logo

logo

القانون الخاص | العمل غير المشروع (المسؤولية التقصيرية)

عمل غير مشروع (مسووليه تقصيريه)

illegal act (tort) - acte illégal (responsabilité délictuelle)

 العمل غير المشروع (المسؤولية التقصيرية)

العمل غير المشروع (المسؤولية التقصيرية)

أيمن أبو العيال

تعريف المسؤولية التقصيرية

كيفية صياغة أحكام المسؤولية التقصيرية

أركان المسؤولية التقصيرية

الأحكام الخاصة بالمسؤولية عن فعل الغير والأشياء

أثر المسؤولية التقصيرية

 

أولاًـ تعريف المسؤولية التقصيرية:

يعد العمل غير المشروع مصدراً عاماً من مصادر الالتزام في الشرائع القانونية كافة، ويطلق على الالتزام الناشئ من هذا المصدر اصطلاح المسؤولية التقصيرية، ويسمى المدين بالالتزام الناشئ من العمل غير المشروع بالمسؤول.

فالتعبير عن الفعل غير المشروع بالمسؤولية التقصيرية من باب تسمية الشيء بأثره؛ لأن المسؤولية بوجه عام هي أثر للعمل غير المشروع. إن المسؤولية هي الجزاء على مخالفة الالتزام، فإذا كان الالتزام أخلاقياً فإنه يرتب مسؤولية أخلاقية تتمثل في تأنيب الضمير واستهجان المجتمع، وإن كان الالتزام قانونياً فإنه يرتب مسؤولية تكون قانونية، وقد يكون الجزاء فيها عقابياً فتكون المسؤولية جزائية وقد يكون الجزاء مدنياً، فتكون المسؤولية مدنية. والمسؤولية المدنية هي التزام المدين بتعويض الضرر الذي ترتب على إخلاله بالالتزام القانوني المفروض عليه، فإذا كان مصدر هذا الالتزام تصرفاً قانونياً، عقداً أو إرادة منفردة كانت المسؤولية المدنية عقدية. وإذا كان مصدر الالتزام واقعة قانونية أخرى فإن المسؤولية المدنية تكون تقصيرية وهي موضوع البحث. ولعل اصطلاح علماء القانون المدني على تسمية الفعل غير المشروع بالمسؤولية التقصيرية فمن أجل تمييزها من المسؤولية العقدية ذلك أن الإخلال بالالتزام العقدي هو فعل غير مشروع أيضاً، ومع ذلك فإن ما سار عليه المشرع في القانون المدني السوري الصادر بالمرسوم التشريعي رقم /84/ في 18/5/1949، الذي دخل في حيز النفاذ في 15/6/1949، أن استخدم في بيان أحكام المسؤولية التقصيرية بوصفها مصدراً للالتزام عبارة العمل غير المشروع، مع أن العمل غير المشروع يطلق أساساً على المسؤولية المدنية تقصيرية كانت أم عقدية.

ثانياًـ كيفية صياغة أحكام المسؤولية التقصيرية:

1ـ في الفقه الإسلامي: لا توجد قاعدة عامة في الفقه الإسلامي تقرر أن كل خطأ سبب ضرراً للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض؛ لأن الفقه الإسلامي لم يكن وليد النظريات العامة إنما كان وليد القضايا العملية التي عرضت على الفقهاء، أو التي افترضوها، لكن على الرغم من ذلك فقد توصل علماء القواعد في الفقه الإسلامي إلى قواعد عامة تتأسس عليها نظرية واسعة في الضمان (ضمان الفعل وضمان العقد وضمان اليد) تستند إلى الحديث المشهور "لا ضرر ولا ضرار". فأسباب الضمان في الفقه الإسلامي كما حددها الإمامان السيوطي والقرافي من علماء القواعد هي:

أ ـ الاتلاف بالمباشرة كإحراق الثوب.

ب ـ الاتلاف بالتسبيب كحفر بئر في الطريق العام يتردى فيها إنسان.

ج ـ وضع اليد غير المؤتمنة أي يد الضمان كيد الغاصب، وأما يد المودع ويد المساقي ونحوهم… إلخ فإنهم أمناء فلا يضمنون.

د ـ العقد إذا كان من عقود المعاوضات والمعقود عليه عيناً معينة.

2ـ في القانون الروماني: طوال عصور تطور القانون الروماني ظل خالياً من نظرية عامة في المسؤولية التقصيرية. فقد حدد أفعالاً معينة وألزم مرتكبيها بدفع غرامة مالية إذا توافرت شروط معينة، وذلك على الرغم من مجهودات البريتور (من مناصب الحكام في العصر الجمهوري ويشرف على القضاء) والفقه في التوسع في تفسير هذه الأفعال وما تستلزمه من شروط. كما ظلت المسؤولية الناشئة من الفعل غير المشروع الجريمة في القانون الروماني مسؤولية جزائية، والمجني عليه هو صاحب الحق في الدعوى علاوة على ما للدولة من دعوى عامة في الجرائم العامة. وكانت العقوبة التي توقع على الجاني هي غرامة مالية خاصة يتقاضاها المجني عليه، ولا تقدر بقدر الضرر وحسب لأن فيها معنى العقوبة لا مجرد جبر الضرر، وهذه الجرائم هي: فصل أحد أعضاء الجسم البشري أو شله أو بتره ـ كسر عظم إنسانـ الاعتداء البسيط مثل الصفع ـ السرقة ـ الإضرار بأموال الغير من دون وجه حق بأفعال محددة هي قتل عبد أو حيوان أو جرح عبد أو حيوان يعيش في قطيع ـ جرح أو موت حيوان لا يعيش في قطيع ـ حرق أي شيء مادي آخر أو كسره أو قطعه. وكان ذلك بموجب قانون أكويليا الذي حدد حصراً صور الإضرار بمال الغير من دون وجه حق بالقتل والجرح والحرق والكسر والقطع، إلا أن الفقهاء والبريتور وسعوا هذه الصور لتشمل كل حالات إتلاف أموال الغير. وأخيراً الجرائم البريتورية، وهي التي تدخل البريتور وقرر عقوبات على بعض الأفعال الضارة في منشورة وهي الغش والإكراه وغش الدائنين.

 3ـ في القانون الفرنسي: منذ القرن السابع عشر وتحت تأثير القانون الكنسي استقلت في فرنسا المسؤولية المدنية عن المسؤولية الجزائية، وتميزت المسؤولية المدنية العقدية من المسؤولية المدنية التقصيرية، وتقررت القاعدة العامة القاضية بأن لا مسؤولية من دون خطأ، فكان الخطأ هو أساس المسؤولية المدنية في القانون الفرنسي القديم ومن ثم صدر قانون نابليون في 1804م وقنن أحكام المسؤولية التقصيرية كيفما استقرت في مؤلفات الفقيهين الفرنسيين دوما وبوتييه في مواد خمس 1382ـ 1386. وتمحض جزاء المسؤولية المدنية تعويضاً مدنياً لا تتخلله فكرة العقوبة الجزائية بالنسبة للضرر الذي يصيب المال.

4ـ في القانون المدني السوري: تناول المشرع السوري أحكام المسؤولية التقصيرية في المواد من (164ـ179) من القانون المدني السوري وقرر المسؤولية عن الفعل الشخصي في المادة (164) وعدها القاعدة العامة في المسؤولية التقصيرية، وجعل الخطأ أساسها سواء أكان الخطأ ملزم الإثبات أم مفترضاً، وسواء أكان هذا الخطأ المفترض يقبل النفي أو إثبات العكس بإثبات السبب الأجنبي، كمسؤولية متولي الرقابة (المادة 174) ومسؤولية حارس البناء (المادة 178) أم كان هذا الخطأ المفترض لا يقبل النفي ولكن يقبل إثبات العكس بإثبات السبب الأجنبي كمسؤولية حارس الحيوان (المادة 177) ومسؤولية حارس الأشياء الخطرة (المادة 179)، واستثناء من هذه القاعدة العامة القاضية بأن أساس المسؤولية التقصيرية هو الخطأ، فإن المشرع السوري قرر المسؤولية الموضوعية التي تقوم على محض الضرر ولو كان نشاط المدعى عليه لا ينطوي على خطأ كمسؤولية عديم التمييز (المادة 165/2).

ثالثاًـ أركان المسؤولية التقصيرية:

تقررت القاعدة العامة في المسؤولية التقصيرية بالمادة (164) من القانون المدني السوري التي تنص على أن "كل خطأ سبب ضرراً للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض". فأركان المسؤولية التقصيرية بحسب هذا النص هي الخطأ والضرر وصلة السببية بينهما.

1ـ الخطأ: هو أساس المسؤولية المدنية في القانون المدني السوري، لم يعرف هذا القانون الخطأ، لكن استخلص علماء القانون المدني من مجمل قواعد القانون تعريف الخطأ بأنه إخلال الشخص بالتزام قانوني قادر على تبينه وتنفيذه. ومن هذا التعريف يتضح أن ركن الخطأ يقوم على عنصرين:عنصر مادي يتمثل في إخلال الشخص بالالتزام القانوني، وعنصر معنوي يتمثل في قدرة الشخص على تبين الالتزام القانوني وتنفيذه.

أ ـ العنصر المادي: هو الإخلال بالتزام قانوني. والالتزام القانوني إما أن يكون خاصاً وإما أن يكون عاماً، أما الالتزامات القانونية الخاصة فتحددها قواعد القانون، ويقصد بالقانون هنا معناه الواسع بما في ذلك نصوص التشريع بأنواعه المختلفة، ومصادر القانون الاحتياطية على سبيل الاحتياط وهي مبادئ الشريعة وقواعد العرف وقواعد العدالة، كالالتزامات التي يفرضها قانون العاملين على العاملين في الدولة، والالتزامات التي يفرضها قانون السير على السائقين. إلا أن الجرائم المدنية بخلاف الجرائم الجزائية لا تقتصر على الإخلال بالالتزامات القانونية الخاصة، وإلا فستقصر قواعد القانون عن تحقيق العدالة، إضافة إلى أن القانون يراعي في تحديد مضمون هذه الالتزامات الخاصة الظروف العادية، وبالتالي ستقصر عن تحقيق العدالة إذا تغيرت هذه الظروف، فحدود السرعة التي تفرضها اللوائح على سائقي المركبات تحدد في الظروف العادية. ومن هنا كان لا بد من أن يتسع مفهوم الالتزام القانوني إضافة إلى الالتزامات القانونية الخاصة للالتزام القانوني العام الذي يتمثل بلزوم احترام حقوق الآخرين، الذي تفرضه كل قاعدة قانونية تقرر حقاً للغير، إذ لا معنى لتقرير الحق للشخص إن لم يكن من واجب الغير احترامه. وهذا الالتزام العام بخلاف ما يمكن أن تكون عليه الالتزامات القانونية الخاصة، هو التزام ببذل عناية، وهي العناية اللازمة لعدم المساس بحقوق الآخرين لا بتحقيق غاية، ما لم ينص القانون على عدّه التزاماً بتحقيق غاية هي عدم المساس فعلاً بحقوق الآخرين، بحيث إن مجرد المساس بها يقيم مسؤولية المتسبب، ما لم يثبت السبب الأجنبي مثل مسؤولية حارس الأشياء وحارس الحيوان. ولكن ما هو مقدار العناية اللازمة بمقتضى الالتزام العام؟

