تضمنتها فتاوى الجمعية العمومية للقسم الاستشاري للأعوام من 1994 حتى 2000، ص 428).

ح ـ قيود ذات طبيعة اجتماعية واقتصادية وسياسية: وهذه الضوابط توجد في التشريعات المقارنة بنسبٍ متفاوتة، لأنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالظروف الخاصة بكل بلد على حدة، ومن قبيل القيود الاقتصادية تلك المتعلقة بالمركز الضريبي للعارض، حيث إن العارض الذي دأب على التحايل والغش في مجال حقوق الدولة الضريبية هو عارض في موقع شبهة، وليس من المنطقي أن تتورط الإدارة معه في مزيد من معاملاتها المالية، لذلك تنص بعض التشريعات على استبعاد كل من تثبت مخالفته لأحكام قانون الضرائب كما هو في فرنسا مثلاً.

ومثال القيود ذات الطبيعة الاجتماعية ما يجري عليه العمل القانوني في فرنسا من وجوب أن يقدم المتنافسون إقرارات مكتوبة تفيد أنهم نفذوا كل التزاماتهم تجاه التأمينات الاجتماعية، وذلك تحت طائلة استبعادهم من دائرة المنافسة.أما القيود ذات الطبيعة السياسية، فتجد أمثلتها في سورية، إذ إن الصراع مع إسرائيل التي اعتدت على حرمة الأراضي العربية عموماً والسورية خصوصاً، والتي لم تنفك عن مواصلة عدوانها الغاشم حتى الآن قد أدى إلى ضرورة مواجهة هذا العدو الشرس ليس بالأساليب العسكرية والسياسية فحسب، إنما بكل الوسائل، ومنها العقوبات الاقتصادية التي تعدّ المقاطعة الاقتصادية إحدى صورها، لذلك فإن البند 6 من الفقرة /أ/ من المادة (11) من القانون 51 لسنة 2004 قد اشترط فيمن يرغب في الاشتراك بالمناقصة ألا يملك أي مصنع أو مؤسسة أو مكتب فرعي في إسرائيل، وألا يكون مشتركاً في أي مؤسسة أو هيئة فيها، وأن لا يكون طرفاً في أي عقدٍ للصنع أو التجميع أو الترخيص أو المساعدة الفنية مع أي مؤسسة أو هيئة أو شخص في إسرائيل بشخصه أو عن طريق وسيط، وليس له أي إسهام في دعم إسرائيل، أو مجهودها الحربي، وتتشدد الجهات العامة في القطر في تطبيق هذا الشرط، بحيث إن كل مخالفة أو تقصير في هذا الشأن يحمل مرتكبه أقصى العقوبات، ويجري العمل في سورية على أن يقدم المرشح إقراراً يفيد أنه لا يتعامل بأي شكل كان مع إسرائيل تحت طائلة استبعاد العرض (بلاغ رئاسة مجلس الوزراء رقم 2/ب ـ 6/15 تاريخ3/1/1978).

4ـ إبرام العقد في إطار المناقصة العامة:

سوف يُدرس العرض باعتباره يجسد إيجاب العارض، ومعبراً عن إرادته في التعاقد مع الإدارة وفقاً للشروط الموضوعة، ومن ثم دراسة الإرساء وتوقيع العقد باعتبارهما يجسدان قبول الإدارة، وذلك كما يلي:

أ ـ الإيجاب ضمن إجراء المناقصة (العرض) La soumission:

العرض هو تعبير المتعهد العارض عن إرادته الجازمة في الاشتراك بالمناقصة، عن طريق تقديم البيانات اللازمة إلى جهة الإدارة، ولاسيما السعرية منها، وفقاً لأشكالٍ محددة، مما يرتب في ذمته التزاماً، مناطه التعهد بالبقاء على إيجابه فترة معينة، ويؤيد هذا الالتزام بإمكانية مصادرة التأمين المؤقت، من جانب الإدارة من دون الإخلال بحقها في التعويض إن كان له مقتضى.

ويلاحظ أن المشرع يضع دائماً هذا العرض ضمن إطارٍ شكلي يتناول كيفية تحديد مضمونه من جهة، والوعاء الذي يسكب منه هذا المضمون من جهةٍ أخرى، كذلك يمكن القول إجمالاً إنه إذا كان العرض تعبيراً عن إرادة المرشح للتعاقد مع الإدارة في جوهره، فإنه لا يظهر إلى حيز الوجود القانوني إلا ضمن إطارٍ ماديٍّ محدد.

فقد نصت المادة (14) من القانون 51 لسنة 2004 على وجوب تقديم العروض ضمن مغلفين مختومين، وعلى ضرورة أن يوضع هذان المغلفان في مغلفٍ ثالثٍ معنون باسم الجهة المحددة في الإعلان، ومكتوب عليه موضوع المناقصة، والتاريخ المحدد لإجرائها.

وقد حددت المادة (14) ذاتها محتوى المغلف الأول، بحيث يضم جميع الوثائق التي تبين الوضع المهني والكفاية الفنية والشرف المدني والأهلية القانونية والضمان المالي، وكذلك أشارت إلى محتويات المغلف الثاني الذي يضم الشق المالي للعرض مع جداول الأسعار الإفرادية والإجمالية، ولا يجوز أن يتضمن هذا الأخير أي تحفظات أو استثناءات أو نصوص تجيز فسخ العقد، أو تخالف القانون، أو نظام دفاتر الشروط.

وإضافة إلى ما تقدم فإن العرض يجب أن يكون مكتوباً، ولا يجوز أن يقدم شفاهاً بأي حال من الأحوال، تحت طائلة الرفض والبطلان المطلق.

ويجب أن يكون العرض موقعاً، وهذا ما كانت تشترطه المادة (17) ذاتها، وإذا كان موقعاً من جانب عدة أشخاص طبيعيين أو اعتباريين فإنه يلزم كل واحد من هؤلاء بالتضامن والتكافل تجاه الإدارة، وبالتالي فمن حق الإدارة أن تتعامل قانوناً مع أي من المتعهدين باعتباره ممثلاً لبقية الشركاء، ولها أن تقوم بتسديد الاستحقاقات المتعلقة بالتعهد إلى الشريك المفوض بالقبض والصرف (رأي مجلس الدولة السوري رقم 117 تاريخ 26/4/1978)، مع الإشارة إلى أن المادة (17) من المرسوم 228 الملغى كانت تنص على ذلك، إلا أن القانون الجديد (51/2004) لم يتضمن حكماً من هذا القبيل.

وإجمالاً يمكن القول إن العرض يعدّ من قبيل المحررات العرفية، ولكنه لا يخضع لقاعدة حرية المتعاقدين في كتابة المحررات العرفية التي تعدّ الأصل في نطاق المعاملات المدنية، لأن القانون يفرض كتابة بصيغة محددة غالباً، مما يعني أن العارضين لا يتمتعون بحرية واسعة في تنظيم العرض، وإنما فعاليتهم في ذلك تكون مقيدة بما يفرضه المشرع، وبما تنص عليه دفاتر الشروط.

ويقدم العرض في سورية ـ وفقاً للفقرة /أ/ من المادة (19) من القانون 51/2004 عن طريق وسيلتين:

(1) إما بالإيداع المباشر لدى الجهة المعنية بالمناقصة.

(2) وإما إرسالها بالبريد المضمون.

ويسجل كل عرض في ديوان الجهة الإدارية المعنية بالمناقصة، ويمنع على العارض الواحد أن يقدم أكثر من عرض، فإن قام بذلك فيتقيد بالعرض الأسبق بالتسجيل. (المادة 19 من القانون 51/2004)، وتحسب أسبقية التسجيل على أساس التاريخ، أما إذا قدم العرضان من قبل عارض واحد في تاريخ واحد فتحسب الأسبقية على أساس أرقام التسجيل في سجلات ديوان الإدارة صاحبة العلاقة. وقد أباح المشرع السوري العرض الذي يقدمه الوكيل بالعمولة (المادة 16 من القانون 51/2004).