استقر الفقه والقضاء على اعتماد معيار الرجل المعتاد المتوسط الذكاء والتبصر، فلا هو شديد الذكاء يرتفع إلى القمة ولا هو خامل الهمة محدود الفطنة ينزل إلى الحضيض، لأن الأحكام القانونية ينبغي أن تبنى على الغالب الشائع، فإذا كان الشخص في نشاطه لم ينحرف عن المسلك الذي كان يسلكه الرجل المعتاد فإنه ينتفي عن نشاطه وصف الخطأ. لأنه لو اُعتمد في قياس الالتزام العام معيار الشخص اليقظ الحريص المتبصر شديد الذكاء واليقظة لأدى ذلك إلى ظلم اجتماعي وغبن لمعظم أفراد المجتمع، لأن قلة من الأفراد من يتمتع بهذه الدرجة من الذكاء واليقظة، والغبن والظلم نفسه سيلحق بمعظم المضرورين لو اُعتمد معيار الرجل الخامل البليد. وكان يبدو عادلاً ألا يحاسب الشخص إلا بقدر ما لديه من همة وفطنة وذكاء، إلا أن اعتماد هذا المعيار الذاتي لا يصلح معياراً قانونياً لكل حالة، لصعوبة الوقوف على الخصائص الذاتية والشخصية للمرء، ولأن الغرض من تقرير المسؤولية التقصرية هو جبر الضرر بتعويض المضرور لا عقاب المسؤول، فما ذنب المضرور إذا كان ضحية لشخص خامل الهمة، وقد بذل في ممارسة نشاطه ما يبذله أمثاله من الخاملين؟!! وبكل الأحوال فإنه ينبغي أن تراعى عند قياس سلوك الشخص بمسلك الشخص المعتاد الظروف الظاهرة التي أحاطت به، وفي الوقت ذاته لا يجوز مراعاة الظروف الخاصة للشخص، وإلا سينقلب معيار الرجل المعتاد الموضوعي إلى معيار ذاتي لا ضباط له. فما دام التزام بذل العناية لعدم المساس بحقوق الغير هي علاقة قانونية بين طرفين، فلا يصح الاقتصار في تعيين مدى هذا الالتزام للتحقق من وفاء الشخص به على النظر إلى الظروف الملابسة من زاوية المدين بالالتزام فقط، بل ينبغي النظر إليها من زاوية الدائن بالالتزام أيضاً. فالظرف الذي ينبغي مراعاته في تقدير مسلك الشخص مقارنة بمسلك الشخص المعتاد يجب أن يكون ظاهراً معلوماً لطرفي الالتزام القانوني، وداخلاً أثره في تقديرهما، وسواء أكان ظرفاً داخلياً أم ظرفاً خارجياً، لأن هذه الظروف ـ أي الظاهرةـ وحدها هي التي تجعل الدائن ينتظر من المدين مسلكاً معيناً، فإذا انحرف عن هذا المسلك كان ذلك إخلالاً منه بالثقة المشروعة للدائن وعد مخطئاً. فالطبيب غير الاختصاصي في بلدة ريفية نائية لا يبعث في نفس المريض الثقة التي يبعثها في نفسه طبيب اختصاصي في المدينة. وينبغي أن يقاس خطأ المضرور عندما يساهم في إحداث الضرر بالمعيار ذاته وطبقاً للظروف الظاهرة أيضاً، فإذا كان المضرور قد سلك مسلكاً شاذاً نتيجة لفقده التمييز فإن هذا الظرف أي فقده للتمييز لا يكفي بذاته لتحميل المدين المسؤولية كاملة، بل ينبغي معرفة ما إذا كان فقدانه للتمييز ظاهراً بالنسبة إلى المدين، بحيث كان يعلمه أو ينبغي أن يعلمه، كما لو كان المضرور الدائن طفلاً صغيراً أو مجنوناً شائع الجنون، فحينئذ يجب على الشخص المعتاد أن يتوقع من المضرور سلوكاً شاذاً ويرتب مسلكه الشخصي على هذا الأساس، فإن لم يفعل فإنه يكون قد انحرف وأخطأ فيكون مسؤولاً، لأن المسلك الشاذ من المضرور غير المميز في هذه الحالة لا يعد إخلالاً بالثقة المشروعة للمدين، لأنه لم يكن من حقه أن ينتظر مسلكاً طبيعياً من المضرور. بخلاف ما لو كان الشخص المعتاد لا يمكن أن يدرك عدم تمييز المضرور، فعندئذٍ يقاس سلوك المجنون بسلوك الشخص المعتاد المميز، وسلوك المميز بسلوك المميز في مثل سنه، ولا شك في أن ظروف الزمان والمكان هي ظروف ظاهرة يقام لها وزن. والطبيعة القانونية للظرف في نهاية المطاف هي مسألة نسبية، فالظرف الواحد قد يعد من الظروف الظاهرة بالنسبة لبعض نشاط الشخص من دون بعضه الآخر، فالتخصص يقام له وزن فيما يباشره الاختصاصي من أعمال مهنته دون غيرها والذي يحصل عملياً أن القاضي يستعين بالخبرة الفنية والخبير يعد نفسه هو الشخص المعتاد في ضوء الظروف الظاهرة التي يقام لها وزن، ولذلك يخشى أن يستحيل هذا المعيار الموضوعي إلى معيار ذاتي لكل قاضٍ أو خبير، فتتضارب الأحكام، ولذلك يقترح بعضهم تجنباً لهذا المحذور أن يعول القاضي أو الخبير على الأعراف والعادات، ويتساءل عما يجري عليه عرف المهنة في ظل ظروف معينة، كعادات الأطباء، ولو لم تصل إلى درجة العرف بوصفها مصدراً احتياطياً للقاعدة القانونية. شريطة استبعاد العادات الشاذة أو المخالفة للنظام العام أو الآداب كما لو جرت عادة الأطباء الجراحين في جهة معينة على عدم التدقيق في تعقيم الأدوات التى يستعملونها، أو عادة الحلاقين في عدم تغيير موس الحلاقة لكل زبون. وبمعيار الشخص المعتاد ذاته وما أحاط به من ظروف ظاهرة يقام لها وزن على النحو المتقدم ينبغي أن يقاس سلوك المدين لتحديد مضمون الالتزامات الخاصة المحددة كمياً عندما تتغير الظروف العادية. وقد تبنى المشرع السوري معيار الشخص المعتاد الذي استقر عليه الفقه والقضاء، إذ تنص المادة (212/1) من القانون المدني السوري على أنه "في الالتزام بعمل إذا كان المطلوب من المدين هو أن يحافظ على الشيء أو أن يقوم بإدارته أو أن يتوقى الحيطة في تنفيذ التزامه فإن المدين يكون قد وفى بالالتزام إذا بذل في تنفيذه من العناية كل ما يبذله الشخص العادي، ولو لم يتحقق الغرض المقصود. هذا ما لم ينص القانون أو الاتفاق على غير ذلك". كما طبقه المشرع السوري وأحال عليه في مناسبات كثيرة، مثل التزام الفضولي تجاه رب العمل في المادة (193) من القانون المدني السوري. والفقه الإسلامي كان أدق في التعبير عن العنصر المادي في ركن الخطأ في نظرية الضمان إذ لم يستخدم مصطلح الخطأ بل استخدم مصطلح التعدي أو العدوان، وهي مجاوزة الشخص ما ينبغي أن يقتصر عليه شرعاً أو عرفاً، فما زاد على المشروع أو المعروف يعد عدواناً يوجب الضمان، وما نقص عنه يعد أيضاً عدواناً يوجب الضمان. فالتعدي مجاوزة الحد إلى أبعد وأكثر منه، والتقصير مجاوزته إلى حد أدنى وأقل، وكلاهما تعدٍّ للحد المطلوب والمشروع. ووجه الدقة في مصطلح العدوان أو التعدي أن هذا الأخير يشمل العمد والخطأ ويشمل التقصير والإهمال وعدم الاحتراز، في حين أن لفظ الخطأ الذي استعمله القانون المدني السوري يوهم بإطلاقه على ما يقابل العمد فلا يشمله إلا بإضافة عبارة أخرى خطأ عمد، وهذا المركب فيه تناقض في مدلوله اللغوي إذ العمد نقيض الخطأ. فالفقه الإسلامي يستخدم مصطلح الخطأ للمقابلة بين جريمة القتل العمد وجريمة القتل غير العمدية فيطلق عليها الخطأ. والخطأ أحد عوراض الأهلية في الفقه الإسلامي وهو يسقط حقوق الله عند علماء أصول الفقه الإسلامي. فاستخدام عبارة التعدي أدق لأنه لا تناقض في هذه العبارة، لأن الخطأ والعمد سيان في ضمان الأموال، فلم يكن الخطأ عذراً في حقوق العباد، لأن أثره وحكمه ضمان مال لا جزاء فعل، فيدخل تحت تعبير التعدي في الفقه الإسلامي العمد والتقصير وقلة الاحتراز. أما العمد فهو إرادة الفعل ونتائجه الضارة، وأما عدم التحرز فهو إرادة الفعل من دون التفكير في نتائجه كمن يقود السيارة بسرعة زائدة، وأما التقصير فهو عدم القيام بما ينبغي القيام به. وأما في ضمان الأنفس فإن الشريعة الإسلامية تميز بين العمد والخطأ قيقتص من الكبير دون الصغير لأن عمد الصغير خطأ.

ب ـ العنصر المعنوي: يقصد بالعنصر المعنوي في الخطأ أن يقصد المسؤول الإضرار بالمضرور، أو على الأقل أن يكون المسؤول مميزاً يدرك نتائج أفعاله ولم يتخذ من الاحتياطات ما يدرأ نتائجها الضارة، وأن يكون قادراً على الوفاء بالتزامه ببذل العناية اللازمة أو بعدم المساس فعلاً بحقوق الآخرين ولكنه مع ذلك خالف التزاماته القانونية. وقد أشارت إلى العنصر المعنوي المادتان (165 و166) من القانون المدني السوري حيث تنص المادة (165/1) على أنه: "يكون الشخص مسؤولاً عن أعماله غير المشروعة متى صدرت منه وهو مميز". كما تنص المادة (166) على أنه "إذا أثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي لا يد له فيه، كحادث مفاجئ أو قوة قاهرة أو خطأ من المضرور أو خطأ من الغير، كان غير ملزم بتعويض هذا الضرر، ما لم يوجد نص أو اتفاق على غير ذلك".

(1) ـ مسؤولية عدم التمييز:

> القاعدة العامة: الشخص غير المميز وهو من لم يتم السابعة من عمره (المادة 47/2 مدني سوري) لا يسأل مدنياً من حيث المبدأ في القانون المدني السوري بدلالة نص المادة (165/1) التي سبق ذكر نصها، لأن فعل غير المميز لا يوصف بالخطأ في النظر القانوني. من هذا يتضح أن الخطأ في النظر القانوني هو وصف للفاعل، في حين أنه وصف للفعل في الفقه الإسلامي ولذلك لا يشترط في التعدي في الفقه الإسلامي أن يكون الفاعل مميزاً، فالتعدي في الفقه الإسلامي ذو طبيعة مادية. والضمان فيه من خطاب الوضع لا من خطاب التكليف؛ لذلك يكفي التعدي المادي لإيجاب الضمان ولو لم يكن بالإمكان نسبة الخطأ إلى المعتدي لعدم تمييزه، فالتعدي يفيد الضمان والالتزام بالتعويض بصرف النظر عن إرادة فاعله أو إدراكه. على أن بعض المتأخرين ميز في اشتراط التمييز بين التعدي بالمباشرة وبين التعدي بالتسبيب، فالمباشر ضامن وإن لم يتعمد والمتسبب ضامن إن تعمد، ويقصد بالتعمد ما يشمل التقصير والإهمال وعدم التحرز، وهو يستلزم تمييز المسؤول، وأساس هذه التفرقة أن السببية واضحة في حالة المباشرة بخلاف حالة التسبب، فكان لا بد من تقوية السببية باشتراط التمييز لإيجاب الضمان.

إذاً على الرغم من أن الفعل غير المشروع في النظام القانوني السوري وغيره من الأنظمة الوضعية ينتج أثره وهو الالتزام بالتعويض بصرف النظر عن إرادة صاحبه كان ينبغي أن يقتصر الخطأ على عنصره المادي وهو العدوان، إلا أنه قد عد المسؤولية المدنية من خطاب التكليف، ومعلوم أنه لا يتصور أن يخاطب أو يكلف عديم التمييز وهو من لم يبلغ السابعة أو بلغها وكان مجنوناً أو معتوهاً، ويقع عبء إثبات الجنون على عاتق النائب القانوني للمجنون ولا يكفي إثبات واقعة الحجر عليه لأن الفعل قد يقع منه وهو في حالة الإفاقة، وإذا كان انعدام التمييز بخطأ الشخص كمن تعاطى المخدرات أو المسكرات لغير ضرورة طبية فإنه يعد مسؤولاً. في كل الأحوال فإن المكلف بالأداء عن عديم التمييز هو النائب الشرعي عنه إذا كان له مال، وإلا بقيت ذمة غير المميز مشغولة بالضمان إلى حين يساره، مما يؤدي إلى تعذر حصول المضرور على حقه في التعويض عما لحقه من ضرر ولذلك ذهب أحمد بن حنبل في إحدى روايتين عنه وهي الرواية المرجوحة إلى أنه إن لم يكن للصبي غير المميز مال فيحمل عنه أبوه إلحاقاً لحاجته في أداء ما وجب عليه من ضمان، بحاجته إلى النفقة االلازمة على الأب إذا كان الصبي معسراً.

> الاستثناء: قرر المشرع مسؤولية عديم التمييز استثناء على أن يتوافر في سلوكه العنصر المادي في الخطأ حيث تنص المادة (165/2) من القانون المدني السوري على أنه "ومع ذلك إذا وقع الضرر من شخص غير مميز ولم يكن هناك من هو مسؤول عنه، أو تعذر الحصول على تعويض من المسؤول جاز للقاضي أن يلزم من وقع منه الضرر بتعويض عادل، مراعياً في ذلك مركز الخصوم". من هذا النص يتضح أن مسؤولية عديم التمييز تتميز بالخصائص الآتية: استثنائية: لا تقوم على عنصر الخطأ بل تقوم على محض الضرر فهي من تطبيقات المسؤولية المادية أو الموضوعية في التشريع السوري، واحتياطية: فلا تقوم إلا عند عدم توافر شخص يتولى رقابة عديم التمييز أو يكون تابعاً له، أو مع وجوده لكن تعذر الحصول منه على تعويض لأنه استطاع أن ينفي خطأه ـ إن كان ذلك ممكناً قانوناً ـ أو لأنه كان معسراً، وجوازية: بمعنى أن القاضي يستطيع أن يحكم أو ألا يحكم بها فالأمر خاضع لسلطته التقديرية، وأخيراً هي مسؤولية مخففة: أي إنه إذا وجد القاضي بسلطته التقديرية وجوب تعويض المضرور فلا يتحتم عليه أن يحكم بتعويض كامل، مكتفياً بتقدير التعويض الذي يراه عادلاً بحسب مراكز الخصوم وأوضاعهم المالية.

ج ـ أنواع الخطأ:

(1) ـ أنواع الخطأ بحسب عنصره المادي: ويتنوع الخطأ أو التعدي بحسب عنصره المادي إلى خطأ إيجابي وهو الإخلال بالتزام قانوني يفرض على الشخص الامتناع عن فعل أو عن أفعال معينة فيفعلها، كإتلاف مال الغير وسبه أو قذفه، وكحرق الزراعة وشق الثوب. وأما الخطأ السلبي فهو الإخلال بالتزام قانوني يفرض على الشخص القيام بعمل إيجابي فيمتنع عن فعله، كعدم إنارة مصابيح السيارة ليلاً، وكعدم إحاطة المقاول الحفرة التي حفرها في الطريق العام بالسياج والإشارات الضوئية التي تنبه المارة إلى وجودها، وكامتناع السائقين عن إسعاف المصابين بحوادث السيارات. ولكن هل يعد الامتناع المحض خطأ سلبياً؟ وبعبارة أخرى هل يوجد التزام قانوني عام يلزم الشخص أن يقوم بما يلزم ليدرأ عن غيره خطراً يقدر على منعه من دون أن يلحقه ضرر؟ لا شك في أن تقاليد مهنة معينة قد تفرض مثل هذا الالتزام فعندئذٍ يعد التزاماً خاصاً، فالطبيب الذي يجد في الطريق شخصاً مصاباً بحاجة إلى إنقاذ سريع، ثم يمتنع يعد مخطئاً ومسؤولاً. أما حيث لا يوجد مثل هذا الالتزام في نصوص القانون أو تقاليد مهنة معينة فإنه نظراً لأن معظم الالتزامات القانونية تتضمن النهي عن مباشرة أعمال معينة، وقلة منها تأمر بالقيام بعمل إيجابي كانت الأخطاء الإيجابية أكثر وقوعاً في العمل مما حدا بعضهم على القول إن الأصل حرية الفرد في الامتناع عن أي عمل ما لم يفرض عليه القانون القيام به، فعندئذٍ فقط يعد امتناعه خطأ يستلزم مسؤوليته، وهذه هي الحرية الفردية التي يقدسها أنصار المذهب الفردي مستندين في ذلك إلى مبدأ لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص المقرر في قانون العقوبات. بحيث قصروا الخطأ السلبي على مخالفة الالتزامات القانونية الإيجابية المقررة بنصوص قانونية محددة والتي تأمر بالقيام بعمل محدد، إضافة إلى ما يجب على الشخص أن يتخذه من احتياطات طبقاً لمعيار الشخص المعتاد ليدرء ضرره عن المساس بحقوق الآخرين. على أن هذا مردود بفساد قياس المسؤولية المدنية على المسؤولية الجزائية لاختلافهما في الطبيعة والمبادئ والفلسفة التي تقوم عليها كل منهما. وقد ساعد انتشار الأفكار الاجتماعية التي تقدم مصلحة الجماعة على تقبل فكرة توسيع الالتزامات القانونية العامة ذات الطبيعة الإيجابية، فتقرر أول الأمر وجود خطأ سلبي عند الامتناع المحض العمدي الذي لا يقصد به سوى الإضرار بالغير من دون مصلحة تعود على الممتنع؛ لأن قصد الإضرار بالغير يعد في ذاته خطأ تطبيقاً لنظرية التعسف في استعمال الحق (المادة 6 مدني سوري)، كمن يمتنع عن مد يد المعونة لشخص مشرف على الهلاك قصد الانتقام منه. أما إذا لم يثبت قصد الإساءة فإن من الشراح من يشير إلى أن ثمة العديد من الاعتبارات التي تدعو إلى التردد في تخطئة الممتنع.

(2) ـ أنواع الخطأ بحسب عنصره المعنوي: يتنوع الخطأ بحسب عنصره المعنوي إلى خطأ عمد وخطأ جسيم وخطأ يسير. ويقصد بالعمد الإخلال بالتزام قانوني قصد الإضرار بالغير، ولئن كان للقصد أثره في تشديد العقوبة في المسؤولية الجزائية فليس له هذا الأثر في المسؤولية المدنية، فالمشرع من حيث المبدأ لا يميز في هذه الأخيرة بين خطأ عمدي وغير عمدي، كما لا يميز في هذا الأخير بين جسيم ويسير. لأن حكمها تعويض ليس فيه معنى العقوبة، ويكفي لقيامها مجرد إهمال ما توجبه الحيطة والحذر. ويقاس الخطأ بكل أنواعه هذه بمعيار الرجل المعتاد، فلا يكفي القول بالنسبة للخطأ المادي: إن قصد الإضرار يعد بذاته انحرافاً، ذلك لأن من يتعمد الإضرار بالغير لا يعد مخطئاً في جميع الأحوال كالتاجر الذي ينافس تاجراً آخر منافسة مشروعة فلا يكون مسؤولاً حتى لو تعمد الإضرار بمنافسيه مادام لم ينحرف في سلوكه عن مسلك الرجل المعتاد. ومع ذلك فإن هناك بعض الأحكام القانونية التي تترتب على التفرقة بين الخطأ العمد والخطأ غير العمد. فالقاضي يميل إلى زيادة التعويض في الخطأ العمدي مراعاة للظروف الملابسة (المادة 171 مدني سوري) وهي فكرة التعويض العقابي punitive damage، كما أن المشرع قرر بطلان التأمين من المسؤولية عن الخطأ العمدي (المادة 734/2 مدني سوري)، وأن الخطأ العمدي يستغرق غير العمدي ويجبه عندما يشتركان في إحداث الضرر. كذلك يقاس الخطأ الجسيم واليسير بالمعيار الموضوعي ذاته، والجسيم هو الذي لا يرتكبه إلا الشخص الغبي، أي لا يرتكبه أكثر الناس إهمالاً أو غباوة، أما اليسير فلا يرتكبه شخص متوسط العناية والذكاء، وفي بعض الأحيان يلحق المشرع الخطأ الجسيم بالعمد (المادتان 218/2و222/2مدني سوري). والمشرع في بعض الحالات يتطلب لقيام المسؤولية جسامة الخطأ، فالقاضي لا يسأل إلا عن خطئه الجسيم (المادة 486/2 أصول محاكمات)، كما لا يجوز للعامل في إصابات العمل أن يتمسك ضد رب العمل بأحكام أي قانون آخر ما لم تكن الإصابة ناشئة عن خطأ جسيم من رب العمل (المادة 47 تأمينات اجتماعية). وهذا يرجع إلى مضمون الالتزام القانوني الذي حصل الإخلال به ومداه، أي درجة العناية المطلوبة وذلك عندما تقل عن عناية الرجل المعتاد، فإذا لم ينحرف المدعى عليه عنها لا يسأل لا لأن خطأه يسير إنما لانتفاء الخطأ أساساً. ولكن هل يتوجب لقيام المسؤوليات المهنية، كمسؤولية الطبيب والمحامي والمهندس والصيدلي أن يكون خطؤه المهني جسيماً؟

(3) ـ مسؤولية الطبيب المهنية: تتجه المحاكم الفرنسية مؤيدة ببعض علماء القانون المدني إلى التمييز في مسؤولية الطبيب بين خطأ مهني عادي لا يتصل بأصول المهنة وفنها، كأن يجري الطبيب عملية جراحية وهو في حالة السكر، وبين خطأ مهني يتصل بالأصول الفنية للمهنة، كأن يخطئ في تشخيص المرض. وتبرز أهمية هذه التفرقة في أنه لا تقوم مسؤوليته عن الخطأ المهني الفني إلا إذا كان خطأ جسيماً. فإذا كان هذا الخطأ يسيراً فلا يسأل الطبيب عنه. ويرمي أنصار هذا الاتجاه إلى تخفيف مسؤولية الطبيب عن أخطائه الفنية المهنية حتى تتاح فرصة مزاولة عمله وهو مطمئن لا يشعر بالخوف من شبح المسؤولية المدنية، وإلا لامتنع عن أداء التزامه الإنساني، وفي هذا ما فيه من الأضرار بالمصلحة العامة للمجتمع. ولبث الثقة في نفوس الأطباء للانتفاع بالنظريات العلمية الحديثة التي ثبت لها درجة من الصحة وإن لم يقطع العلم بصحتها. وقد انتقد هذا الاتجاه من حيث إنه لا يوجد معيار دقيق للتفرقة في خطأ الطبيب المهني بين خطئه الطبي الفني وبين خطئه العادي في معرض ممارسة أعمال مهنته. والحقيقة أنه يمكن الاستناد في التفرقة بين هذين الخطأين بمعيار حاجة القاضي إلى الخبرة الفنية، فكلما كان القاضي ملزماً باللجوء إلى الخبرة الطبية لتقدير خطأ الطبيب عد هذا الخطأ الطبي مهنياً فنياً كخطئه في تشخيص العلاج، وكلما كان بمقدور القاضي قانوناً أن يقدر الخطأ الطبي من دون اللجوء إلى الخبرة الطبية كان خطأ الطبيب عادياً كخطئه المتمثل في إجراء العملية الجراحية وهو في حالة سكر بيّن، أو قبل الحصول على رضا مريضه بإجراء العملية أو من دون أن يبصره بمخاطرها. إلا أن النقد الحقيقي الذي يمكن أن يوجه إلى هذا الاتجاه أنه لا سند له في قواعد القانون، فالمادة (164) جاءت بصيغة عامة مجردة تحمل المسؤولية عن كل خطأ، إضافة إلى أن القول بمسؤولية الطبيب الطبية في حالة الخطأ الفني الجسيم يتجاهل حق المريض في الحماية من أخطاء الأطباء الفنية. إن قواعد مهنة الطب لا تفرض على الطبيب التزاماً بتحقيق شفاء مريضه إنما تفرض عليه أن يبذل قدراً من العناية يتحدد بمعيار الطبيب المتوسط في مثل ظروف الزمان والمكان والأدوات الطبية المتاحة، فالعناية المعتادة تقتضي منه أن يبذل جهوداً صادقة يقظة تتفق في غير الظروف الاستثنائية مع الأصول المستقرة في مهنة الطب، فيسأل الطبيب عن كل تقصير في مسلكه الطبي لا يقع من طبيب يقظ في مستواه الفني وجد في الظروف الظاهرة نفسها التي أحاطت بالطبيب المدعى عليه، كما يسأل عن خطئه العادي مهما كانت درجة جسامته. لذا يتجه الفقه والقضاء في فرنسا وفي مصر الآن خلافاً لما مضى وفي سورية إلى عدم التفرقة بين خطأ طبي عادي وآخر مهني. وما يقال في مسؤولية الطبيب المهنية يقال في مسؤولية غيره من أرباب المهن الحرة، ما لم يرد نص خاص يحصر مسؤولية المهني بالخطأ المهني الجسيم، كمسؤولية القاضي المهنية فهو لا يسأل إلا إذا كان خطؤه جسيماً (المادة 486/2 أصول محاكمات مدنية) ينم على جهل فاحش واستهتار بالمبادئ القانونية الأساسية، ومثله خطأ المحامي المهني فالمادة (54) من قانون تنظيم مهنة المحاماة في سورية تنص على أنه "يعدُّ زلة مسلكية كل إهمال غير مبرر وجهل فاضح من المحامي أو من ينيبه يسبب الضرر لموكله ويستلزم تضمين المحامي الأضرار اللاحقة بموكله جراء ذلك". ولعل الذي أدخل اللبس وجعل بعضهم يشترطون جسامة الخطأ الطبي المهني على الرغم من عدم وجود نص خاص على ذلك، أن هذا الأخير يقاس بمعيار فني هو معيار شخص من أواسط رجل الفن فمثل هذا الشخص لا يجوز أن ينحرف عما استقرت عليه أصول فنه الثابتة، ومن ثم يبدو الإعراض عنها يعادل الخطأ الجسيم فاختلط به مع أنه قيس أساساً بمعيار الشخص العادي من أهل الفن. يتأكد ذلك من اجتهادات محكمة النقض السورية التي عرفت الخطأ الجسيم من القاضي بأنه الخطأ الذي لا يقع من قاضٍ يهتم بعمله اهتماماً عادياً (قرار الهيئة العامة رقم 95 أساس130 تاريخ 4/3/2002). وتثير مسؤولية الطبيب وغيره من أرباب المهن الحرة كالمحامي والمهندس والصيدلي إشكالاً قانونياً آخر يتمثل في تحديد الطبيعة القانونية للمسؤولية المهنية وهل هي عقدية أم هل هي تقصيرية؟؟ فإن كان الطبيب قد اضطلع بعلاج مريض أو قبله في مشفاه فقد نشأ بينهما عقد والمسؤولية ينبغي أن تكون عقدية، وقد كانت المحاكم الفرنسية والمصرية والسورية تعد مسؤولية الطبيب المهنية تقصيرية في كل الأحوال على أساس أن الالتزامات المهنية تفرضها لوائح المهنة وأنظمتها وهي مفروضة وسابقة على أي اتفاق بين المريض والطبيب، فمصدرها ليس العقد ولذا هي تقصيرية في جميع الأحوال. والحقيقة أنه سواء أكانت مسؤولية الطبيب عقدية أم تقصيرية فلا فرق في طبيعة الالتزام الملقى على عاتق الطبيب فهو التزام ببذل عناية لا بتحقيق غاية، إلا في حالة التزام طبيب الجراحة التجميلية المحضة التي لا تهدف إلى إصلاح عيب خلقي ناجم عن تشوه ولادي أو إصابة عمل، فإن التزام هذا الطبيب عندئذٍ هو التزام عقدي بتحقيق نتيجة، ويعد مخلاً بالتزامه بمحض إخفاق العملية التجميلية ولا يستطيع أن ينفي مسؤوليته إلا بإثبات السبب الأجنبي. إلا أنه تبقى هناك فوارق أخرى بين المسؤوليتين العقدية والتقصيرية وإن كانت طبيعة الالتزام في كل منهما واحدة وكونه التزاماً ببذل عناية لا بتحقيق غاية، فلا بد من تحديد الطبيعة القانونية للمسؤولية الطبية. إن المسؤولية الطبية ينبغي أن تكون عقدية كلما تولى الطبيب علاج المريض بناءً على طلبه، أما إن تطوع للعلاج فمسؤوليته تقصيرية مادامت لوائح المهنة تفرض عليه التدخل في ظروف معينة، وكذا تعد مسؤولية الطبيب تقصيرية إذا رفض علاج المريض أو قبوله في المشفى وتثور قضية إمكانية الاختيار بين أحكام المسؤوليتن العقدية أو التقصيرية إذا استخدم الطبيب في علاج المريض أشياء تتطلب حراستها عناية خاصة كأشعة x أو غيرها من الأدوات الطبية. ويوجد في هذه القضية ـ مع غياب النص التشريعي ـ اتجاهان في الفقه والقضاء، الأول يعطيه الحق في اختيار أحكام إحدى المسؤوليتين من دون المزاوجة بينهما في وقت واحد، والثاني يمنع من الخيرة لما فيها من إخلال بالقوة الملزمة للعقد وإهدار لأحكام المسؤولية العقدية ما لم يتفق في العقد على هذه الخيرة لأن قواعد العقد بوجه الإجمال هي قواعد تكميلية يجوز الاتفاق على ما يخالف حكمها.

> قدرة المدين على الوفاء بالتزامه: لا يكفي أن يكون الشخص مميزاً حتى يتوافر العنصر المعنوي في ركن الخطأ بل ينبغي أن يكون الشخص قادراً على الوفاء بالتزامه القانوني، فإذا صار الوفاء بالالتزام مستحيلاً بسبب أجنبي لا يد للمدين فيه فإن العنصر المعنوي يسقط من الخطأ ومن ثم ينتفي الخطأ، وبمعنى آخر تنتفي نسبة العدوان المادي إلى الشخص. إن التعدي إذا ما تم تحت تأثير السبب الأجنبي يتبدى وكأنه صادر من الشخص، في حين أنه في الواقع يعد وليد قوة عليا لم يكن الشخص سوى أداة لها. فالسبب الأجنبي هو كل حادثة لا تنسب إلى الشخص وتجعل وقوع التعدي وما نجم عنه من ضرر أمراً حتمياً. أي إن السبب الأجنبي جعل وفاء الشخص بالتزامه بعدم المساس بحقوق الغير مستحيلاً استحالة مطلقة وهو ما يطلق عليه علماء القانون المدني عنصر استحالة دفع الضرر، والمعيار في ذلك هو سلوك الشخص المعتاد في مثل ظروف المدين الظاهرة، وبداهة ينبغي ألا يكون للشخص صلة بالسبب الأجنبي، وهذا يستلزم أن يكون السبب الأجنبي غير ممكن الدفع، وهو ما يسميه علماء القانون المدني بعنصر انتفاء الإسناد. وقد مثل القانون المدني السوري للسبب الأجنبي بالقوة القاهرة والحادث المفاجئ وخطأ المضرور وخطأ الغير في المادة (166) المنوه بها، ويمكن أن تكون واقعة أخرى متى توافرت فيها شروط السبب الأجنبي. والراجح أن القوة القاهرة والحادث المفاجئ في إطار المسؤولية المدنية بمعنى واحد وحكمهما واحد، ومن أمثلة القوة القاهرة الزلازل والصواعق والفيضانات وأوامر السلطة العامة لا بذاتها بل تبعاً للظروف الملابسة أي بشروط السبب الأجنبي المنوه بها. ومتى ثبت للقاضي أن الفعل الضار غير المشروع راجع إلى القوة القاهرة وحدها فلا يكون الشخص مسؤولاً عن تعويض المضرور، أما إذا ساهم المدعى عليه بخطئه مع القوة القاهرة فإن مسؤوليته تكون كاملة لأن القوة القاهرة لا تنتسب إلى شخص يمكن أن يشارك المدين في تحمل المسؤولية، ويعد فعل المضرور والغير الذي لا خطأ فيهما من قبيل القوة القاهرة ويأخذان حكمها. وأما خطأ أحدهما فإذا كان هو الوحيد في حمل المدين على ارتكاب الفعل الضار غير المشروع أو أسهم مع خطأ المدين ولكنه استغرق خطأ المدين فإن المدين لا يتحمل أي مسؤولية. ويستغرق خطأ أحدهما خطأ المدين إن كان متعمداً أو جسيماً وخطأ المدين غير مقصود أو يسير، أو أنه كان نتيجة خطأ أحدهما، وأما إن كان المدين مخطئاً ولم يكن خطأ المضرور أو خطأ الغير هو السبب الوحيد في وقوع الفعل الضار غير المشروع ولم يكن مستغرَقاً فإن هذا الأمر يتصل عندئذٍ برابطة السببية بين الخطأ والضرر. فإن كان خطأ كل منهم يؤدي إلى مثل الضرر الحاصل بحسب المجرى الطبيعي للأمور فإن المسؤولية تتجزأ على كل المساهمين في إحداث الضرر كل بنسبة مساهمته، وهي مسألة واقع يقدرها قاضي الموضوع من دون رقابة محكمة النقض.