ويجب أن تقدم العروض في التاريخ المحدد لها في الإعلان، ولا تفتح إلا العروض التي تصل إلى جهة الإدارة في الموعد المحدد لها، وهذا يعني أن المرشحين لا يمكن أن يودعوا عروضهم خارج نطاق مدة استلام العروض تلك، بل إذا ورد عرضٌ متأخر، وقامت الإدارة بقبوله وفتحه فإن ذلك من شأنه أن يلطخ المناقصة كلها باللامشروعية، وقد أكد المشرع السوري ذلك، حيث قضت الفقرة /ب/ من المادة (18) من القانون 51/ 2004 بوجوب رفض العرض في حال تقديمه بعد الوقت المحدد لتقديم العرض. وقد طبق القضاء الإداري السوري هذا المبدأ، وبين مسوغاته وأسبابه، حيث حكمت محكمة القضاء الإداري بما يلي «... إن الحكمة من إقفال باب المنافسة مع انتهاء مدة تقديم العروض، وعدم قبول أي عرض بعد انتهاء هذه المدة ولو كان أنسب العروض إنما تكمن في ضمان سرية المنافسة في الأسعار، والشروط التي تقدم بها كل من العارضين، إضافة إلى أنه مع انتهاء مدة تقديم العروض يتحدد مركز كل من أصحاب العروض بالنسبة للآخر، وبالنسبة للجهة الإدارية المقدم إليها العرض» (حكم محكمة القضاء الإداري السورية، رقم 346 ـ 155 لسنة 1976، مذكور عند صبحي سلوم في موسوعة العقود، ج1، المرجع السابق، ص 162).

وينجم عن تقديم العرض النتائج التالية:

(1) إن إيداع العرض من شأنه أن يحول مركز مقدمه إلى مركز المتعهد المرشح Le candidat، وبالتالي عرضه سوف يخضع لفحص السلطة المختصة بالنهوض بعبء عمليات المناقصة، فإن رأت هذه الأخيرة ـ بعد اطلاعها على الوثائق المطلوبة قانوناً ـ أنه قد استكمل الشروط المطلوبة لدخوله إلى المنافسة على العقد المراد إبرامه، فإنه يصبح في مركز جديد هو مركز المتنافس Concurrent، وبذلك فإن مركز المتعهد يتحول وفقاً لصيرورة العرض ضمن مجمل العملية التعاقدية.

(2) يلتزم المتعهد المرشح بالبقاء على إيجابه بعد تقديمه، وذلك طوال المدة المحددة لذلك، فلا يجوز له سحبه أو تعديله،

لذلك فإن الفقرة ب من المادة (19) من القانون 51/2004 قد حظرت «استعادة العروض أو إكمالها أو تعديلها بعد تسجيلها في ديوان الجهة الإدارية المعنية»، وتطبيقاً لذلك فقد أفتى مجلس الدولة السوري بعدم جواز قبول طلبات المتعهدين بشأن التخلي عن قسم من العرض الذي تقدموا به عند اشتراكهم في المناقصات، مع الإبقاء على ارتباطهم بالقسم الآخر من العرض نفسه (رأي مجلس الدولة السوري رقم 184 تاريخ 17/12/1979).

وقد استقر رأي الفقه الفرنسي والعربي على أن المصدر القانوني لالتزام العارض بالبقاء على إيجابه، وعدم سحبه، أو تعديله، إنما يتمثل في إرادته المنفردة.

وطبعاً، فإن التزام العارضين بالبقاء على عروضهم المقدمة من دون أي تعديلٍ أو سحب إنما يحدد بمدة معينة، إذا انقضت تحلل العارضون من إيجاباتهم المقدمة إلى الجهة الإدارية، ويعد العارضون ـ في كل الحالات ـ متحررين من عروضهم وغير ملتزمين بها مع حقهم باسترجاع التأمين المؤقت عندما يتم إرساء المناقصة على أحد المتنافسين.

وقد كان المشرع السوري منسجماً مع المبدأ الذي تبناه، المتعلق باتصال المدة المحددة لتسليم العروض مع بداية إجراءات المناقصة، بحيث تتم هذه الإجراءات في اليوم التالي لانتهاء مدة تسليم العروض (المادة 20 من القانون 51/2004)، لذلك فإنه لم ينص على مدة معينة يلتزم بها العارضون بعروضهم، إلا أنه حدد سقفاً زمنياً لا يمكن للإدارة أن تتجاوزه بالنسبة للمنافس الذي رست المناقصة عليه، بحيث يبقى ملتزماً بعرضه الذي تم الإرساء عليه إلى حين تدخل سلطة الاعتماد ضمن الفترة المحددة قانوناً لذلك.

ب ـ قبول الإدارة في نطاق المناقصة العامة (الإرساء والتوقيع):

بعد أن يعد المرشحون عروضهم، وبعد أن يرسلوها إلى جهة الإدارة المعنية بالمناقصة وفقاً للأوضاع والأشكال المحددة قانوناً، تقوم الإدارة بفحص هذه العروض للتأكد من مطابقتها للموجبات القانونية المطلوبة، ومن ثم تفاضل بينها في سبيل الوصول إلى العرض الأفضل الذي يجب التعاقد مع صاحبه، ويطلق على هذه العملية تسمية الإرساء.

وتتبع هذه الخطة خطوةٌ أخرى، وهي صدور قرار نهائي بالتعاقد، محله إبرام العقد وفقاً للمعطيات التي نجمت عن الإرساء، ويطلق على هذه الخطوة تسمية الاعتماد L’approbation، وتختص باتخاذ القرار النهائي بالتعاقد على المستوى المركزي وعلى المستوى اللامركزي سلطاتٌ حددها القانون، وقد سبق دراستها، أما القرارات المتعلقة بالإرساء فتختص بها سلطة ذات تكوين خاص، وسيتم دراستها فيما يلي:

(1) الإرساء L’attribution:

تنهض بمهام الإرساء سلطة إدارية تسمى لجنة المناقصة La commission de l’adjudication، وهي مختصةٌ على العموم بإدارة إجراءات المناقصة عن طريق قرارات إدارية تصدرها، أو أعمال تقوم بها، وهي بذلك تملك سلطات عامة تقتضيها هذه المهمة.

 وطبقاً للقانون 51/2004 تشكل لجنة المناقصات في سورية بقرار من آمر الصرف المختص (الوزير أو المدير العام)، وتتألف من ثلاثة أعضاء على الأقل، من بينهم محاسب الجهة العامة، أو المدير المالي، أو من العاملين تحت إشرافهما، ويجب أن يكون رئيس اللجنة من حملة الإجازة الجامعية على الأقل، ولا يجوز أن يكون آمر الصرف رئيساً للجنة، كما يمكن عند تشكيل هذه اللجنة ذاتها الاستعانة بمندوبين عن الجهات العامة ذات الصلة لمساعدة اللجنة على النهوض بأعبائها (المادة 12 من القانون51 لسنة 2004).

ويجب أن تنعقد اللجنة وفقاً للنصاب المقرر قانوناً، وبالتالي فإنه وفقاً للفقرة /ب/ من المادة (21) من القانون 51/2004 لا تعد جلسة المناقشة قانونية إلا إذا حضرها ثلاثة أعضاء على الأقل من بينهم رئيس اللجنة.

وتتخذ قرارات لجنة المناقصة بأكثرية أصوات الأعضاء الحاضرين، وفي حال تساوي الأصوات يرجح صوت الرئيس (الفقرة /أ/ من المادة 21 من القانون 51/2004).

وكذلك يسند إلى هذه اللجان غالباً مهمة الفصل في مجلس المناقصة ذاته بكل الاعتراضات التي يمكن أن يثيرها المتنافسون على القرارات المتخذة من هذه اللجان ذاتها بشأن عمليات المناقصة (الفقرة /ج/ من المادة (21) من القانون 51/2004).

وتقوم لجنة المناقصات أيضاً بأعمال مادية عينية مثل فض المغلفات والترقيم وقراءة العروض المقدمة بصوت مرتفع، وفرز العروض، وقد تفرد القانون المصري في هذا المجال، حيث أسند عبء القيام بهذه الأعمال المادية للجنة خاصة (لجنة فتح المظاريف)، وهذه اللجنة متميزة من اللجنة التي تملك اتخاذ مجمل القرارات المتعلقة بعمليات المناقصة (لجنة البت) (المادة 17 من اللائحة التنفيذية للقانون 89 لسنة 1998).

ولكن أهم الاختصاصات التي تتمتع بها لجنة البت على الإطلاق إنما تتمثل في قبول العارضين، وقبول العروض، وإرساء العقد على العرض الأفضل.

وقد مر أن العارضين عند إعدادهم لعروضهم يجب أن يضمنوا عروضهم كل الوثائق التي تثبت استيفاءهم للشروط المقررة قانوناً للاشتراك في المناقصات، وتقوم لجنة المناقصات بالتحقق من استيفاء هذه الشروط من جانب العارضين عن طريق تدقيق هذه الوثائق، فإذا ثبت لها أن أحد العارضين لم يستوفِ شرطاً مقرراً لدخوله إلى ساحة المنافسة وجب عليها عندئذٍ أن تستبعده بقرارٍ يتضمن هذا المعنى.