د ـ أسباب تسويغ الخطأ: توجد مجموعة من الأسباب القانونية التي تبيح العدوان أي تنفي عنه صفة العدوان، وهي تتصل إما بالعنصر المادي للخطأ وهي حالة الدفاع الشرعي وتنفيذ الموظف العام أمر الرئيس أو القانون، وإما بالعنصر المعنوي فتزيل إرادة الشخص وقدرته على تنفيذ الالتزام القانوني وهي السبب الأجنبي، وقد تم الكلام عليه في الفقرة السابقة وقد لا يكون من شأن السبب القانوني أن يزيل إرادة الشخص وقدرته وإنما يفسد اختياره فيكون من أثره منع مسؤوليته جزئياً وهي حالة الضرورة.

(1) ـ حالة الضرورة: تنص المادة (169) من القانون المدني السوري على أنه: "من سبب ضرراً للغير ليتفادى ضرراً أكبر محدقاً به أو بغيره لا يكون ملزماً إلا بالتعويض الذي يراه القاضي مناسباً". وتختلف حالة الضرورة عن القوة القاهرة أن هذه الأخيرة تجعل تنفيذ الالتزام بعدم الإضرار بالغير مستحيلاً، ولذا ينتفي معها خطأ المدعى عليه لانتفاء العنصر المعنوي فيه. أما حالة الضرورة ـ والإكراه في حكمها ـ فيبقى للمدعى عليه شيء من الاختيار بين ضررين بعد أن يوازن بينهما، كحالة سائق السيارة الذي يفاجأ بشخص يلقي بنفسه أمام سيارته فيضطر في سبيل تفاديه إلى الصعود إلى الرصيف وإتلاف واجهة بعض المحلات أو معروضاتها، فلا شك أن الرجل المعتاد يضحي بالتزامه في احترام حقوق الآخرين إذا وجد أن الضرر الذي يتفاداه أكبر من الضرر الذي يلحقه بالغير. بمعنى أن حالة الضرورة تسوغ الفعل وتمحو عنه وصف الخطأ لانطباق سلوك المضطر مع سلوك الرجل المعتاد (مع ذلك عدها قانون العقوبات السوري من موانع المسؤولية فقط (المادة 228)، متى توافرت شروطها وهي: ـ أن يكون ثمة خطر حال يهدد النفس أو المال ـ أن يكون الخطر أجنبياً عن المدعى عليه أي لا دخل لإرادته في إيجاده وإلا تكون مسؤوليته خاضعة للقواعد العامة ـ أن يكون الضرر المراد توقيه أكبر من الضرر الحاصل،، فالرجل المعتاد لا يلحق بغيره ضرراً جسيماً لينجو بنفسه من ضرر أخف، أو مساوٍ في الدرجة للضرر الحاصل، وعندئذٍ تكون مسؤوليته المدنية كاملة طبقاً للقاعدة العامة (وفي هذا تختلف عن المسؤولية الجزائية التي تمتنع إذا كان الضرران متعادلين أيضاً). ومع ذلك وعلى الرغم من انتفاء الخطأ مع توافر شروط حالة الضرورة فإن المشرع حمّل المدعى عليه مسؤولية استثنائية مخففة تقوم على تحمل التبعة، وألزمه بالتعويض العادل الذي يراه القاضي مناسباً بحسب كل حالة، كمسؤولية عديم التمييز، فضلاً عن إمكانية رجوع المضرور بأقل القيمتين قيمة الضرر الحاصل وقيمة الضرر الذي تم تفاديه طبقاً للقاعدة العامة في الإثراء بلا سبب إن توافرت شرائطها. وفي الفقه الإسلامي تعد حالة الضرورة من أسباب الإباحة بالنسبة إلى المسؤولية الجزائية في جرائم الأموال فقط، أما بالنسبة إلى المسؤولية المدنية فإن جمهور الفقهاء ـ خلا رأي عند المالكية ـ يقررها كاملة، لأن أموال العباد معصومة والإذن بإتلافها لإحياء النفس لا يسقط ضمانها، لأن الإذن من الشرع تعلق بإحياء نفسه وجاء الإذن في الإتلاف من باب اللزوم فألزم الضمان، فالاضطرار لا يبطل حق الغير (المادة 33 مجلة الأحكام العدلية) ويكون من حق المسؤول طبقاً لحالة الضرورة، إن كان تدخله لمصلحة الغير أن يرجع عليه بما ألزم بأدائه للمضرور مع فوائده من وقت الدفع بدعوى الفضالة.

(2) ـ حالة الدفاع الشرعي: تنص المادة (761) من القانون المدني السوري على أنه: "من أحدث ضرراً وهو في حالة دفاع شرعي عن نفسه أو ماله أو عن نفس الغير أو ماله كان غير مسؤول على ألا يجاوز في دفاعه القدر الضروري، وإلا أصبح ملزماً بتعويض تراعى فيه مقتضيات العدالة"، فالدفاع الشرعي يبيح التعدي وبالتالي تنتفي المسؤولية الجزائية والمدنية متى توافرت شروطه كما هي مقررة في قانون العقوبات (المادة 183) وهي: ـ وجود خطر اعتداء يهدد نفس المدافع أو ماله أو عرضه، أو نفس غيره أو ماله أو عرضه، سواء وقعت بعض أفعال الاعتداء أم لا، ما دام اعتقاد المدافع وتصوره عن وجود خطر الاعتداء مبنياً على أسباب معقولة، وهي مسألة يقدرها قاضي الموضوع من دون رقابة النقض شرط سلامة الاستدلال. ـ حلول الخطر: أي أن يكون وشيك الوقوع إن لم يبادر إلى دفعه، فلا تنشأ حالة الدفاع الشرعي إذا كان الخطر مستقبلاً بعد مدة من الزمن تكفي للاستعانة بالسلطات، وكذا إذا وقع الاعتداء وانتهى، كما إذا ترك اللص المسروقات ولاذ بالفرار، أو سلم القاتل نفسه للسلطة بعد أن نفذ جريمته. لكن إذا قامت دلائل على احتمال تكرار الاعتداء فلا تزول حالة الدفاع الشرعي. ـ ألا يكون بالإمكان وقف الاعتداء بوسيلة أخرى مشروعة كالاستعانة بالسلطة، ولا يعد الهرب إن كان ممكناً وسيلة ملزمة الاتباع لأن القانون لا يفرض ما ينافي الكرامة الإنسانية. ـ أن يكون الخطر غير مشروع أي ليس استعمالاً لحق أو أداء لالتزام فلا تنشأ حالة الدفاع الشرعي عند قبض ممثل السلطة العامة على فرد، حتى في الأحوال التي لا يجيز فيها القانون القبض عليه، وكذا عند قبض أي شخص على من شاهده متلبساً بجناية أو جنحة مشهودة، فإنه لا يجوز للمقبوض عليه أن يعد نفسه في حالة دفاع شرعي ومقاومة القبض بإطلاق النار على ممثل السلطة أو الشاهد. فإذا توافرت هذه الشروط كان اعتداء المدافع مسوغاً لا يسأل عن الأضرار التي تنشأ منه، متى تمسك به أمام محكمة الموضوع. على أن الضرورة تقدر بقدرها فإذا تسلل ولد يافع ليلاً إلى حديقة المنزل لسرقة شيء من ثمارها وكانت ظروف الحال تفصح عن قصده هذا، لم يجز قتله ولا جرحه. بمعنى أن الدفاع الشرعي ينفي الخطأ والمسؤولية إذا كان بالقدر اللازم لدفع الاعتداء، فإذا جاوز هذا القدر عُدّ المدافع مخطئاً ومسؤولاً طبقاً للقواعد العامة وإن كان اعتداء المعتدي يعد ظرفاً مخففاً للمسؤوليتين الجزائية والمدنية، فلا يلزمه القاضي إلا بتعويض تراعى فيه مقتضيات العدالة تطبيقاً للقاعدة العامة في الخطأ المشترك (المادة 217 مدني سوري).

(3) ـ تنفيذ الموظف العام أوامر الرؤساء أو أوامر القانون: تنص المادة (168) من القانون المدني السوري على أنه " لا يكون الموظف العام مسؤولاً عن عمله الذي أضر بالغير إذا قام به تنفيذاً لأمر صدر إليه من رئيس، متى كانت إطاعة هذا الأمر لازمة عليه أو كان يعتقد أنها لازمة، وأثبت أنه كان يعتقد مشروعية العمل الذي وقع منه، وكان اعتقاده مبنياً على أسباب معقولة، وأنه راعى في عمله جانب الحيطة". إن أداء الالتزام كاستعمال الحق يبيح الفعل، وإذا ترتب عليه ضرر لم يستلزم مسؤولية الفاعل، سواء أكان فرداً عادياً أم موظفاً عاماً، مادام قد أدى التزامه من دون إهمال أو تقصير، كقيام مقاول بهدم بناء مخالف بناء على تكليف الإدارة إنما يشترط للإباحة أن يكون تنفيذ الالتزام تطبيقاً صحيحاً لأحكام القانون، فإذا أوجب القانون على الأطباء التبليغ عن المصابين بأمراض معينة استثناء من التزام حفظ سر المهنة، رعاية لمصلحة عامة أولى بالاعتبار، فقيام الطبيب بالتبليغ لا يُعد خطأ إلا إذا أبلغ عن أمراض غير مشمولة بالاستثناء ولو حدث بحسن نية. على أن المشرع لاحظ أن الموظفين العامين يناط بهم تسيير المرافق العامة والحيوية في المجتمع فهم جديرون برعاية خاصة، لبعث الثقة في نفوسهم عند القيام بالتزاماتهم، فقرر منع مسؤوليتهم أو تخفيفها إذا ما ارتكبوا في أداء وظائفهم أمراً مخالفاً للقانون ولكن بحسن نية. فإذا قام الموظف العام بتنفيذ أمر صحيح صادر إليه من رئيسه في حدود اختصاصه وطبقاً للقانون، أو قام رجل الشرطة بتنفيذ أمر القبض على المتهم وإحضاره، أو قام بتنفيذ أمر القانون مباشرة في حدود اختصاصه وطبقاً للقانون، كوكيل النيابة الذي يأمر بالقبض على متهم ثم تثبت براءته فلا خطأ في عمله ولا يلزم مسؤولية جزائية ولا مدنية. أما إذا نفذ الموظف العام أمراً لا تلزم طاعته لصدوره من رئيس غير مختص بإصداره أو لمخالفته للقانون فالأصل عده مخطئاً ومسؤولاً عما سببه من ضرر للغير، إلا إذا أثبت أنه كان يعتقد بحسن نية أن ما نفذه من أمر الرئيس أو القانون كان التزام الطاعة لدخوله في نطاق سلطته وعدم مخالفته للقانون، وأنه لم يتسرع في تكوين هذا الاعتقاد بل تثبت وتحرى وبنى اعتقاده هذا على أسباب معقولة طبقاً للمعيار الموضوعي للموظف المعتاد. ويقاس حسن النية بالمعيار الذاتي. ويقع على عاتق الموظف العام إثباته (المادة 168مدني سوري) وإثبات أنه راعى في تنفيذ الأمر جانب الحيطة. وينطبق الحكم المذكور على طاعة أوامر القانون، فحسب الموظف العام لكي يتخلص من المسؤولية أن يثبت أنه نفذ عن حسن نية ما يأمر به القانون، ولما اعتقد بناء على أسباب معقولة أنه داخل في دائرة اختصاصه، فإذا اتضح أن الموظف العام كان يعلم عدم مشروعية العمل الذي ارتكبه فإنه يكون مسؤولاً.

(4) ـ رضاء المضرور بالضرر أو قبول المخاطر: يُعد رضا المصاب بالضرر أو قبوله بالمخاطر من أسباب الإباحة التي ترفع وصف الخطأ عن التعدي ولكن بشرطين: الأول: صحة هذا الرضا والقبول بأن يكون صادراً من ذي أهلية كاملة وإرادة سليمة من عيوب الرضاء أي الغلط والتدليس والإكراه، فإذا كان المضرور قاصراً وجب أن ينضم إلى قبوله رضاء وليه فلا يجوز الركون إلى رضا القاصر الاشتراك في مباراة للملاكمة إلا بموافقة وليه، وينبغي أن يكون متبصراً بحقيقة مخاطر النشاط ومدى جسامتها من دون أي تدليس أو غلط، وإلا فلا عبرة لرضاه. الثاني: مشروعية الرضاء والقبول بأن يكون الحق الذي ارتضى المضرور المساس به أو تعريضه للخطر مما يجوز التصرف به تصرفاً قانونياً بالبيع والهبة والعارية… إلخ وتصرفاً فعلياً بالإتلاف، فيجوز السماح للغير بإتلافها صراحة أو ضمناً. أما غير الحقوق المالية مثل الحق في الحياة وسلامة النفس، والحريات العامة بأنواعها فالإجماع منعقد على بطلان التصرفات القانونية التي تكون محلاً لها مثل هذه الحقوق، فقتل الإنسان بناء على طلبه يُعد عملاً غير مشروع (المادة 539 عقوبات)، وكذا إصابة القابل بالمبارزة فلا ينجو الفاعل من المسؤولية (المادة 425)، يستثنى من هذا الحظر إذا كان قبول المساس بسلامة الجسم ضرورياً لحفظ حياة الإنسان، كقبول إجراء عملية خطرة رجاء النجاة من موت يبدو محققاً، وكذا إذا كان قبول تعريض الجسم لخطر الإصابة يحقق مصلحة أولى بالرعاية، كمصلحة تحسين الصحة بوجه عام، وتقوية الجسم البشري المتولدة من الألعاب الرياضية مع ما تنطوي عليه من مخاطر. على أن رضا المصاب لا أثر له حتى في هذا النطاق وتقوم المسؤولية كاملة إذا لم يراعِ المدعى عليه أصول الفن وقواعد السلامة. والإغواء لا يكون سبباًً للتعويض إلا إذا اصطحب بالخديعة والغش أو اقترن بضغط أدبي (تدليس أو إكراه)، فإذا كانت ضحية الإغواء في سن تسمح لها بتدبر العواقب فإن هذا يعد سبباً في تخفيف التعويض، وإذا كانت العلاقة الجنسية نتيجة استهواء متبادل سكن إليه الطرفان ورضيت المرأة أن تكون خليلة على علم من أقاربها فلا تعويض. لكن إذا وعد الخليل خليلته بعد أن هجرها بالتعويض كان هذا قياماً بالتزام طبيعي، بخلاف إذا ما كان الوعد سابقاً على المعاشرة وقد قصد منه إغراءها فيكون باطلاً لعدم مشروعية السبب.