وإن النتيجة المترتبة على قبول العارضين تتمثل في انصراف اللجنة بعد ذلك إلى فتح المغلفات المحتوية على العروض المالية وفحصها، تمهيداً لإرساء المناقصة على العرض الأفضل.

وبعد فتح المغلفات التي تحتوي على الشق المالي للعرض فإن اللجنة تقوم بفحص العروض المالية المقدمة من العارضين المقبولين في المنافسة. وسلطة الإدارة في تفحص العروض لمعرفة فيما إذا قدمت وفقاً للقانون، ووفقاً لما تتطلبه دفاتر الشروط إنما هي سلطة مقيدة، وهذا يعني أن اللجنة يجب ألا تستبعد أي عرض مادام موافقاً للأوضاع القانونية، ومطابقاً لدفاتر الشروط، وهي ملتزمةٌ في الوقت نفسه برفض أي عرض مقدم على خلاف ما ينص عليه القانون، أو خلاف ما تتضمن دفاتر الشروط، وغير متطابق مع محل العقد المراد إبرامه.

ولا يمكن للجنة أن تستبعد العرض أياً كانت المخالفة التي تشوبه، لأن استبعاد العروض بسبب المخالفات البسيطة وغير المؤثرة من شأنه أن يمس مبدأ المنافسة الحرة، كما يمكن أن يؤدي إلى استبعاد عروض قد تكون في مصلحة الإدارة.

لذلك يفرق مجلس الدولة الفرنسي بين المخالفات الجوهرية والمخالفات غير الجوهرية في هذا المجال، وإن وجود مخالفات جوهرية في العرض هي التي يمكن أن تؤدي فقط إلى استبعاد العرض (R.P.122, Niclausse, 2-2-1933, C.E).

ويعد العرض المقترن بتحفظات Les réserves مشوباً بمخالفة جوهرية توجب استبعاده من جانب لجنة المناقصة، لأن ذلك يؤدي إلى المساس بمبدأ تلقائية الإرساء الذي يعتمد على عامل السعر وحده، والذي يمثل أيضاً المنطق الجوهري للمناقصة، فالسماح بتضمين العروض تحفظات معينة يعني وجود عامل أو عوامل أخرى إلى جانب السعر تؤدي دور المعيار لإرساء المناقصة من جهة، وترك هذه المعايير لتقدير العارضين من جهةٍ أخرى، وهذا ضد منطق المناقصة الذي يقوم على تماثل العروض في كل المعطيات ما عدا السعر. لذلك فإن الفقرة /د/ من المادة (18) من القانون 51/2004 لم تجز للجنة المناقصة قبول العروض التي تتضمن تحفظات، إلا إذا وافق العارض في بداية جلسة المناقصة، وقبل إعلان الأسعار على إلغاء تحفظاته، والتقيد بأحكام دفتر الشروط الخاصة، وثبت ذلك خطياً.

ويعدّ كسر الأسعار من أخطر المخالفات التي تحتويها العروض، وكسر الأسعار هو تعهد يقدمه العارض في عرضه، يتضمن استعداده لتخفيض نسبة مئوية معينة عن أقل سعرٍ مقدم، ومن دون شك فإن هذا التصرف يشوه المبادئ والمفاهيم التي تقوم عليها المناقصة، لأن مثل هذا التصرف يمكن أن يؤدي إلى حسم نتيجة المنافسة مبكراً ـ حتى قبل تقديم العروض ـ إذا انفرد أحد العارضين دون غيره بهذا التصرف. أما إذا قام به أغلب العارضين أو كلهم فإن المناقصات العامة سوف تتحول إلى ساحة حقيقية للفوضى والمساومات والتواطؤات.

لذلك كان موقف المشرع السوري صارماً في هذا المجال، حيث نصت الفقرة /هـ/ من المادة (26) من المرسوم التشريعي 228/1969 الملغى على ما يلي: «... لا يقبل أي كسر في الأسعار، في جميع مراحل المناقصة...». إلا أن القانون الجديد رقم 51/2004 قد جاء خالياً من حكم صريح في هذا المجال، وهذا نقص مهم، حبذا لو يتم تفاديه، إذ لابد من تحديد موقف القانون الواضح من الكسر. وإن كان الواقع العملي يسير نحو الاستمرار في تطبيق الحظر بناء على توجيه السلطات الوصائية.

ويترتب على قبول العرض من جانب اللجنة نتيجة مهمة، تتمثل في انتقال العارضين، من مركز المرشحين إلى مركز المتنافسين، وبذلك يتم الدخول في المرحلة الحاسمة للمناقصة، وهي مرحلة تحديد العرض الأفضل، وإرساء المناقصة.

وفي الحقيقة لا بد أن يستند إرساء المناقصة إلى معيار محدد، وهذا المعيار في نطاق العقود التي تبرم على أساس المناقصة هو السعر، وهو الذي يميز المناقصة من بقية الإجراءات الأخرى التي يتم من خلالها إبرام العقد الإداري.

وتستخدم في إرساء المناقصات العامة عدة تقنيات:

ـ فقد يتم إرساء المناقصة على أساس نسبة من التخفيض واقعة على السعر المقدم من جانب الإدارة، ويكون المتنافس الذي يجب الإرساء عليه في هذه الحالة هو المتنافس الذي قدم أعلى نسبة مئوية من التخفيض.

ـ أو أن يتم إرساء المناقصة على أساس الزيادة الأدنى: حيث تعد الإدارة في هذه الحالة أسعاراً مقترحة من قبلها على غرار الحالة السابقة، غير أنها تعمد في معرض بنائها للأسعار المقترحة أن تكون هذه الأسعار أدنى مما هو موجود في السوق، والمرشح الذي يقدم الزيادة الأقل على هذا السعر هو الذي يجب الإرساء على عرضه.

ـ أو قد يتم الإرساء على أساس عرض السعر: في هذه الحالة لا تقترح الإدارة سعراً من جانبها، بل تترك للمتنافسين حرية تقدير الأسعار التي يمكن أن يتقدموا بها إلى المناقصة، وعندئذٍ يتم الإرساء على العرض الذي يحتوي على السعر الأقل من بين هذه العروض.

وقد نصت الفقرة /ز/ من المادة (20) من القانون 51/2004 على أنه: «تصنف العروض المقبولة بترتيب أسعارها اعتباراً من الأدنى، ثم يعلن رئيس اللجنة اسم المتعهد المرشح الذي تقدم بالسعر الأدنى...».

وهذا معناه أن الإرساء واجبٌ في هذه الحالة على السعر الأقل، سواء أكان هذا السعر مساوياً أم أعلى أم أقل من السعر التقديري المقدم من قبل الإدارة بالاستناد إلى الاعتمادات المرصودة للعقد، وبأي نسبة كانت، كما أن إطلاق النص المذكور وعدم تقييده يعني إمكانية لجوء الإدارة إلى طريقة الإرساء على أساس التخفيض على السعر المقدم من الإدارة، أو على أساس الزيادة الأدنى، أو على أساس عرض السعر على حدٍّ سواء.

إلا أن المادة (22) من القانون 51/2004 تنص على أنه «... يحق للوزير في الإدارة المركزية، ولآمر الصرف المختص أن يحدد مسبقاً السعر الأعلى الذي يمكن قبوله بنتيجة المناقصة، ويوضع هذا السعر في مغلف مختوم بالشمع الأحمر، ويفتح في جلسة المناقصة من قبل اللجنة، ولا يعلن مضمونه على العارضين، فإذا لم تقدم عروض تعادل هذا السعر أو تقل عنه، تعتبر المناقصة فاشلة، إلا أنه يجوز للجنة أن تطلب من العارضين أسعاراً جديدة في مغلفات مختومة في الجلسة نفسها، ولا يجوز تكرار هذا الإجراء خلال الجلسة، وإذا كانت الأسعار الجديدة غير مساوية للأسعار المقدرة أو تزيد عنها بما يتجاوز 5% أعلنت اللجنة فشل المناقصة...».

وفي الحقيقة أن أسلوب الإرساء الذي أتت به المادة (22) سالفة الذكر قد جاء على سبيل الخصوص، بمعنى أن الأصل في الإرساء إن يتم كما حددته المادة (20) من المرسوم ذاته، ولكن يمكن للإدارة أن تلجأ إلى الأسلوب المحدد في المادة (22) بعد مراعاة الإجراءات الواجبة. وأول هذه الإجراءات مراعاة الشكلية الواردة في مطلع المادة (22) سالفة الذكر، بحيث يجب أن يوضع السعر في مغلف مختوم بالشمع الأحمر، وإن هذه الشكلية تعد من قبيل الشكليات الجوهرية التي يترتب على إغفالها بطلان المناقصة، وإضافة إلى ذلك يجب أن يوضع السعر السري من قبل آمر الصرف، وفي ذلك ـ من دون ريب ـ إسنادٌ للاختصاص في هذا المجال من القانون إلى شخصٍ محدد ضمن الإدارة، ويترتب على عدم مراعاته بطلان المناقصة أيضاً، لأن قواعد الاختصاص من النظام العام.