(5) ـ إجازة القانون واستعمال الحق: إن استعمال الحق في الدفاع الشرعي وسائر الحقوق الأخرى كحق الزوج والولي في التأديب تأديباً خفيفاً (المادة 185 عقوبات عام)، وحق الدفاع أما القضاء (المادة 407عقوبات عام)، وحق نقد الموظفين (المادة 377 عقوبات عام) وهي حقوق تسوغ الذم والقدح، كل ذلك مادام استعمال الحق أو إجازة القانون ضمن الحدود القانونية ومن دون تعسف واتخذ الشخص في استعماله كل الاحتياطات اللازمة في استعماله من دون رعونة أو تسرع أو انحراف عن سلوك الشخص المعتاد وفي مثل الظروف الظاهرة، فإنه عندئذٍ يرتفع وصف الخطأ عن استعمال الحق وتمتنع المسؤولية المدنية عما قد ينشأ منه من ضرر للغير. كذلك حق الصيدلي في حيازة المواد المخدرة للأغراض الطبية وغيرها من أحوال إجازة القانون، التي هي منثورة في كل نصوص القانون داخل القانون المدني وخارجه، مثل قانون الأحوال الشخصية (المادة 170/3) وقوانين مزاولة المهن المختلفة مثل حق الطبيب في الإجهاض عند الضرورة.

(6) ـ التعسف في استعمال الحق: لم يعد العدوان أو التعدي قاصراً على مجاوزة الحق بل امتد ليشمل التعسف في استعماله. إن جمهور فقهاء المسلمين منذ ثلاثة عشر قرناً أو يزيد قرروا نظرية التعسف في استعمال الحق وقالوا إن التصرف الضار ضرراً فاحشاً بالغير أو ضرراً لا يناسب المصلحة المنشودة من التصرف وكذا التصرف بقصد الإضرار، أو من دون قصد الإضرار ولكن هذا الضرر نتيجة طبيعية أو غالبة لمثل هذا التصرف، أو إن كان هناك طريق آخر لتحقيق المنفعة الشخصية لصاحب الحق غير التصرف الضار، أي إن له مندوحة عنه، كل هذه التصرفات عدها جمهور فقهاء المسلمين من باب التعدي بالتسبيب الملزم للضمان. خلافاً لابن حزم الظاهري وأبي حنيفة اللذين يريان إطلاق حرية المالك في ملكه والتصرف فيه إذ لا ضرر بحسب رأيهما أعظم من منع الشخص من التصرف في ماله مراعاة لنفع غيره فهذا هو الضرر حقاً. كما لم يعترف القضاء الأمريكي بمبدأ الاستعمال المعقول للملكية بدلاً من المبدأ السابق القاضي بإطلاق حرية المالك إلا منذ منتصف القرن العشرين وتحت تأثير ضغط المصلحة العامة في حماية البيئة من التلوث، مما فتح المجال أمام إمكانية تقييد حرية المالك التي كانت مقدسة بوصفها أساس النظام القانوني (حرية الفرد)، الذي يعد حق الملكية المطلقة هو المظهر الخارجي لهذه الحرية. وتنص على استعمال الحق ومعايير التعسف في استعماله عموماً المادتان (5 و6) من القانون المدني السوري من أن من استعمل حقه استعمالاً مشروعاً لا يكون مسؤولاً عما ينشأ من ذلك من ضرر. ويكون استعمال الحق غير مشروع في الأحوال الآتية: إذا لم يقصد به سوى الإضرار بالغير، وإذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها قليلة الأهمية بحيث لا تناسب البتة ما يصيب الغير من ضرر بسببها، وإذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها غير مشروعة، كأن يستعمل الشخص حقه لتحقيق غرض غير الغرض الاجتماعي أو الاقتصادي الذي لأجل تحقيقه اعترف القانون له بالحق. كما تنص المادة (776) من القانون المدني السوري على أحد معايير التعسف في استعمال حق الملكية العقارية بوجه خاص، وهو أن يترتب على استعماله ضرر غير مألوف للجوار، وهو ما يسميه الفقه الإسلامي بالضرر الفاحش الذي يمنع الحوائج الأصلية المقصودة من حق الملكية. فالحاجة الأصلية من ملكية الدار السكنية هي السكنى، فإذا شيد الجار حائطاً في أرضه فسد النافذة في دار جاره ومنع النور كلية عنها فإن ذلك يعد ضرراً فاحشاً أو غير مألوف لأنه يحول من دون إمكانية السكنى فيه.

2ـ الضرر:

أ ـ تعريف الضرر: اصطلاحاً هو إلحاق مفسدة بالآخرين. وسواء لحقت المفسدة في مال الشخص أم في جسمه أم في شرفه أم في شعوره وعاطفته. فلا يشترط أن يكون الحق الذي حصل المساس به حقاً مالياً كحق الملكية، بل يكفي المساس بأي حق كالحق في الحياة أو في الخصوصية.

ب ـ أنواع الضرر: الضرر إذاً نوعان مادي وأدبي، والمادي هو الذي يتمثل في خسارة مالية، كما لو أفقدت الإصابة المضرور قدرته على الكسب، أو أفقد المساس بسمعة التاجر زبائنه. أما الضرر الأدبي فهو الذي يتمثل في الشعور بالألم والحزن والأسى والغم نتيجة المساس بجسد المضرور أو بماله أو بشرفه. وتلتزم محكمة الموضوع ببيان عناصر الضرر الذي قضت من أجله بالتعويض ومناقشة كل منها، وإذا لم تراعِ ذلك كان حكمها مشوباً بالقصور وجديراً بالنقض.

ج ـ شروط الضرر الموجب للتعويض: هناك عدة شروط يجب أن تتوافر حتى يكون الضرر قابلاً للتعويض:

(1) ـ يجب أن يكون الضرر مباشراً: وهو ما يكون نتيجة طبيعية للخطأ، وأما الضرر غير المباشر فلا يكون نتيجة طبيعية للخطأ، وبالتالي لا تربطه صلة سببية بخطأ المسؤول. فالضرر غير المباشر هو الذي كان المضرور يستطيع أن يتوقاه ببذل جهد معقول، وإذا لم يبذل هذا الجهد فإنه يعد مخطئاً في حق نفسه، ويكون خطؤه هو السبب الوحيد لهذه الأضرار، فتنقطع صلة السببية بين خطأ المدعى عليه وبين هذه الأضرار من طريق آخر. فإذا عطل العمل غير المشروع سيارة نقل لتاجر كان في وسع هذا التاجر أن يبادر إلى اصلاحها تحاشياً لعرقلة تجارته ـ فإن لم يفعل ـ فليس له أن يطالب بتعويض عما أصاب تجارته؛ لأن هذا الضرر كان يمكن توقيه ببذل جهد معقول، بأن يستأجر سيارة أخرى وتكون أجرتها من ضمن الأضرار المادية المباشرة القابلة للتعويض، فيعد هذا ضرراً غير مباشر. وتحديد ما يعد أضراراً مباشرة أو غير مباشرة وكذا وجود الضرر من عدمه من مسائل الواقع التي يكون فيها قاضي الموضوع غير خاضع لرقابة محكمة النقض.

(2) ـ يجب أن يكون الضرر محققاً:

> الضرر الواقع الحال والمستقبل: والضرر المحقق هو الذي وقع فعلاً كالموت والعجز، أو كان وقوعه في المستقبل أمراً حتمياً، فالضرر المستقبل المحقق يقضى بتعويضه، لأن الضرر المستقبل ضرر تحقق سببه وتراخى حدوثه، كإصابة شخص بعاهة دائمة أعجزته عن الكسب، فالعجز محقق ولكن الخسارة المالية المتمثلة في العجز عن الكسب وفوات ما كان سيربحه من عمله في مستقبل حياته يعد أكثرها ضرراً مستقبلاً، بخلاف الضرر الاحتمالي فهو ضرر لم يقع ولا يوجد ما يؤكد أنه سيقع، كخطر حريق يدعيه مالك بناء مجاور لمركز تحويل كهربائي ذي توتر عالٍ، فلا يكفي لقيام المسؤولية. وإذا لم يكن بمقدور القاضي تقدير التعويض عن الضرر المستقبل فإنه يجوز له أن يحكم بتعويض مؤقت عما وقع فعلاً، ويحتفظ للمضرور بحقه باستكمال التعويض عند استقرار الضرر نهائياً، أو يؤخر الحكم بالتعويض بصورة كلية.

> تفويت الفرصة: هناك فرق بين الضرر الاحتمالي وفوات الفرصة، وهي: حرمان الشخص من فرصة كان يحتمل أن تعود عليه بالكسب أو تجنبه الخسارة، وقد حكم مراراً وتكراراً بأنه يعد تفويتاً لفرصة ربح الدعوى عدم الترافع بها بسبب إهمال المحامي، وكتفويت فرصة استمرار العائل القتيل في الإنفاق على من ثبت أنه كان يعولهم بصفة مستمرة، سواء من يلزمه قانوناً، أم من لا يلزمه القانون الإنفاق عليهم. لكن إن كانت الرعاية المرجوة من الابن لأبيه وأمه أمراً احتمالياً فإن تفويت الأمل في هذه الرعاية أمر محقق ومن ثم يجب تعويضهما عن الكسب الفائت بفقد ابنهما. إن المسؤول هنا قد مس خطؤه بحق المدعي في انتهاز هذه الفرصة، لذا عُدّ تفويتها ضرراً محققاً، يراعى عند تقدير قيمته نسبة الفوز والخسارة، ففي تفويت ميعاد استئناف إذا ظهر أن نجاحه كان مؤكداً حكم للمستأنف بتعويض يعادل قيمة الحق الذي خسره وإلا حكم له بتعويض جزئي يناسب احتمال كسب الاستئناف، فإذا كان هذا الاحتمال معدوماً لم يحكم له بشيء، ويمكن للمحكمة في غير فوات الفرص القضائية أن تستعين بالخبرة.

(3) ـ يجب أن يكون الضرر شخصياً: أي أصاب مصلحة ذاتية يختص بها المدعي، سواء أكان شخصاً طبيعياً أم اعتبارياً، على أنه يحق للجماعات التي تتمتع بشخصية اعتبارية كالنقابات أن تطالب بالتعويض عما يمس المصالح الجماعية للمهنة التي تمثلها، ويعد هذا من قبيل الضرر الشخصي للشخص الاعتباري، فلنقابة المحامين مثلاً أن تطالب بالتعويض ضد الشخص الذي قذف في حق مهنة المحاماة أو حقر من شأنها. كما يعد الضرر المرتد ضرراً شخصياً بالنسبة إلى من ارتد عليه متى كان مباشراً كالضرر الذي يصيب الزوجة وأولادها نتيجة قتل زوجها المعيل.

د ـ صلاحية الضرر الأدبي للتعويض: كانت المحاكم أول الأمر ترفض الحكم بتعويض مالي لجبر الضرر الأدبي على أساس أنه لا يقوَّّم بالمال، ومما ينافي الآداب أن يتقاضى الإنسان ثمناً لأحزانه وغمه. أما الآن فأصبح قابلاً للتعويض، سواء أكان يكفي لجبره التعويض الأدبي العيني كالنشر في الصحف وتقديم الاعتذار، أم لا وعندئذٍ يمكن أن يحكم بتعويض نقدي يخفف من آلام المضرور. وفي الفقه الإسلامي ذهب المتقدمون من جمهور الفقهاء إلى أنه لو شتم أحد آخر أو ضربه كفاً على وجهه فآلمه ولم يترك أثراً أو يفوت منفعة فلا ضمان على الجاني، إنما يلزم تعزيره، وفي ذلك تعويض له. وقال محمد بن الحسن من أئمة الحنفية: في الضرب والجراحات التي تندمل ولا تترك أثراً أو تفوت منفعة أن فيها حكومة العدل (حكومة العدل هي جزاء يقدره القاضي، وتكون في الجناية على عضو لا يمكن فيه المماثلة سواء كانت الجناية عمدية أم غير عمدية). على أن المشرع وجد أن فتح باب التعويض عن الضرر الأدبي المرتد من موت المصاب أو إصابته من دون تحديد سيحبط المسؤول وقد يؤدي إلى إعساره، مما قد يؤثر في مصلحة المضرورين الحقيقيين أدبياً، فقرره لزوج  المصاب وأقاربه حتى الدرجة الثانية فقط (المادة 223/2مدني سوري)، وشريطة أن يثبت أن علاقة هؤلاء بالمصاب تجعلهم يتألمون لموته أو بتر عضو من أعضائه، وبكل الأحوال لا يحكم بالتعويض عن الضرر الأدبي إلا لمن طالب به أمام القضاء شخصياً، لأنه حق ذو طابع شخصي ويجري تقديره بحسب ما انتاب المدعي من الغم والأسى والحزن، وهو يختلف من شخص لآخر ولا يدخل في أموال التركة ولا يورث، إلا إذا طالب به المضرور قبل موته أو تحدد بمقتضى اتفاق (المادة 223/1 مدني سوري) لأنه عندئذٍ فقط تصير له قيمة مالية.

هـ ـ صلاحية وفاة المضرور للتعويض: إذا تسبب الفعل الضار غير المشروع بوفاة المضرور فإنه لا خلاف في استحقاقه للأضرار المادية والأدبية السابقة على موته أما عن استحقاقه تعويضاً عن موته، فقد ثار خلاف في الفقه والقضاء حول هذه المسألة، نظراً لخروج الشخص عن أهلية الالتزام بموته، وقد استقر الاجتهاد القضائي على أن الفعل الضار المفضي للموت وإن أعقبه الموت مباشرة لا بد أن يسبق الموت ولو بلحظة مهما قصرت، كما يسبق كل سبب نتيجته، وفي هذه اللحظة يكون المجني عليه مازال أهلاً لكسب الحقوق ومن بينها حقه في التعويض عن الضرر الذي لحقه وعلى حسب ما يتطور إليه هذا الضرر ويتفاقم، ومتى ثبت له هذا الحق قبل وفاته فإن ورثته يتلقونه تركة عنه، ويحق لهم بالتالي مطالبة المسؤول بجبر الضرر المادي الذي سببه لمورثهم، لا من الجروح التي أحدثها به فحسب، وإنما أيضاً من الموت الذي أدت إليه هذه الجروح لكونه من مضاعفاتها، وإذا كان الموت حقاً على كل إنسان فإن التعجيل به إذا حصل بفعل فاعل يلحق بالمجني عليه ضرراً مادياً محققاً إذ يترتب عليه فوق الآلام الجسدية التي تصاحبه حرمان المجني عليه من الحياة وهي أغلى ما يمتلكه الإنسان لكونها مصدر طاقاته وتفكيره، والقول بامتناع الحق في التعويض على المجني عليه الذي يموت عقب الإصابة مباشرة، وتجويزه لمن يبقى حياً مدة بعد الإصابة يؤدي إلى نتيجة يأباها العقل والقانون، وهي جعل الجاني الذي يقسو في اعتدائه حتى يجهز على ضحيته على الفور في مركز يفضل الجاني الذي يقل عنه قسوة وإجراماً ويصيب المجني عليه بأذى دون الموت، وفي ذلك تحريض للجناة أن يجهزوا على المجني عليهم حتى يكونوا بمنجاة من مطالبتهم لهم بالتعويض.