وكذلك يلاحظ أن القانون قد حدد في المادة (22) المذكورة حداً مالياً أعلى للإرساء، فلا يجوز أن تتجاوز قيمة العرض قيمة السعر السري + 5% منه، وإلا عدّ قرار لجنة المناقصات بالإرساء باطلاً لأنه يكون مشوباً عندئذٍ بعيب مخالفة القانون.

وعلى كل حال يكشف الواقع العملي للمناقصات في القطر أن العرف الإداري يطبق مبدأ الإرساء في المناقصة على أساس الضم والتنزيل، فيتم الإرساء على العرض الذي يقدم أعلى تنزيل على السعر التقديري المعلن من قبل الإدارة، وإنْ لم يقدم أي تنزيل على السعر المذكور فيتم الإرساء على العرض الذي يضم أدنى نسبة من الضم بشرط ألا تتجاوز 5% من السعر التقديري المقدم من الإدارة.

وقد يحدث أحياناً أن يتساوى أكثر من عرض في السعر الأدنى المقدم، في هذه الحالة يعالج الوضع وفقاً لما نصت عليه الفقرة /ج/ من المادة (20) من القانون 51/2004، التي تقضي في هذه الحالة بأن تجرى مناقصة جديدة بين من تعادلت أسعارهم في الجلسة نفسها، وبطريقة الظرف المختوم، وتتم مراعاة هذا الإجراء حتى يتم الإرساء، وبالتالي إذا لم تتبع الإدارة الإجراءات المحددة في الفقرة ح المذكورة من المادة (20) -المتمثلة في تنفيذ المناقصة الجديدة في جلسة المناقصة القديمة نفسها وتقديم العروض بطريقة الظرف المختوم- تكون المناقصة باطلة.

ولا يشترط أن يتم الإرساء على عرضٍ واحدٍ، إنما يمكن أن يتم الإرساء على عدة عروض، وذلك في حال تجزئة الأداءات التي تحتاج إليها الإدارة إلى أجزاء مختلفة، وطرحها ضمن مناقصة واحدة لتجري المنافسة على كل جزءٍ على حدة، مما ينجم عنه عدة حالات من الإرساء تقوم بها لجنة المناقصة في مجلسٍ واحد، وهذا يعني بدوره إمكانية إبرام عدة عقود عن طريق مناقصة واحدة لا عدة مناقصات.

وقد أخذ المشرع السوري بالنهج الذي تبنته العديد من التشريعات في هذا المجال، حيث نصت المادة (23) من القانون 51/2004على أنه «… يحق للإدارة تجزئة مواد المناقصة بين العارضين حسبما تراه ملائماً، بحيث تجري إحالة جزء على متعهد دون أن يحق له الاعتراض، شريطة أن ينص على ذلك في دفتر الشروط الخاصة …».

وإرساء المناقصة يكون ذا طابع إلزامي، وبالتالي فإن لجنة المناقصات لا تستطيع الامتناع عن الإرساء، حتى لو كان لديها مبرر مشروع لذلك.

ولكن هناك بعض الحالات الواقعية التي تمنع اللجنة من الإرساء، وهذه الحالات تؤكد مبدأ الإرساء الإلزامي ولا تشذ عنه:

ـ إذا لم يقدم للإدارة إلا عرضٌ وحيد: والعرض الوحيد هو ذلك العرض الذي بقي منفرداً في ساحة المنافسة، إما لأنه لم يُقدم غيره لأجل المنافسة على العقد، وإما لأنه أصبح كذلك بعد استبعاد باقي العروض التي تقدمت للمنافسة لعدم استيفائها للشروط.

ويعد العرض وحيداً وفقاً للقانون السوري إذا لم يتقدم للمناقصة إلا عارضٌ واحد، أو إذا كان العرض المقبول عرضاً واحداً، وعندئذٍ يتوجب على الإدارة إعادة المناقصة، والإعلان عنها مجدداً، فإذا أعيدت المناقصة على هذا النحو، ولم يتقدم في المناقصة الثانية إلا عارضٌ وحيد فإن الإدارة تملك سلطة تقديرية في قبول العرض الوحيد أو عدم قبوله (الفقرة /د/ من المادة (20) من القانون 51/2004).

ـ وكذلك يحق للجنة المناقصة ألا تقدم على الإرساء إذا كانت العروض المقدمة في المناقصة غير ملائمة، وتعد العروض كذلك إذا كانت قيمة العرض الأقل أعلى من الأسعار المقدرة من الإدارة، مما لا يظهر أي مصلحة للإدارة، أو إذا كانت هذه العروض أدنى بكثير من الأسعار المقررة من الإدارة مما يلقي عليها ظلالاً من عدم الجدية، الأمر الذي يخشى معه التوقف عن تنفيذ العقد فيما لو تم الإرساء على أحد هذه العروض المخفضة تخفيضاً مبالغاً فيه.

وبعد الانتهاء من أعمال إرساء المناقصة تقوم لجنة المناقصة بإعداد محضر تدون فيه وقائع جلسة المناقصة، بما فيها جميع الاعتراضات، ويوقع عليه جميع أعضاء لجنة المناقصة، والحاضرون من العارضين، ولا يعتد بامتناع المتعهد المرشح، وبقية العارضين عن التوقيع (الفقرة /هـ/ من المادة 21 من القانون 51/2004).

وعلى نحو عام يجب أن يحتوي محضر المناقصة على كل الأحداث التي حصلت في أثناء مجلس المناقصة، وكل تفاصيل عملية الإرساء والاعتراضات والاحتجاجات ضد قرارات اللجان المكلفة بعمليات المناقصة، كما يجب أن يدون في المحضر غياب من رست عليه المناقصة في حال حدوثه. ويعدّ محضر لجنة المناقصات محرراً رسمياً، ويتمتع بالحجة التي تتمتع بها المحررات الرسمية، مما يعني أنه لا يجوز إثبات عكسه إلا عن طريق الطعن بالتزوير.

ويترتب على إرساء المناقصة على أحد العارضين نتائج بالغة في الأهمية:

ـ يؤدي الإرساء إلى تحول مركز المتعهد الذي رست عليه المناقصة من مركز المتنافس إلى مركز المتعاقد المؤقت L’adjudicataire.

ـ يلتزم هذا المتعاقد المؤقت بالبقاء على إيجابه حتى صدور قرار اعتماد نتائج الإرساء، وتوقيع العقود من جانب السلطة المختصة، في حين يتحلل بقية المتنافسين من عطاءاتهم بحكم القانون.

ـ إن إرساء المناقصة على أحد العارضين لا يلزم الإدارة بأن تتعاقد مع المتعاقد المؤقت، ولكنه يلزمها بأن لا تتعاقد مع غيره.

(2) قرار إبرام العقد:

قرار إبرام العقد Décision de conclure du contrat هو القرار الذي يكون محله اعتماد نتائج الإرساء، وإبرام العقد، ويطلق عموماً على عملية تدخل السلطة المختصة باعتماد نتائج الإرساء وتسمية الاعتماد L’approbation، ولا يشترط أن يكون هذا القرار صريحاً، بل يمكن أن يكون ضمنياً (وهذا هو الوضع الغالب)، وهذا يعني أن التوقيع المادي للعقد من جانب السلطة المختصة بذلك يسبقه دائماً قرارٌ مفترضٌ بإبرام هذا العقد ذاته.

وتتمتع السلطة المختصة بإصدار قرار إبرام العقد بسلطة تقديرية في قبول اعتماد نتائج الإرساء أو رفضه، وذلك لأن المناقصة تهدف إلى إبرام عقد يتصل بدوره بتسيير مرفق عام، وإن مصلحة هذا المرفق لا يمكن أن تتحقق إذا كانت المناقصة سلسلة من العمليات المتتالية التي يكون اختصاص الإدارة فيها مقيداً، مما يوجب تمتع الإدارة بمكنة تقدير المقومات القانونية والفنية للشخص الذي يحتمل التعاقد معه، ولاسيما أن هذا الأخير يحمل صفة المعاون في تسيير المرفق العام. وإضافة إلى ذلك تقتضي مصلحة الإدارة وجود إمكانية اعتراض نهائي على ملاءمة العقد ذاته، فقد تتغير حاجات المرفق العام الذي يتصل به هذا العقد في أي لحظة من لحظات المناقصة، وبالتالي يصبح الالتزام بنتائج الإرساء متنافياً مع المصلحة العامة، كما أن المصلحة المالية للإدارة قد تكون متعارضة مع نتائج الإرساء، ذلك لأن مبدأ تلقائية الإرساء الذي تقوم عليه المناقصة قد يؤدي إلى كون السعر المقدم من جانب العارض أكثر بكثير من المعطيات الاقتصادية للسوق، وهذا يستلزم من الإدارة تدخلاً لاحقاً لإصلاح ما توصل إليه الإرساء التلقائي على السعر الأقل من نتائج غير معقولة أو غير عادلة.

وقد تبنى المشرع السوري صراحة مبدأ السلطة التقديرية في إصدار قرار إبرام العقد، حيث نصت الفقرة /أ/ من المادة (24) من القانون 51/ 2004 صراحة على وجوب تصديق محضر المناقصة من آمر الصرف المختص، والذي يحق له إلغاء نتائج المناقصة لأسباب مبررة خطياً.

وإذا كان للإدارة سلطة تقديرية في نطاق قرارها قبول إبرام العقد أو رفضه، فإن هذه السلطة يجب ألا تتعدى ناحية التعديل في قرار لجان المناقصات التي تتضمن نتائج الإرساء أو إصلاحها؛ لأن التعديل في نتائج الإرساء التي توصلت إليها اللجان قدْ يؤدي إلى إحلال متعاقد مؤقت محل آخر، أو إلى التغيير في الأسعار التي تم إرساء المناقصة على أساسها، وهذا من دون شك يمثل تجاوزاً خطيراً لمبدأ تلقائية الإرساء، الذي يعدّ جوهر المناقصة.

وقد قنن المشرع السوري مبدأ عدم جواز تعديل نتائج الأسعار حيث حظرت الفقرة /أ/ من المادة (24) من القانون 51/2004على آمر الصرف أن يقوم بتعديل النتيجة التي توصلت إليها لجنة المناقصة.

ولصدور قرار إبرام العقد نتائج مهمة، إذ يؤدي صدور هذا القرار إلى إنشاء العلاقة العقدية.

وقد عبر مجلس الدولة الفرنسي عن ذلك بوضوح، حيث قرر أن الرابطة العقدية بين أطرافها لا يمكن أن تنشأ قبل توقيع العقد.

وإذا كانت الرابطة العقدية لا تتم إلا بعد صدور قرار إبرام العقد من جانب السلطة المختصة فإن التزامات الأفراد والإدارة لا تبدأ في ميعاد واحد، إذ يلتزم المتعاقد المؤقت بالبقاء على إيجابه من لحظة إرساء المناقصة عليه، حتى تدخل السلطة المختصة، وإصدارها لقرار إبرام العقد، وهذا الالتزام -كما هو الحال بالنسبة لمرحلة ما قبل الإرساء- مصدره الإرادة المنفردة للمتنافس الذي رست المناقصة عليه.

وقد أقر المشرع السوري نصاً خاصاً بيًّن فيه المدة التي يجب أن يبقى المتعاقد المؤقت مرتبطاً بإيجابه خلالها، وهذه المدة هي تلك المحددة في دفتر الشروط أو الإعلان أو العرض، ويحق لهذا المتعاقد المؤقت أن يتحلل من عقده خلال سبعة أيام تبدأ من اليوم التالي لانتهاء المدة المذكورة، وذلك بكتاب خطي يتضمن هذا المعنى يسجل في ديوان الإدارة التي أجرت المناقصة، فإذا لم يقم المتعاقد المؤقت بهذا التنازل الصريح عن عرضه، فإن ارتباطه بعقده يتجدد حكماً مدة أخرى، على ألا تزيد مدة ارتباط المتعاقد المؤقت بعرضه على ستة أشهر (المادة 25 من القانون 51/2004).

ولكن يمكن أن يؤخذ في الحسبان وجود استحالة مطلقة من شأنها أن تمنع المتعاقد المؤقت من الكتابة للإدارة، ليعلمها برغبته في التخلي عن ارتباطه بعرضه (رأي مجلس الدولة السوري رقم /63/ لسنة 1974).

وتطبيقاً لذلك ذهب القضاء الإداري في سورية إلى أحقية المتعاقد المؤقت في التخلي عن عرضه، مع انتهاء المدة المحددة في دفتر الشروط الخاصة للمناقصة، مع وجوب رد التأمينات المؤقتة إليه مع الفائدة القانونية (حكم المحكمة الإدارية العليا السورية رقم 329 في الطعن 439 لسنة 1976، مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا لسنة 1976، ص 188).

ولا ينبغي أن يضار المتعاقد المؤقت من نتائج انسحابه، وبالتالي يجب أن يرد إليه ما قد تجشمه من نفقات ما كان لينفقها لو أن عقداً لم يبرم بينه وبين الإدارة.

(حكم المحكمة الإدارية العليا السورية رقم /4/ في الطعن 9 ـ 10 لسنة 1972، مذكور عند سلوم، موسوعة العقود، المرجع السابق، ج1، ص243).

ومع مراعاة حق الإدارة في تعديل العقد بإرادتها المنفردة حين توافر شروطه فإنها لا تستطيع أن تعدل في شروط العقد بعد صدور قرار إبرام العقد إلا باتفاق مع متعاقدها (على شكل ملاحق عقود)، كما لا يمكنها أن تتفرد في شرح شروط العقد وتفسيرها، لأن تلك المهمة ينفرد بها القاضي الإداري الذي يستخلص عندئذٍ النية المشتركة للمتعاقدين، وفقاً لقواعد التفسير المعروفة في القانون المدني.

وبعد صدور قرار العقد يجري تبليغ أمر المباشرة، وأمر المباشرة مستندٌ خطي، يتم بواسطته إعلام الشخص الذي رست عليه المناقصة بقرار إبرام العقد معه، وبضرورة البدء في تنفيذ العقد. ولأمر المباشرة شأن مهم في التشريع السوري، إذ نصت الفقرة /أ/ من المادة (24) من القانون 51/2004 على وجوب تصديق محضر المناقصة من جانب آمر الصرف المختص، لتعرض المناقصة بعد ذلك على المراجع المختصة للنظر فيها وفق القوانين والأنظمة، على ألا يعدّ المتعهد المرشح متعهداً إلا عند استكمال إجراءات التصديق وتبليغه أمر المباشرة، وللإدارة العدول عن تنفيذ موضوع المناقصة في أي وقت قبل تبليغ أمر المباشرة، ومن دون أن يكون له الحق في أي تعويض. وفي الحقيقة إن أحكام المادة 24 سالفة الذكر تقر أن العقد لا يبرم إلا عند تبليغ المتعهد المرشح أمر المباشرة، بل تعطي للإدارة الحق في العدول عن التعاقد في أي وقت، من دون أن يحق للطرف الآخر المطالبة بأي تعويض، وعلى هذا الأساس فإن المشرع السوري في القانون 51/2004 يكون قد تبنى نظرية العلم بالقبول، التي تبناها القانون المدني المصري، مخالفاً بذلك القانون المدني السوري الذي أخذ بنظرية إعلان القبول، وإضافة إلى ذلك فإن إعطاء الإدارة إمكانية العدول في أي وقت عن العملية التعاقدية، ومن دون أن يطالب المتعاقد المؤقت بأي حق في التعويض، يظهر موقفاً مبالغاً فيه، ولا ينسجم مع الريعية الاقتصادية التي ينتظرها الأفراد من عقودهم مع الإدارة، كما ينطوي في الوقت نفسه على مبالغة في إبراز عنصر السلطة العامة في العلاقات التعاقدية.

ويجري تبليغ أمر المباشرة إلى المتعهد في موطنه المختار، ويعدّ الموطن المذكور ملزماً للعارض ولو انتقل منه إلى غيره ما لم يبلغ الإدارة خطياً موطنه المختار الجديد في البلدة نفسها، وإلا تعدّ كل التبليغات المرسلة إلى موطنه المختار الأول صحيحة حكماً (الفقرتان /أ وج/ من المادة 15 من القانون 51/2004.).

ويجب أن يكون الموطن المختار في الجمهورية العربية السورية حصراً، ولو كان المتعهد من الشركات المقيمة خارج القطر، ويجب أن يعين الموقع المختار للمتعهد بصورة دقيقة وواضحة ويشمل ذكر اسم المدينة والحي والشارع ورقم البناء، وغير ذلك من المعلومات الضرورية، ولا يجوز تعيين الموطن المختار في مقر إحدى السفارات أو أحد صناديق البريد أو رقم الهاتف (بلاغ رئاسة مجلس الوزراء رقم 165/ب ـ 5212/15 تاريخ24/12/1978).