3ـ الصلة السببية بين الخطأ والضرر: السببية عنصر متميز من الخطأ والضرر، فمن يقود السيارة من دون إجازة سوق يعد مخطئاً، ولكن إن ألقى شخص بنفسه أمام السيارة التي يقودها ذلك الشخص بقصد الانتحار فلا يسأل عن إصابته لانتفاء السببية بين خطئه المذكور والضرر الحاصل. وتعد صلة السببية قائمة على حسب ما تقرره المادة (222/1) من القانون المدني السوري بنصها وفحواها؛ بنصها بالنسبة لتعاقب الأضرار، وبفحواها بالنسبة لتعدد العوامل التي قد تساهم في إحداث الضرر، إذا كان الخطأ يؤدي بحسب المجرى الطبيعي والمألوف للأمور إلى مثل الضرر الحاصل الذي لم يكن بمقدور المضرور أن يتوقاه ببذل عناية الرجل العادي وهو ما يسميه علماء القانون المدني بالسبب المنتج. وعليه تنص المادة (222/1) من القانون المدني السوري على أنه "…يشمل التعويض ما لحق الدائن من خسارة وما فاته من كسب بشرط أن يكون هذا نتيجة طبيعية لعدم الوفاء بالالتزام أو للتأخر في الوفاء به، ويعتبر الضرر نتيجة طبيعية إذا لم يكن في استطاعة الدائن أن يتوقاه ببذل جهد معقول". وتنقطع صلة السببية بين العنصر المادي والعنصر المعنوي في خطأ الشخص من جهة وبين الخطأ والضرر من جهة ثانية، ومن ثم تنتفي مسؤوليته إذا استطاع أن يثبت السبب الأجنبي إن لم تكن مسؤوليته بنصوص القانون موضوعية يفرضها القانون على أساس الضرر وصلة السببية بين هذا الضرر وبين نشاط المدعى عليه، ولو لم يكن هذا النشاط يعدّ خطأ. وكذلك إن وجد اتفاق على تشديد المسؤولية التقصيرية بأن رضي المدعى عليه مسبقاً بأن يلتزم بتعويض المضرور ولو كان الضرر بسبب أجنبي. فالمسؤولية الموضوعية أو المفروضة قانوناً ـ أو اتفاقاً ـ لا يمكن نفيها ولا تقبل إثبات العكس. أما المسؤولية التقصيرية فتنتفي إذا أثبت المدعى عليه السبب الأجنبي لأن السبب الأجنبي يقطع صلة السببية إما بين العنصر المادي ـ أي التعدي ـ والعنصر المعنوي في خطأ المدعى عليه، وإما بين خطأ المدعى عليه والضرر الذي أصاب المضرور، ففي الحالة الأولى ينتفي الخطأ وفي الحالة الثانية تنتفي السببية، ومن ثم تنتفي مسؤولية المدعى عليه التقصيرية في الحالتين لانعدام أحد أركانها. والسبب الأجنبي هو كل حادثة لا يد للمدعى عليه في حدوثها، كقوة قاهرة أو حادث مفاجئ، أو خطأ المضرور أو خطأ الغير أو أي حادثة أخرى. والقوة القاهرة والحادث المفاجئ عند علماء القانون المدني عموماً بمعنى واحد مادام أثرهما واحداً. ويشترط في خطأ الغير حتى يعد سبباً أجنبياً ألا يكون الخطأ واقعاً من شخص يسأل عنه المدعى عليه كتابعه أو من يتولى رقابته، لأنه عندئذٍ لا يعد هذا الشخص من الغير أساساً. وعلى مفهوم السبب الأجنبي تنص المادة (166) من القانون المدني السوري على أنه "إذا أثبت الشخص أن الضرر قد نشأ عن سبب أجنبي لا يد له فيه، كحادث مفاجئ أو قوة قاهرة أو خطأ من المضرور أو خطأ من الغير، كان غير ملزم بتعويض هذا الضرر، ما لم يوجد نص أو اتفاق على غير ذلك". وعبارة "لا يد له فيه" هي تفسير لعبارة أجنبي، فالسبب لا يقطع صلة السببية في الحالتين المذكورتين إلا إذا لم تكن للمدعى عليه يد أو دخل في حدوثه. ومثال القوة القاهرة أو ما يسميها الفقه الإسلامي بالآفة السماوية حدوث زلزال أو عاصفة مفاجئة أو فيضان. إلا أنه يشترط في السبب في الحالة الأولى أي حتى يقطع صلة السببية بين العنصر المادي (التعدي) والعنصر المعنوي في خطأ المدعى عليه ومن ثم ينتفي خطؤه ومسؤوليته ـ إضافة إلى كونه أجنبيا ًـ أن يكون غير ممكن الدفع، أي أن يجعل وفاء المدعى عليه بالتزامه ببذل العناية الواجبة، أو التزامه بعدم المساس بحقوق الغير والإضرار بها مستحيلاً استحالة مطلقة. وهذا معنى قدرة المدين على تنفيذ الالتزام حتى يعد إخلاله به خطأ، كالعاصفة المفاجئة التي تقلب السيارة على أحد المارة. فإذا كان للمدعى عليه صلة بالحادثة، بأن كان حدوثها نتيجة تدخل شخصي منه، فإنها لا تنفي الخطأ ولا تنفي السببية لأن حدوثها عندئذٍ يكون بخطأ من المدعى عليه ذاته فيسأل عنها. كذلك في الحالة الأولى إذا كانت الحادثة ممكنة التوقع والدفع فإنه يكون للمدعى عليه عندئذٍ صلة في حدوث الضرر لأنه كان بإمكانه دفع الحادثة التي أوقعته في التعدي أو التي أدت إلى حدوث الضرر. فلو قاد الشخص سيارته بعد أن ثارت العاصفة القوية فإنه يسأل عن الضرر اللاحق بالغير نتيجة انقلاب سيارته على أحد المارة. وتقاس قدرة المدين على توقع الحادثة ودفع نتائجها الضارة بمعيار الرجل المعتاد في الظروف الظاهرة نفسها التي أحاطت بالمدعى عليه. كما ينبغي أن يكون السبب الأجنبي هو العامل الوحيد في حدوث التعدي وما نجم عنه من ضرر، أو في حدوث الضرر. فإذا أسهم المدعى عليه بخطئه مع السبب الأجنبي كان هذا السبب هو قوة قاهرة تحمل المدعى عليه المسؤولية كاملة من حيث المبدأ لأن القوة القاهرة لا ينسب حدوثها إلى شخص معين يمكن أن يشارك المدعى عليه في تحمل المسؤولية. وأما إن كان السبب الأجنبي هو خطأ المضرور ذاته أو خطأ الغير فإنه يتحمل المدعى عليه المسؤولية التقصيرية بنسبة مساهمة خطئه في حدوث الضرر للمدعي، ويتحمل الباقي المضرور ذاته أو الغير بحسب الحال، ما لم يكن خطأ أحدهما قد استغرق خطأ المدعى عليه أو العكس فيجبُّ الخطأ المستغرِق الخطأ المستغرَق، ويتحمل صاحب الخطأ المستغرِق المسؤولية كاملة سواء أكان هو المدعى عليه أم المضرور أم الغير. ويستغرق أحد الخطأين الآخر إذا كان متعمداً والآخر غير مقصود، أو كان جسيماً والآخر يسيراً، أو كان الخطأ المستغرَق نتيجة للخطأ المستغرِق.

رابعاًـ الأحكام الخاصة بالمسؤولية عن فعل الغير والأشياء:

تبين أن القاعدة العامة في المسؤولية عن الفعل الشخصي تؤسس على خطأ التزام الإثبات، فالالتزام بعدم المساس بحقوق الآخرين هو التزام ببذل عناية الرجل المعتاد من حيث المبدأ، وينبغي أن يثبت المضرور انحراف المدعى عليه وعدم بذله لهذه العناية. على أن المشرع رعاية لمصلحة المضرور ونزولاً عند مقتضيات العدالة عدّ التزام عدم الإضرار بحقوق الآخرين التزاماً بتحقيق نتيجة في بعض الحالات استثناءً، فإذا ما أثبت المدعي الضرر في إحداها افترض خطأ المدعى عليه افتراضاً يقبل إثبات العكس في بعض صورها، ولا يقبله في صور أخرى، إنما يستطيع المدعى عليه أن ينفي مسؤوليته عنه بوسائل محددة قانوناً تتلخص بإثبات السبب الأجنبي. وإذا عجز تحققت مسؤوليته والتزم حكمها وهو تعويض المضرور، وإذا كانت موضوعية فإنها لا تقبل النفي مطلقاً متى تحققت شروطها. وعليه سيقسم الكلام في هذه الأحكام الخاصة إلى جزأين هما: الأول: المسؤولية عن فعل الغير. الثاني: المسؤولية عن الأشياء.

1ـ المسؤولية عن فعل الغير: الأصل أن المرء لا يسأل إلا عن خطئه الشخصي، التزام الإثبات، إلا أن المشرع استثناءً قرر مسؤولية شخص عن فعل غيره أو خطئه وهي مسؤولية متولي الرقابة ومسؤولية المتبوع عن أخطاء تابعه.

أ ـ مسؤولية متولي الرقابة: الأصل ـ كما مرـ مسؤولية الشخص عن خطئه الشخصي وهو مبدأ المسؤولية الشخصية الذي أرسته نصوص الشريعة الإسلامية ﴿ولا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء 51]. ولكن مع ذلك قررت الشريعة مبدأ مسؤولية المرء عمن هم تحت رعايته "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته". وقد استنبط الفقهاء من ذلك مسؤولية الولي والزوج عمن هم تحت رعايته إذا قصر في التزامه في حفظهم، كالقاصر والزوجة المصابة بالصرع وغير المميز إذا وقع أحدهم في نار، فعلى الولي أو الزوج الضمان. ويقتضي القياس أن يكونا مسؤولين عما يلحقه هؤلاء بأفعالهم من أضرار للغير، إلا أن الفقهاء خالفوا القياس وتمسكوا بالأصل العام القاضي بشخصية المسؤولية وألزموا ضمان الفعل الضار بغيره في ماله هو، لا في مال وليه، على الرغم من أن القاصر نفسه في ضمان وليه لو قصر في حفظه. فإذا كان للقاصر مال أدى وليه منه، وإلا بقيت ذمة القاصر مشغولة به إلى حين يساره وهو ما قد يضيع على المضرور حقه. لذا ذهب أحمد ابن حنبل في رواية مرجوحة عنه إلى أنه يحمل أبوه عنه إلحاقاً لحاجته في أداء ما وجب عليه من الضمان بحاجته إلى النفقة اللازمة على الأب إذا كان معسراً، فضمانه لا لمكان التعدي بل لمصلحة حفظ الأموال من جنس تضمين الصناع (خلافاً للقياس الذي يقتضي عدم مساءلتهم عن تلف ما في أيديهم ويعملون فيه صناعة إلا إذا ثبت تقصيرهم لأن يدهم عليه هي يد أمانة لا يد ضمان).

(1) ـ شروط مسؤولية متولي الرقابة: يشترط حتى تقوم مسؤولية متولي الرقابة توافر الشروط الآتية:

> تولي شخص رقابة شخص آخر: لا تكفي الرقابة الفعلية لقيام مسؤولية متولي الرقابة، إنما لا بد من أن يكون هناك واجب أو التزام بالرقابة، سواء أكان مصدره القانون أم العقد، وسواء أكان العقد معقوداً بين من هو بحاجة إلى رقابة ذاته ومن يتولاها متى كان الأول يتمتع بأهلية التعاقد، أم بين من يقوم بالرقابة وولي النفس أو القيم. وسواء أكان سبب هذا الالتزام أو الالتزام قِصَر الخاضع للرقابة أم حالته العقلية أو الجسمية، فمأمور السجن لا يتحمل مسؤولية من يتولى رقابتهم من المسجونين بوصفه متولياً للرقابة. فمن لم يبلغ الخامسة عشرة هو بحكم القانون بحاجة إلى الرقابة ويتولاها ويتحمل مسؤوليتها قانوناً ولي النفس أو الحاضن في فترة الحضانة، وبعدها إذا ارتضت إبقاء القاصر عندها، لأنه يدخل في سلطة ولي النفس التأديب والتطبيب والتعليم والتوجيه إلى حرفة، والتزويج، وسائر أمور العناية بشخص القاصر. كما أن من شرائط الأهلية للحضانة القدرة على صيانة الولد صحة وخلقاً (المواد 137و170و275 أحوال شخصية). فإذا بلغ القاصر الخامسة عشرة فإن ظل في كنف وليه أو حاضنته أي لا يزال خاضعاً لنفوذه وإشرافه وتوجهيه من دون أن يدخل في رعاية شخص آخر مكلف برقابته استمرت مسؤولية متولي الرقابة سواء أكان مستقلاً في مسكنه أم غير مستقل، كما هي حال طالب العلم إلى أن يبلغ سن الرشد. أما إن استقل بعد بلوغه هذه السن بشؤونه واستقل بنفسه ولم يعد في كنف أحد ولم يعد بحاجة إلى الرقابة، ولو كان لا يزال مقيماً مع وليه في مسكن واحد فإن مسؤولية متولي الرقابة عن رقابته تنتهي. ويجب أن يبين الحكم بياناً كافياً العناصر التي استنتج منها أن الولد لا يزال في كنف متولي الرقابة وإلا كان جديراً بالنقض. وتنتقل الرقابة على القاصر إلى مدير المدرسة، أو أستاذ الحرفة وذلك في فترة وجوده في المدرسة أو عند رب الحرفة، فإذا انتهت عادت الرقابة إلى من تجب عليه رعاية القاصر. وإذا كان القاصر بنتاً تزوجت انتقل التزام الرقابة إلى زوجها إن لم يكن خاضعاً للرقابة، وإلا فراعيه هو راعيها، فإذا بلغ سن الرشد انتهت رقابته ما لم يكن بحاجة إليها بسبب حالته الجسمية أو العقلية. فالمجنون أو المعتوه والمصاب بالعمى أو الشلل أو الصرع بحاجة إلى الرقابة ويتولاها قانوناً ولي النفس أو القيم أو الزوج أو الزوجة أو من تنتقل إليه الرقابة بمقتضى اتفاق كمدير مستشفى أو طبيب أو ممرض.

> صدور فعل ضار من الخاضع للرقابة: لا بد لقيام مسؤولية متولي الرقابة أن يصدر من الخاضع لها خطأ، ويكفي فيه عنصره المادي، أي التعدي، وأن يتسبب هذا التعدي بضرر للغير، فإذا كان العمل غير المشروع قد صدر من الغير وأضر بالخاضع للرقابة، كأن يعتدي شخص أجنبي على تلميذ في المدرسة أو كان الخاضع للرقابة قد ألحق الضرر بنفسه فلا تقوم مسؤولية إدارة المدرسة بوصفها متولية للرقابة، وقد تتحقق مسؤولية الخاضع للرقابة على أساس خطأ مفترض بوصفه حارساً، كأن يقود سيارة كان قد اختلسها.