ثالثاًـ أساليب التعاقد القائمة على السلطة التقديرية:

إلى جانب أسلوب الإبرام القائم على أساس السلطة المقيدة للإدارة هناك أساليب أخرى تقوم على أساس السلطة التقديرية. ومن هذه الأساليب ما يعطي مجالاً للإدارة لاختيار العرض الأفضل على أساس عدة معايير موضوعة مسبقاً وهو طلب العروض، ومنها ما يترك لها إمكانية اختيار المتعاقد بعد التفاوض المباشر معه، وهذا هو أسلوب التعاقد عن طريق التفاوض، أو ما يطلق عليه في سورية تسمية التعاقد بالتراضي:

1ـ طلب العروض:

أ ـ تعريفه: طلب العروض L’appel d’offer هو أسلوب لإبرام العقد الإداري، يستند إلى المنافسة والعلانية، ويعطي للإدارة مساحة واسعة من السلطة التقديرية؛ لأن الإرساء فيها يتم بناء على عدد من المعايير لا يخضع لحصر، على خلاف أسلوب المناقصة الذي يخضع لمعيار السعر فقط.

وإن استعمال هذا الأسلوب لإبرام العقود الإدارية إنما يهدف إلى التعاقد مع المرشح الذي يقدم العرض الأفضل من الناحيتين الاقتصادية والفنية، مع حظر كل تفاوض مع المرشحين، مما يؤدي بالضرورة إلى الانفتاح على مجالات جديدة للتكنولوجيا والمنتجات، وإلى ضبط الأسعار وفقاً لمقتضيات المنافسة الحقيقية.

 ب ـ الموجبات القانونية لطلب العروض: كما هو الحال بالنسبة للمناقصة، فإن طلب العروض يقوم على العلانية والمنافسة، وهو ما أكدته المادة (28) من القانون 51/2004 والتي قضت بأن يطبق على الشراء بطريق طلب العروض الأحكام المطبقة على الشراء بالمناقصة، ما عدا ما ورد فيه نصٌ خاص بالشراء عن طريق طلب العروض، ومعنى ذلك أن الأحكام المتعلقة بالعلانية والمنافسة الحرة المقررة للمناقصة تطبق بذاتها عند اللجوء إلى طلب العروض.

ج ـ تبادل الإيجاب والقبول وإبرام العقد ضمن إجراء طلب العروض: إن الإيجاب في نطاق طلب العروض يصدر ضمن قالب شكلي هو العرض، وإذا كان هذا المبدأ مشتركاً بين المناقصة وطلب العروض فإن تطبيقه في نطاق طلب العروض مختلف عما هو معروفٌ بالنسبة للمناقصة، حيث يجب أن تقدم العروض في ثلاثة مغلفات داخلية يضمها مغلف خارجي كلي رابع، ويحتوي المغلف الأول على الأوراق الثبوتية، والثاني على الشق الفني للعرض، والثالث على الشق المالي منه، وإن لهذا التقسيم أهمية ليس على المستوى الشكلي للعرض فحسب، وإنما على مستوى توزيع الاختصاصات بين اللجان المكلفة باختيار العرض الأكثر ملاءمةً للإدارة.

و يجب أن يكون العرض مكتوباً وموقعاً، وإلا كان مقدماً على نحو غير مشروع، ويجب استبعاده. وترسل العروض إلى الإدارة بالطرق التي حددها القانون، وهي طرق إيداع العروض ذاتها في المناقصة وفقاً للمادة (28) من القانون 51/2004 في سورية، ولا يعتد بالعرض المتأخر، وفور تقديم العرض يلتزم العارض بالبقاء عليه طوال مدة سريان العروض فلا يحق له سحبه أو تعديله، كما هو الحال في نطاق المناقصة تماماً.

وتختص بعبء الاضطلاع بإجراءات طلب العروض في سورية لجنتان، الأولى هي لجنة المناقصات والثانية هي اللجنة الفنية، إذ إنه بعد انتهاء مدة تقديم العروض تجتمع لجنة المناقصات في جلسة سرية، بتشكيلها ذاته المدروس سابقاً (المادة 12 من القانون 51/2004)، وتقوم بفض المغلف الأول المحتوي على الأوراق الثبوتية والتأمينات، وتستبعد العروض التي لا تستوفي الشروط، ومن ثم تحيل العروض التي تم قبولها إلى اللجنة الفنية (الفقرتان /أ وب/ من المادة 31 من القانون 51/2004) التي تشكل بقرار من آمر الصرف المختص، من أعضاء فنيين بالدرجة الأولى، ولكن يمكن مشاركة عناصر مالية وقانونية في أعمالها، مع الإشارة إلى أن القانون يمنح الوزير المختص إمكانية اعتماد مكتب خبرة استشاري لتولي هذه اللجنة ولو كان خارجياً (الفقرة /ب/ من المادة /31/ من القانون 51/2004).

وبعد إحالة العروض على اللجنة الفنية تقوم هذه اللجنة بفض المغلفات المحتوية على الشروط والمواصفات الفنية، وتبقى المغلفات المحتوية على الأسعار مغلقة إلى حين انتهاء اللجنة الفنية من دراسة العروض وتقييمها بصورة نهائية استناداً إلى الأسس المعتمدة من جانب الإدارة، وعلى أن تدون نتائج هذا التقييم في محضر يوقع من قبل جميع أعضاء اللجنة.

وبعد الانتهاء من هذه الخطوة تقوم لجنة المناقصات بالخطوة التالية المتمثلة في فض المغلفات المحتوية على الأسعار، وتحال العروض المالية بعدئذٍ إلى اللجنة الفنية لتقوم بتفريغ الأسعار في جداول تمهيداً لمقارنتها في ضوء التقييم الفني الذي تم التوصل إليه بعد فض المغلفات الفنية، مع ملاحظة أنه لا يجوز مطلقاً التغيير في التقدير الفني بعد فض المغلفات المحتوية على الأسعار، وكل خطوة من هذا القبيل تستوجب المسؤولية (المادة 31 من القانون 51/2004).

وبعد ذلك ترفع اللجنة الفنية تقريراً إلى لجنة المناقصات التي تختار ـ بناء على معطيات هذا التقرير ـ العرض الأكثر ملاءمةً للإدارة.

د ـ مفهوم العرض الأكثر ملاءمة، وإبرام العقد: يتم اختيار العرض الأكثر ملاءمة بالنسبة للإدارة بناءً على مجموعة من المعايير المحددة مسبقاً تسمى معايير الإسناد Critères d’attribution التي من شأنها أن تقود إلى الحصول على أفضل تلبية اقتصادية لحاجة الإدارة.

وقد فرضت الفقرة /ج/ من المادة (31) من القانون 51/2004 على اللجنة الفنية أن تجري المقارنة بين العروض المختلفة على أساس: «... الأسعار المعروضة، وكلفة الاستعمال، والقيمة الفنية، وضمانات الصنع، والضمانة المالية المقدمة من كل عارض، ومدة التنفيذ، وشروط الدفع، وغير ذلك...» ويلاحظ من صياغة هذه المادة أن هذه المعايير التي حددتها الفقرة /ج/ من المادة (31) سالفة الذكر إنما هي معايير اختيارية، حيث يمكن للإدارة أن تستبعد أياً منها، وأن تضيف أخرى لم تعددها الفقرة /ج/ من المادة (31) المذكورة، كما يلاحظ أن المشرع لم يحدد شروطاً للمعايير التي يمكن أن تعتمدها الإدارة في التقييم خارج نطاق المعايير التي وردت في الفقرة /ج/ من المادة (31) المذكورة أعلاه، بخلاف المشرع الفرنسي الذي اشترط أن تذكر هذه المعايير في دفاتر الشروط الخاصة، وأن تكون متصلة اتصالاً وثيقاً بمحل العقد، وتبررها شروط تنفيذه.

وعلى كل حال فإن هذه الأسس توضع من قبل لجنة فنية مختصة يحددها آمر الصرف على نحو مسبق على عمل لجنة المناقصات واللجنة الفنية، ويجب أن تبقى هذه المعايير المذكورة محفوظة ضمن مغلفٍ مغلق إلى أن يعرض أمر التقييم على اللجنة الفنية فيفض المغلف المذكور، ويجري التقييم استناداً إلى المعايير الموضوعة.

وعند قيام اللجنة الفنية بالتقييم فإنها لا يمكن أن تتفاوض بتاتاً مع العارضين، ولا أن تتصل بهم بأي شكلٍ كان، وذلك حفاظاً على المساواة بين المتنافسين، ولكي لا يكون التقييم خاضعاً لمؤثرات أخرى غير متعلقة بالمعايير المعتمدة للتقييم.

إلا أن المشرع السوري وضع استثناء على هذه القاعدة في المادة (31) من القانون 51/2004، حيث يحق للإدارة قبول إيضاحات من العارضين، كما لها قبول تصحيح عروضهم لمصلحة الإدارة، ولكن هذه المادة نفسها قد علقت ممارسة الإدارة لهذا الحق على شرطين هما:

«(1) أن يفسح المجال للعارضين جميعاً لتصحيح أو تعديل عروضهم أيضاً، وذلك ضمن المدة المحددة لذلك، والمبينة في الإشعار المقدم إليهم من جانب الإدارة.

(2) إعطاء جميع العارضين الإيضاحات الكافية التي من الممكن أن تساعدهم على تقديم مقترحات جديدة، وذلك وفقاً للشكل والمواصفات التي تلبي رغبة الإدارة، وتؤمن تكافؤ الفرص بين العارضين».

ويجب أن تجري المقارنة وفقاً لتسلسل المعايير المعلن عنها، فلا يعطى تغليب مطلب لمعيار ما على بقية المعايير، ولاسيما معيار السعر، وذلك لأن القيمة الحقيقية La valeur véritable لا تتحدد إلا في ضوء تفاعل كل المعايير المعتمدة للتقييم، مما يعني أن الإرساء يتم على العارض الأفضل Le mieux - disant وليس على العارض الذي تقدم بالسعر الأقل Le moins disant كما هو الحال في المناقصة.

وهذا الإسناد إلى العارض الذي تقدم بالعرض الأفضل يكون نهائياً ولا رجعة فيه، ويبرر ذلك باستنفاذ السلطة المختصة بالإرساء لاختصاصها بعد قيامها باختيار أحد العروض، وبناءً عليه فإن عودتها إلى المقارنة بين العروض مجدداً، وانتقاء عرض آخر غير ذلك الذي تم اختياره في المرة الأولى يعدّ تصرفاً غير مشروع.

وبعد اختيار العرض الأكثر ملاءمة على النحو السابق بيانه فإن صاحب هذا العرض يصبح متعاقداً مؤقتاً، ويجب أن يبقى على إيجابه حتى تدخل السلطة المختصة بالتوقيع، وإصدار قرارها بإبرام العقد، وذلك خلال الفترة المحددة في دفاتر الشروط الخاصة.

وعند قيام السلطة المختصة بإصدار قرار الإبرام تقوم الرابطة العقدية بين الطرفين، ويتحول مركز العارض الذي تم الإرساء عليه من مركز المتعاقد المؤقت إلى مركز المتعاقد مع الإدارة، وإن عدول الإدارة عن تنفيذ العقد معه بعد ذلك يؤدي إلى ترتب مسؤوليتها التعاقدية.

إلا أن الرابطة العقدية وفقاً للقانون السوري لا تقوم بمجرد صدور قرار توقيع العقد، إنما لا بد من تبليغ المتعاقد المؤقت أمر المباشرة، كما هو الحال تماماً في المناقصة.

رابعاًـ إبرام العقود بناءً على التفاوض

يعد العقد المفاوَض عليه Le contrat négocié أحد أساليب إبرام العقود الإدارية، التي تعطي الإدارة مساحة واسعة من السلطة التقديرية، لأن العقد يبرم في هذه الحالة على أساس المناقشة والتفاوض الحر بين الإدارة والمرشحين الذين يمكن أن ينفذوا العقد المراد إبرامه.

ويطلق على هذا الأسلوب تسمية (التعاقد بالتراضي) في سورية، وقد ورد هذا المصطلح أول مرة في سورية في القرار رقم 124 المؤرخ في 15/2/1922 المتعلق بالتعليمات الخاصة بالمناقصات والمقاولات. وحافظ عليه المشرع في قوانين العقود المتعاقبة.

وأسلوب التعاقد بالتراضي ذو طابعٍ استثنائي، إذ لا يجوز اللجوء إليه إلا في حالات معينة حدودها القانون، ومن ثم فإن استخدام هذا الأسلوب من دون توافر أسبابه التي حصرها القانون من شأنه أن يجعل العقد المبرم باطلاً (رأي مجلس الدولة رقم 500 لسنة 1975).

وقد أناط المشرع إمكانية تقدير الأحوال التي يجوز اللجوء فيها إلى أسلوب (التعاقد بالتراضي) بآمر الصرف المختص (الوزير، المدير العام)، وتتجسد هذه الحالات فيما يلي:

يمكن للإدارة أن تلجأ إلى التعاقد بالتراضي عندما تكون الأداءات المطلوبة محصوراً بيعها أو اقتناؤها أو الاتجار بها أو استيرادها بشخص معين، أو شركة معينة، أو عندما تقتضي الضرورة شراءها في أماكن إنتاجها (البند 1 من الفقرة /أ/ من المادة (39) من القانون 51/2004.)

عندما تكون المواد أو الخدمات أو الأشغال المطلوبة تستهدف القيام بأبحاث أو تجارب، مما يتطلب اتباع أسلوب معين في التنفيذ بعيداً عن الأسلوب المعتاد، وفي هذه الحالة يجوز للإدارة أن تلجأ إلى التعاقد بالتراضي لأن التجارب والأبحاث سالفة الذكر تكون إحد الأساليب اللازمة لتنفيذ الأداءات العقدية (البند 3 من الفقرة /أ/ من المادة 39 من القانون51/2004).

ويجوز اللجوء إلى التعاقد بالتراضي أيضاً عندما توجد أسباب مهمة تتعلق بالمصلحة العامة، تستوجب قيام متعهد معين بتقديم الأداءات المطلوبة من توريدات أو خدمات أو أشغال. وهذه الأسباب المتعلقة بالمصلحة العامة إما أن تكون ذات طابع فني أو مالي، وإما أن تكون ذات طابع عسكري، وذلك حين يكون تقديم الأداءات لمصلحة القوات المسلحة، أو بهدف تأمين أغراض عسكرية يتعذر تحقيقها بطرق الشراء الأخرى. (البند 2 من الفقرة /أ/ من المادة 39 من القانون 51/2004).

ويحق للإدارة اللجوء إلى التعاقد بالتراضي لإبرام عقد شراء العقارات عندما لا يكون هناك نفع عام يجيز استملاكها (البند 4 من الفقرة /أ/ من المادة39 من القانون 51/2004).

أو لإبرام عقود استئجار العقارات (البند 5 من الفقرة /أ/ من المادة 39 من القانون 51/2004)، أو لإبرام عقود الشحن وعقود التأمين على البضائع المشحونة (البند 7 من الفقرة /أ/ من المادة 39 من القانون 51/2004.).

ويمكن للإدارة أن تستخدم أسلوب التعاقد بالتراضي عندما تكون الأداءات المطلوبة قد طرحت في مناقصة أو طلب عروض بحسب الأصول، ولم يتقدم إليها أحد من العارضين، أو قدمت فيها عروض غير ملائمة (البند 6 من الفقرة /أ/ من المادة 39 من القانون 51/2004)، وقد قيدت هذه الحالة من جانب مجلس الدولة بقيدين:

أ ـ حيث لا يجوز للإدارة أن تلجأ إلى التعاقد بالتراضي بعد فشل المناقصة أو طلب العروض، إلا ضمن الشروط والمواصفات التي حددت في وثائق إجراء المناقصة أو طلب العروض السابقين، وبالتالي إذا أجرت الإدارة تعديلات على هذه الشروط فإنها يجب أن تلجأ إلى المناقصة أو طلب العروض مرة أخرى (بحسب الحال).

ب ـ لا يكفي أن تفشل المناقصة أو طلب العروض مرة واحدة لكي تستطيع الإدارة اللجوء إلى التعاقد بالتراضي، بل لابد أن يتم الإعلان عن المناقصة أو طلب العروض (بحسب الحال) مرتين متتاليتين قبل تقرير اللجوء إلى التعاقد بالتراضي (رأي الجمعية العمومية رقم 50 لسنة 1975، سلوم، ج2، ص. 257، وراجع في هذا الشأن أيضاً: بلاغ وزارة المالية رقم 34/ت. ع. تاريخ 26/8/1978)، وقد أكد البند 6 من الفقرة /أ/ من المادة (39) من القانون 51/2004 هذين القيدين.