(2) ـ الأساس القانوني لمسؤولية متولي الرقابة وكيفية دفعها:

> الإخلال بواجب الرقابة: يقع على عاتق متولي الرقابة اتفاقاً أو قانوناً التزام رقابة من يتولى رقابته وملاحظته حتى لا يصدر عنه تعدياً يضر بالغير، فإذا قصر في أداء هذا الالتزام كان مخطئاً خطأ يوجب مسؤوليته. وقد افترض المشرع هذا الخطأ استثناءً من حكم القاعدة العامة وافترض وجوده رعاية للمضرور، فمتى صدر تعد من خاضع للرقابة أضر بالغير، افترض خطأ من يتولى رقابته في حسن رقابته وأن هذا الإخلال هو سبب الضرر. وهذا يعني أن مسؤولية متولي الرقابة هي مسؤولية عن الخطأ الشخصي طبقاً للقاعدة العامة، كل ما في الأمر أن المشرع افترض الخطأ خلافاً للقاعدة العامة، وهو مفترض يقبل إثبات العكس. وأهمية هذا التأصيل تبرز في الحالة التي يكون فيها فعل الخاضع للرقابة جريمة جزائية حيث تتقادم مسؤولية متولي الرقابة المدنية بتقادم الدعوى الجزائية إذا كانت مسؤولية عن فعل الغير، أما إذا قيل  إن أساسها خطأ شخصي ـ وهو الرأي الراجح ـ فتخضع للتقادم الخاص بالمسؤولية التقصيرية؛ لأن خطأه هذا مستقل عن جرم الخاضع للرقابة.

> دفع مسؤولية متولي الرقابة: يستطيع متولي الرقابة أن يدرأ مسؤوليته إذا نفى خطأه بأن يثبت أنه قام بالتزام الرقابة كما ينبغي واتخذ الاحتياطات الكفيلة بالحيلولة دون الإضرار بالغير، أو أن ينفي صلة السببية المفترضة بين خطئه والضرر الحاصل، بأن يثبت المكلف بالرقابة أن قيامه بالتزام الرقابة كما ينبغي لم يكن من شأنه أن يحول دون وقوع الفعل الضار من الخاضع لرقابته، كأن يقيم الدليل على أن العمل غير المشروع قد وقع من الخاضع للرقابة بصورة مفاجئة فلم يكن بالوسع توقعه أو تلافيه. وهذا لا يتحقق إلا إذا ثبت لمحكمة الموضوع أن المفاجأة في وقوع الفعل الضار بلغت حداً ما كانت تجدي معه الرقابة في منع وقوعه، وأن الضرر كان لا بد واقعاً حتى لو قام متولي الرقابة بما ينبغي له من حرص وعناية، وإن تقدير المفاجأة في وقوع الحادث تستقل به محكمة الموضوع ولا تجوز إثارته أمام محكمة النقض.

> رجوع متولي الرقابة على الخاضع للرقابة (خصائص مسؤولية متولي الرقابة): إذا كان الخاضع للرقابة مميزاً كانت مسؤوليته أصلية، فإذا رجع عليه المضرور واستوفى منه التعويض كله انتهى الأمر عند هذا الحد، فلا يحق للمضرور أن يرجع على المكلف بالرقابة لأنه لا يجوز له أن يحصل على تعويضين، كما لا يكون للخاضع للرقابة أن يرجع على متولي الرقابة بشيء إلا إذا أثبت الخاضع للرقابة وقوع خطأ في جانب متولي الرقابة، لأنه لا يستطيع أن يتمسك في مواجهته بخطأ متولي الرقابة المفترض لأن الافتراض تقرر لمصلحة المضرور. فعندئذٍ يمكن توزيع المسؤولية بينهما طبقاً لقواعد الخطأ المشترك. وإذا رجع المضرور على المكلف بالرقابة فله أيضاً الرجوع بما دفع على الخاضع للرقابة بصفة كلية أو جزئية على حسب ما يثبت في جانب متولي الرقابة من خطأ (المادة 176 مدني سوري). أما إذا كان الخاضع للرقابة عديم التمييز فلا يرجع متولي الرقابة عليه بشيء لأنه غير مسؤول قانوناً وإن مسؤوليته الاستثنائية تتقرر لمصلحة المضرور لا لمصلحة متولي الرقابة.

(3) ـ موقف الفقه الإسلامي من مسؤولية متولي الرقابة: الفقه الإسلامي لا يأخذ بمبدأ المسؤولية عن فعل الغير لأن المبدأ العام في الشريعة هو المسؤولية الشخصية، إلا أنه مراعاة لقواعد العدالة ودفعاً للضرر عن المتضرر، فإن المتسبب في إحداثه يسأل عن فعله. والعلاقة بين متولي الرقابة والخاضع لها هل علاقة بين المتسبب بالضرر وهو متولي الرقابة وبين المباشر للضرر وهو الخاضع للرقابة. والقاعدة في الفقه الإسلامي أنه إذا اجتمع المباشر والمتسبب في الضرر فإنه يقدم المباشر على المتسبب ما لم يكن المتسبب هو العامل الأهم والأقوى في إحداث الضرر، فيسأل الأولياء والأوصياء عن فعل من هم في رقابتهم إذا صدر منهم ما يوجب الضمان كالتقصير في الحفظ عمداً أو الإغراء بالإتلاف أو التسليط على الضرر أو الأمر به، فإذا كان إهمال متولي الرقابة هو السبب في وقوع الفعل الضار من الخاضع للرقابة فإن الأول يكون ضامناً.

ب ـ مسؤولية المتبوع عن أخطاء تابعه: يسأل المتبوع وفقاً للقواعد العامة إذا ثبت أنه أساء اختيار خادمه أو تابعه أو أنه أخطأ فيما أصدره إليه من أوامر أو قصر في رقابته، ويقع على عاتق المضرور إثبات ذلك، إنما غالباً ما يعجز عن إثبات خطأ المتبوع في ذلك لأنه لا توجد صلة قانونية بينه وبين المتبوع في الفترة السابقة على وقوع الضرر، ولا يعرف عنه شيئاً، فخفف عنه القانون المدني (المادة 175) عبء الإثبات، وعد مسؤولية المتبوع عن أخطاء تابعه متحققة حكماً متى ثبتت مسؤولية التابع.

(1) ـ الأساس القانوني لمسؤولية المتبوع: اختلفت الأنظار الفقهية والاجتهادات القضائية في تأصيل مسؤولية المتبوع عن أخطاء تابعه.

> الخطأ المفترض: يبني هذا الرأي مسؤولية المتبوع عن أخطاء تابعه على أساس خطأ مفترض من المتبوع يتمثل في سوء اختياره لتابعه وتقصيره في رقابته فرضاً لا يقبل إثبات العكس، وقد أخذت محكمة النقض المصرية بهذا الرأي في بعض أحكامها وهذا الرأي منتقد من حيث إن المتبوع لا يستطيع أن يدفع مسؤوليته وإن أثبت السبب الأجنبي بخلاف حكم سائر المسؤوليات القائمة على خطأ مفترض لا يقبل إثبات العكس.

> تحمل التبعة: اتجه قسم آخر من الشراح إلى عد مسؤولية المتبوع مسؤولية موضوعية تقوم على أساس الضرر، أي على فكرة تحمل التبعة، إلا أن هذا منتقد من حيث إن مسؤولية المتبوع تبعية تقوم إلى جانب مسؤولية التابع لا تجبها ولا تقوم مقامها.

> النيابة القانونية: اتجه بعض الشراح إلى تأسيس مسؤولية المتبوع على فكرة النيابة القانونية، نيابة التابع عن المتبوع، ولكن انتقدت هذه النظرية من حيث إن النيابة القانونية لا تكون إلا في التصرفات القانونية دون الأعمال القانونية المادية كحالة الفعل الضار الصادر من التابع. وهو الأساس الذي بنى عليه الفقه الإسلامي مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه وهو يماشي أحكام هذه المسؤولية في الفقه الإسلامي، وخاصة هي في الفقه الإسلامي مسؤولية شخصية للمتبوع لا يستطيع الرجوع فيها على التابع، عكس ما هو مقرر في فقه القانون المدني السوري فالخطأ الوظيفي من التابع تنتج آثاره وينسب إلى المتبوع كما لو كان صادراً عنه؛ لأن التابع يقوم بهذا الفعل نيابة عنه.

> الضمان أو الكفالة القانونية: أي إن المتبوع يعد بحكم القانون كفيلاً متضامناً مع تابعه تجاه الغير كفالة مصدرها القانون وليس العقد، وقد أخذت محكمة النقض المصرية في بعض أحكامها بهذا الأساس، وهو الأساس الذي يماشي  خصائص مسؤولية المتبوع في القانون المدني السوري، وهذه الخصائص هي أنها مباشرة: أي يمكن أن ترفع دعواها على المتبوع مباشرة من دون إدخال التابع، إنما يمكن للمتبوع أن يرجع في دعوى المضرور ذاتها تجاهه، بدعوى الضمان الفرعية على التابع. وفرعية: بمعنى أن للمتبوع أن يتمسك في مواجهة المضرور بكل وسائل الدفاع التي يمكن للتابع أن يتمسك بها، إنما لا يسعه أن يدفع مسؤوليته بأي سبب خاص به أو أن يتذرع بعدم صدور خطأ منه ولا حتى بإثبات السبب الأجنبي ما حمل بعضهم على عدها من تطبيقات المسؤولية الموضوعية. وتبعية: أي إنها ليست مسؤولية شخصية أصلية إنما تابعة لمسؤولية التابع ومسؤولية التابع هي المسؤولية الأصلية، ولذا يحق للمتبوع أن يرجع بكامل ما دفع على التابع، لأنه مجرد ضامن له ما لم يثبت التابع أن المتبوع قد صدر منه خطأ شخصي كما لو أثبت أنه في خطئه قد نفذ وتقيد بتعليمات المتبوع، وتتقادم دعوى رجوع المتبوع على التابع بالتقادم الخاص بالمسؤولية التقصيرية.

(2) ـ شروط مسؤولية المتبوع: يشترط من أجل قيام مسؤولية المتبوع عن أعمال التابع توافر الشروط الآتية:

> قيام علاقة التبعية: يتيعين لقيام هذه المسؤولية وجود علاقة تبعية بين المسؤول الأصلي والمسؤول التبعي قوامها خضوع الأول لرقابة الثاني وتوجيهه في أداء العمل وطريقة أدائه الذي كلفه القيام به، استناداً إلى سلطة فعلية يتمتع بها الثاني في إصدار الأوامر والتعليمات للأول ومحاسبته. وتقدير وجود علاقة التبعية مسألة موضوعية تفصل فيها محكمة الموضوع بغير معقب ما دامت تقيم قضاءها على أسباب سائغة. وتنشأ علاقة التبعية في الغالب من عقد العمل، ولكن لا يلزم أن يكون المتبوع قد اختار تابعه، فالعبرة بالسلطة الفعلية وإن كان التابع قد فُرض على المتبوع، ولا يملك أمر فصله، كما هو الشأن في المجندين تجنيداً إجبارياً، أو فيمن يخصص لخدمة شخص معين من قبل هيئة من الهيئات، ويستوي أن يكون التابع مأجوراً أم غير مأجور، وأياً كانت صيغة العقد الذي أنشأ علاقة التبعية. ومن ثم يعد تابعاً الخادم في علاقته بمخدومه، والسائق في علاقته بصاحب السيارة، والموظف في علاقته بالحكومة، والجندي في علاقته بوزارة الدفاع. وإذا ترك الأب ابنه أو الصديق صديقه يقود سيارته وأشرف عليه في قياتها عد الابن أو الصديق تابعاً. في حين لا يعد المقاول تابعاً لرب العمل، ولا الطبيب الذي يعمل في مستشفى لحسابه بالنسبة إلى إدارة المستشفى، ويعد تابعاً لها إذا كان يعمل لحسابها لقاء مرتب يتقاضاه. إنما بكل الأحوال لا بد لقيام التبعية أن تكون الرقابة والتوجيه والسلطة الفعلية بخصوص عمل معين يقوم به التابع لحساب المتبوع، تمييزاً لمسؤولية متولي الرقابة من مسؤولية المتبوع. ولا يخل بوجود التبعية أن يكون المتبوع ـ صاحب السلطة الفعلية في إصدار الأوامر لتابعه في طريقة أداء عمله ـ هو ذاته خاضعاً لإشراف جهة أعلى منه، فالجمعية التعاونية الفلاحية هي المتبوعة بالنسبة إلى العامل لديها، وخضوعها لرقابة الجهة الإدارية المختصة (وزارة الزراعة) لا يفقدها شخصيتها الاعتبارية وأنها صاحبة السلطة الفعلية على عمالها. في حين أنها تعد تابعة للوزارة فيما يصدر عنها هي من أخطاء مادامت تخضع لرقابتها وتملك وقف تنفيذ قراراتها. على أن الرقابة على حسن تنفيذ الأعمال ومطابقتها للمواصفات لا تكفي لقيام رابطة التبعية كرقابة رب العمل على المقاول وهي ما تسمى بالرقابة العامة. إن صفة المتبوع لا تثبت إلا لمن يملك قانوناً أو فعلياً إصدار التعليمات إلى غيره ممن يعملون لحسابه في كيفية أداء عملهم، أياً كانت طبيعة العلاقة التي تربطهما، أو مركز أحدهما من الآخر، فالأب يمكن أن يعد تابعاً لابنه إذا ساعده على عمل للابن وكان يأتمر بأوامر ولده بخصوص العمل. والأصل أن أصحاب المهن الحرة كالأطباء والمهندسين والمحامين يحتاجون إلى استقلال في ممارسة أعمالهم، فلا يعدون تابعين إلا أن أحدهم إن تنازل عن استقلاله ولو بالمخالفة لقوانين مزاولة المهنة لا يحول دون عده تابعاً لمن يعمل لمصلحته. والعبرة بوجود السلطة الفعلية للمتبوع والقدرة على استخدامها في رقابة تابعه، سواء استخدمها أم لا، وسواء أكان استخدامه لها قليلاً أم كثيراً. والسؤال هل يشترط لقيام علاقة التبعية أن يكون المتبوع قادراً على التوجيه والرقابة من الناحية الفنية؟ بعض الشراح وأحكام القضاء لا تشترط ذلك وتكتفي بقدرة المتبوع على التوجيه من الناحية الإدارية. فمالك الصيدلية ولو لم يكن صيدلياً يعد متبوعاً بالنسبة لمستخدمه الصيدلي. في حين ذهبت بعض أحكام المحاكم مؤيدة برأي بعض الشراح في مصر إلى القول إنه متى كان العمل فنياً وصاحب العمل ليس من أهل ذلك الفن، فإنه لا يكفي لقيام رابطة التبعية رضاء العامل بأن يكون تابعاً لصاحب العمل سواء كان رضاه صحيحاً أم لا مادام رب العمل عاجزاً عن مباشرة حق الرقابة من الناحية الفنية بنفسه أو بمن يمثله في ذلك. فإدارة المستشفى مثلاً لا تسأل عن أخطاء الطبيب إلا إذا كان غير حائز للمؤهلات العلمية الفنية اللازمة، وأن الطبيب لا يعد بوجه عام تابعاً للجهة التي يعمل فيها إلا إذا كان مدير هذه الجهة طبيباً مثله يمكنه رقابة عمله، غير أنه فيما لا يتصل بصميم عمله الفني، أي فيما يتصل بالنواحي الإدارية لعمله يصح أن يبقى الطبيب خاضعاً لرقابة من استخدمه فيعد تابعاً له فيما يتعلق بأداء الالتزامات العامة التي تفرضها عليه وظيفته. وما دام أساس مسؤولية المتبوع فكرة الضمان القانوني فلا مانع من تحققه ولو كان المتبوع غير مميز، ويمارس سلطة الرقابة والتوجيه على تابعه بوساطة نائبه الشرعي من ولي أو وصي أو قيم. بقيت الإشارة إلى أن وجود علاقة التبعية لا يتوقف على تحديد شخص التابع الذي وقع منه الفعل الضار، ما دام ثبت وقوعه من أحد تابعي المتبوع، ولا تتوقف صحة مطالبة المتبوع على مطالبة التابع، بل تصح مطالبة المتبوع ولو تنازل المضرور عن حقه في مطالبة التابع على خلاف التزام الكفيل بالنسبة لالتزام المدين الأصلي. وتقوم علاقة التبعية بين المتبوع وتابع تابعه ولو كان تعيينه قد تم من التابع ما دام رخص المتبوع له في ذلك أو أقره عليه، بل يكفي أن يكون التابع قد تزيد في تعيينه مادام للمتبوع الأصلي على تابع التابع سلطة الرقابة والتوجيه في كيفية أداء عمله الذي عينه له التابع لحساب متبوعه. ولا يجوز أن يعد الشخص ذاته تابعاً في وقت واحد لمتبوعين مختلفين ومستقلين كل منهما عن الآخر، ولذلك إذا أجر صاحب مرآب (كراج) إلى عميل له إحدى سياراته مع سائقها مشاهرة أو أعار شخص سيارته إلى صديق له فيعد المستأجر أو المستعير متبوعاً عرضياً بالنسبة إلى السائق طوال مدة الإجارة أو الإعارة، ما لم يثبت أن المؤجر أو المعير احتفظ لنفسه بسلطة التوجيه والرقابة على السائق. لا يستثنى من ذلك إلا أن يكون التابع مكلفاً بعمل لمصلحة سيدين مشتركاً وخاضعاً في أدائه لتعليماتهما معاً فيعد حينئذٍ تابعاً لهما معاً كل منهما فيما له حق توجيهه فيه. وليس بالأمر الهين الجزم بانتقال سلطة التوجيه والرقابة للمتبوع العرضي وحدوده ومداه، ويمكن الاستدلال على ذلك من بنود العقد أو بالقرائن الملابسة كزمان الإعارة أو الإجارة من حيث طولها أو قصرها.