ويتم اللجوء إلى أسلوب التعاقد بالتراضي بسبب وجود ملابسات وظروف تتعلق بتنفيذ العقد وذلك يتحقق:

أ ـ عندما يكون تنفيذ الأشغال أو إنجاز الخدمات أو تقديم المواد استكمالاً لمشروع معين قيد التنفيذ بتعهد سابق، إذا كانت هناك ضرورات فنية وواقعية تستدعي استمرار المتعهد الذي ينفذ الأداءات الأولى في القيام بتنفيذ الأداءات الجديدة (البند 11 من الفقرة /أ/ المادة 39 من القانون 51/2004)، ويتم التعاقد الجديد في هذه الحالة على الأداءات التكميلية على أساس ملحق للعقد السابق (الفقرة /د/ من المادة 39 من القانون 51/2004).

وعند إبرام ملحق العقد لا بدَّ من التثبت من أن هناك أسباباً فنية أو مالية استدعت عدم لحظ الأشغال الجديدة في العقد الأساسي، وأن يكون نطاق الأشغال الجديدة مدروساً بالدقة الكافية، حتى لا يحتاج تنفيذها إلى ملاحق أخرى، ولا بد من وضع تحليل للأسعار الملائمة للإدارة بالاتفاق مع المتعهد، ويجب عدم المباشرة في تنفيذ الملحق إلا بعد استكمال إجراءات تصديقه من جميع المراجع المختصة بحسب الأصول (بلاغ رئاسة مجلس الوزراء رقم 12/ب ـ 132/15 تاريخ 14/1/1979).

ب ـ وكذلك يحق للإدارة أن تسلك طريق التعاقد بالتراضي لظروف وملابسات تتعلق بتنفيذ العقد، عندما يكون تقديم المواد أو إنجاز الخدمات أو تنفيذ الأشغال في سبيل تنفيذ الأشغال بالأمانة. وتنفيذ الأشغال بالأمانة هو أسلوب استثنائي جداً لتنفيذ الأشغال العامة، ويقوم على أساس نهوض الإدارة ذاتها وعلى نفقتها ومسؤوليتها، وبما لها من إمكاناتٍ بشرية ومادية بعبء عمليات إنجاز الأشغال الضرورية (الفقرة /أ/ من المادة 44 من القانون 51/2004 وراجع بلاغ وزارة المالية رقم 21/ب. ع، 125/21 تاريخ 4/8/1990).

وتطبق الإدارة هذا الأسلوب تحقيقاً لمصلحة الإدارة أو بسبب وجود حالة استعجال، أو لاستحالة تنفيذ الأشغال بواسطة متعهدين (الفقرة /أ/ المادة 44 من القانون 51/2004).

ويجب في حال اللجوء إلى تنفيذ الأشغال بالأمانة صدور قرار من الوزير المختص يجيز تنفيذ الأشغال بهذا الأسلوب (الفقرة /ب/ المادة 44 من القانون 51/2004).

ويعد هذا القرار منطوياً على إذن ضمني باستخدام كل الأساليب القانونية في سبيل تنفيذ الأشغال المطلوبة، ومن بين هذه الأساليب (التعاقد بالتراضي) لتأمين مشتريات ضرورية لحسن تنفيذ هذه الأشغال، أو لتأمين تنفيذ أشغال ثانوية لإكمال الأشغال الأساسية (المادة 45 من القانون 51/2004)، وبذلك فإن الإدارة تملك مطلق الحرية عندما تلجأ إلى التنفيذ الذاتي في اللجوء إلى التعاقد بالتراضي، لتأمين توريدات أو خدمات أو أشغال تكميلية لازمة للأشغال الأصلية قيد التنفيذ الذاتي.

ويحق للإدارة اللجوء إلى التعاقد بالتراضي في الحالات التي تستوجب سرعة مبررة، أي في حالات الاستعجال التي لا تناسب تقديم المواد أو إنجاز الخدمات أو تنفيذ الأشغال، عن طريق الأساليب الأخرى.

ويجوز اللجوء إلى الأسلوب المذكور أيضاً إذا تعاقدت الإدارة مع إحدى الشركات العامة التابعة لإحدى الجهات العامة. ومن دون شك، فإن المشرع السوري قد وضع هذا الاستثناء لاتقاء الشبهات التي تشوب إبرام العقود عن طريق التراضي عادة، والتي توجد فيما لو تم التعاقد بهذا الأسلوب مع أحد أشخاص القانون الخاص.

ويتم اللجوء إلى التعاقد بالتراضي خارج نطاق الحالات الحصرية التي نص عليها المشرع والتي هي من اختصاص آمر الصرف، وذلك إذا وافق الوزير المختص على ذلك، بناء على مذكرة تبريرية ترفع إليه.

وإضافة إلى أسلوب (التعاقد بالتراضي) فإنه يوجد في سورية أسلوب آخر للأسلوب القائم على التفاوض، هو الشراء المباشر الذي تقوم الجهة الإدارية بموجبه بتأمين احتياجاتها عن طريق لجنة المبايعات الوحيدة لديها المشكلة بقرار من آمر الصرف، ولا ينظم محرر خطي يتضمن الحقوق والالتزامات في هذه الحالة، إنما تصفى المستحقات المالية للمتعهد بناءً على الفواتير التي يقدمها. وهذا الأسلوب ذو طابع استثنائي أيضاً، إذ لا يمكن اللجوء إليه إلا في ثلاث حالات حددها القانون على سبيل الحصر:

أ ـ إذا كانت الاحتياجات المطلوب تأمينها تستند إلى تعرفة رسمية.

ب ـ إذا كان الشراء سيتم من إحدى الجهات العامة المنتجة لها، أو المحصور بها بيعها أو توزيعها أو تقديم خدماتها.

ج ـ إذا كانت الصفقة الواحدة الناجمة عن العملية التعاقدية لا تتجاوز مئة ألف ليرة سورية، مع جواز رفع هذا السقف إلى ثلاثمئة ألف ليرة سورية بموافقة الوزير المختص، وبالنسبة لكل حالة على حدة.

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ سليمان الطماوي، الأسس العامة للعقود الإدارية (مطبعة جامعة عين شمس، القاهرة 1991).

ـ سليمان الطماوي، الوجيز في القانون الإداري (دار الفكر العربي، القاهرة 1991).

ـ محمد الحسين ومهند نوح، العقود الإدارية (منشورات جامعة دمشق 2006).

ـ مهند نوح، الإيجاب القبول في العقد الإداري (منشورات الحلبي الحقوقية، بيروت 2005).

ـ محمد سعيد أمين، دراسة مقارنة في فكرة العقود الإدارية وأحكام إبرامها (دار الثقافة الجامعية، القاهرة 1992).

- M. Guibal, Mémento des marchés publics (Le Moniteur, Paris 1998).

- M .A. Flamme, Traité théorique et pratique des marchés publics (Bruxelles1969).

- M .Quancard, L’adjudication des marchés publics des travaux et des fournitures (Sirey 1945).

- Bréchon & Moulènes, Droit des marchés publics, T.1 (Le Moniteur, Paris 1999).

- M . Waline, Droit administratif، manuel élémentaire (Sirey، Paris, 1945).

- A . Laubadère, P. Delvolvé et F. Moderne, Traité des contrats administratifs (L.G.D.J, Paris 1983).

- L. Richer, Droit des contrats administratifs (Dalloz, Paris 1999).

- L. Richer, Droit des contrats administratifs (Dalloz, Paris 2004).

- D. Pouyaud, La nullité des contrats administratifs (L.G.D.J, Paris 1991).

- S. Braconnier, Précis du droit des marchés publics (Le Moniteur, Paris 2007).




التصنيف : القانون العام
النوع : القانون العام
المجلد الخامس: طرق الطعن في الأحكام الإدارية ــ علم العقاب
رقم الصفحة ضمن المجلد : 337
جزء : العقود الإدارية

الاعتداء المادي في القانون الإداري

 الاعتداء المادي في القانون الإداري الاعتداء المادي في القانون الإداري محمد يوسف الحسين أولاً - مفهوم النظرية Notion de la théorie: لقد ولدت هذه النظرية من رحم لاتيني نتيجة تلقيح الآراء الفقهية والقضائية المتعاقبة وتكاملها، لكنها بقيت  تصورات واجتهادات ودلالات لفظية متنوعة حتى أن تم اعتمادها من قبل القضاء الفرنسي بعد ولادة محكمة التنازع الفرنسية عام 1872. لكن ومهما يكن من أمر هذه النظرية فلابد من تحديد ماهيتها وتأطير مفهومها، وذلك لما يترتب عليها من آثار؛ ولاسيما تحديد الجهة القضائية المختصة بفض النـزاع، والقواعد القانونية التي تحكمها، واختصاصات القضاء...

المزيد »