> خطأ التابع: تبين أن مسؤولية المتبوع تبعية تدور وجوداً وعدماً مع تحقق مسؤولية التابع، وهذا يستلزم قيام التابع بعمل غير مشروع يسبب ضرراً للغير، وإذا انتفت مسؤوليته لأي سبب انتفت تبعاً لها مسؤولية المتبوع، كما لو كان التعدي قد وقع من التابع وهو فاقد التمييز. وسواء أكانت مسؤولية التابع قد تحققت بناءً على خطأ ملزم الإثبات أم أنها من المسؤوليات القائمة على خطأ مفترض كما لو كان متولياً رقابة غيره أو حارساً لشيء تتطلب حراسته عناية خاصة. والموظف في علاقته بالدولة لا يسأل عن التعويض إذا كان ما وقع منه خطأ مصلحي أو مرفقي، وترجع عليه الدولة بما حكم به عليها من تعويض إذا كان خطأ شخصياً، ولا يعد ما وقع منه خطأ شخصياً إلا إذا كان خطأ جسيماً أو كان مدفوعاً فيه بعوامل شخصية قصد بها مجرد النكاية أو الإيذاء، أو تحقيق منفعة ذاتية له أو لغيره. ويشترط لقيام مسؤولية المتبوع أن يكون المتضرر من خطأ التابع شخصاً آخر غير التابع المخطئ لأنها تقررت لمصلحة الغير لا لمصلحة التابع، ولو كان المتضرر تابعاً آخر للمتبوع.

> وقوع الخطأ من التابع حال تأدية وظيفته أو بسببها: إذا كان أساس مسؤولية المتبوع نيابة التابع له أو ضمانه فإنه يجب أن تقتصر على الأخطاء التي تقع من التابع وتتصل بوظيفته أو عمله لدى المتبوع، غير أن تحديد ما يعد وما لا يعد داخلاً في حدود وظيفة التابع ليس بالأمر السهل، ولكن لا يجوز بكل الأحوال التوسع بهذا النطاق بحيث يجعل المتبوع مسؤولاً عن كل خطأ يقع من تابعه، ولا التضييق فيه بحيث تفقد هذه المسؤولية كل فائدة عملية مرجوة منها، وقد اشترط المشرع أن يكون الخطأ قد صدر من التابع حال تأدية وظيفته أو بسببها. وخطأ التابع يعد واقعاً حال تأديته الوظيفة، إذا صدر منه وهو يؤدي عملاً من أعمال الوظيفة، ويعد من هذا القبيل اختلاس ساعي البريد للخطاب أو تضييعه، أو قيام شرطي الحراسة بسرقة الشخص أو المكان المكلف بحراسته. ويعد خطأ التابع بسبب الوظيفة إذا لم يكن ليفكر أو ليستطيع ارتكابه لولا الوظيفة، وهناك جملة قرائن تفيد وجود هذه الصلة إلى أن يثبت العكس أي انقطاعها بين خطأ التابع والوظيفة، كوقوع الخطأ في المكان والزمان المخصصين للوظيفة أو لمصلحة المتبوع، وهي مسألة يقدرها القاضي من دون رقابة مادام تسويغه للحكم سليماً. فمجرد قيادة التابع للسيارة العسكرية يحقق مسؤولية وزارة الدفاع؛ لكون التابع لم يستلمها إلا بمعرض ممارسته لأعمال وظيفته، سواء أكان بمهمة رسمية أم لا. والدولة ملزمة بالتعويض عن خطأ تابعها أو رعونته أو إهماله وعدم احتياطه أو مخالفته للقوانين في حال تأدية الوظيفة أو بسببها ولو كان مسيئاً استعمال وظيفته أو متجاوزاً حدود سلطتها أو مخالفاً تعليمات المتبوع. بكل الأحوال لا يكفي أن تكون الوظيفة قد هيأت للتابع فرصة ارتكاب الفعل الضار لتقوم مسؤولية المتبوع عنه كأن يستخدم تابع الجزار سكين الجزارة ليرتكب جريمة قتل، إلا إذا كان الخطأ مرتبطاً بالوظيفة ارتباطاً وثيقاً ومباشراً، بحيث لو لم تكن الوظيفة ما استطاع التابع ارتكاب الفعل الضار، أي إن الوظيفة عنصر ضروري لارتكاب الخطأ، سواء ارتكبه لمصلحة المتبوع أم عن باعث شخصي. فإطلاق خفير عياراً نارياً يعد خطأ حال تأدية الوظيفة، إذا أطلقه وهو يضبط المتهم فأصاب مقتلاً منه، ويعد بسبب الوظيفة أي إنها ضرورية لوقوعه من الخفير، كما إذا استدرج الخفير إلى المخفر زوج امرأة أحبها، فأطلق عليه عياراً فقتله لتخلص له زوجته، في حين لو ذهب إليه إلى مسكنه في غير وقت العمل وأطلق عليه النار من سلاح الحكومة، فهذا خطأ لا يعد بسبب الوظيفة لأنه كان يستطيع قتله بسلاح آخر غير سلاح الحكومة، كل ما في الأمر أن سلاح الحكومة هيأ له فرصة ارتكاب جريمة القتل، فتكون الحكومة مسؤولة في الحالتين الأوليين وغير مسؤولة عنه في الثالثة. ويشترط لقيام مسؤولية المتبوع عما يرتكبه التابع من أخطاء مجاوزاً حدود وظيفته ألا يكون المصاب قد عامل التابع وهو يعلم أو ينبغي أن يعلم أنه قد جاوز حدود وظيفته، كما لو كان المصاب عالماً أن التابع قد اختلس سيارة مخدومه للنزهة فأصيب في أثناء ركوبه مع التابع، وألا يكون ارتكاب التابع للفعل الضار بدافع شخصي كحقد أو ثأر، فإذا ارتكب الخطأ حال تأدية وظيفته بدافع الانتقام قامت مسؤولية المتبوع، كما إذا كلف الخفير حراسة الصراف في ذهابه لإيداع الأموال المتحصلة فاغتاله في الطريق واختلس ما في عهدته من أموال، أما إذا ارتكبه بسبب الوظيفة مجاوزاً حدودها أو مسيئاً استعمالها أو بدافع الانتقام فلا تقوم مسؤولية المتبوع لأن دور الوظيفة يقتصر هنا على تهيئة الفرصة للخطأ، كما إذا اختلس السائق عربة سيده ليستعملها في أمر خاص به دون سيده فصادف في طريقه غريماً له فدهسه انتقاماً فلا يسأل المتبوع.

2ـ المسؤولية عن الأشياء: تقوم المسؤولية عن الأشياء خلافاً للقاعدة العامة على أساس خطأ مفترض، رعاية لمصلحة المضرور، وقد حدد المشرع ماهية الأشياء التي تقوم عليها هذه المسؤولية وشروطها، وهي بوجه الإجمال تستند إلى أساس قانوني واحد، وتندفع بطرائق محددة، ويتحملها شخص محدد. وسوف يخصص جزءاً لشروط هذه المسؤولية وآخر لأحكامها.

أ ـ شروط المسؤولية عن الأشياء:

(1) ـ ماهية الأشياء موضوع هذه المسؤولية: لا تقوم هذه المسؤولية الاستثنائية في قواعد إثباتها ونفيها ما لم يكن الضرر قد وقع بفعل شيء من الأشياء التي حدد المشرع ماهيتها لقيام هذه المسؤولية وهي: الحيوان، البناء، والأشياء غير الحية التي تتطلب حراستها عناية خاصة (المواد من 177 وإلى 179 مدني سوري).

> الحيوان: يشترط لقيام المسؤولية عن فعل الحيوان أن يكون الضرر قد وقع بفعل حيوان حي مملوك لأحد الأشخاص، فإذا كان الحيوان ميتاً أو غير مملوك كالطير في السماء والسمك في الماء، ووحوش الغابات فلا يسأل عنه أحد، والحيوانات السائبة كالجراد والطيور التي ليست في حراسة أحد ولا يملكها أحد لا يسأل مالك الأرض التي تنزل هذه الحيوانات بأرضه عما تسببه من ضرر للغير ما لم يثبت أن ذلك راجع إلى خطئه وفقاً للقواعد العامة. وتقوم هذه المسؤولية عن أي ضرر يقع للغير من طريق الحيوان، كالأذى الذي يصيب الشخص من عضة كلب أو رفسة جواد، وكانتقال العدوى من حيوان مريض إلى حيوانات سليمة، وإتلاف أي مال بفعل الحيوان، أما إذا أوقع الحيوان الأذى بنفسه، كأن يختنق بالحبل الذي ربط به فلا تقوم المسؤولية عن نفق هذا الحيوان إلا بناء على خطأ ملزم الإثبات في جانب حارسه.

> تهدم البناء: يقصد بالبناء بوصفه موضوعاً لهذه المسؤولية مجموعة مواد جعلت يد الإنسان منها وحدة متماسكة ومتصلة بالأرض اتصال قرار، بحيث تصير عقارات بطبيعتها، فالمغارات لا تصلح لهذه المسؤولية لأنها ليست من تشييد الإنسان، وأياً كانت طبيعة مواد البناء: من طين، خشب، حجارة، إسمنت، أو حديد. وقد يكون البناء للسكن أو للتجارة، أو للتخزين، أو لإيواء الحيوانات، أو نصباً تذكارياً… إلخ. وسواء أكان مشيداً في باطن الأرض كالأنفاق، والمجاري، وأنابيب المياه، أم فوق سطح الأرض كالجسور، والأبراج والعمائر، وسواء أكان البناء جديداً أم قديماً، تم تشييده أم لا يزال في طور التشييد، ولا تتحقق هذه المسؤولية إلا إذا كان الضرر ناشئاً من تهدم البناء، أي من تفكك أجزائه كلياً أو جزئياً وانفصالها عنه أو عن الأرض المشيد عليها، كانهيار البناء أو سقوط أحد جدرانه أو سقفه، أو بعض أبواب شرفاته أو درجات سلمه أو بعض أجزاء زخرفته فإذا وقع الضرر نتيجة انزلاق قدم المصاب على أرضية البناء لأنها ملساء، أو لسقوطه من إحدى المطلات التي لا حاجز لها أو نتيجة احتراق البناء، ولو انهار عقب الحريق مباشرة فلا محل في هذه الأحوال لتطبيق أحكام مسؤولية حارس البناء لأن الضرر لم يقع من تهدم البناء.

> الأشياء غير الحية التي تتطلب حراستها عناية خاصة: يشترط لقيام المسؤولية عن فعل الشيء الخطر (غير الحيوان وتهدم البناء) أن يكون من الآلات الميكانيكية أو الأشياء التي تتطلب حراستها عناية خاصة، وقد خص المشرع بالذكر الآلات الميكانيكية، فهي تعد بذاتها من الأشياء التي تتطلب حراستها عناية خاصة لأنها تتحرك بقوة دفع ذاتية كالسيارات والطائرات والقطارات والمصاعد الكهربائية والآلات في المصانع والجرارات.. إلخ. فإذا لم يكن الشيء من الآلات الميكانيكية فلا بد أن يكون من الأشياء التي تتطلب حراستها عناية خاصة، ويوجد بهذا الصدد مذهبان: مذهب يقصر هذه الأشياء على الأشياء الخطرة بطبيعتها وبالتالي تحتاج إلى حراسة خاصة بطبيعتها كالطاقة الكهربائية، والمواد البترولية والكيمياوية والمفرقعات والأسلحة غير الميكانيكية مثل السيوف والسكاكين…إلخ. والمذهب الآخر يضيف إلى الأشياء الخطرة بطبيعتها الأشياء الخطرة بحسب الظروف والملابسات التي أحاطت بالشيء وقت حدوث الضرر بسببه، وإن كانت بطبيعتها لا تحتاج إلى حراسة خاصة. فالشجرة ليست خطرة في وضعها الطبيعي، لكن إذا اقتلعتها الريح وألقت بها في عرض الطريق أصبحت شيئاً خطراً، وكذا إذا دهن السلم بمادة لزجة، والحقيقة أنه لا يمكن التسليم بهذا الرأي لأن كل الأشياء غير الحية تصبح في ظروف معينة من الأشياء التي تحتاج إلى حراسة خاصة وهذا يخالف مقاصد المشرع من تقرير هذه المسؤولية الاستثنائية في قواعد إثباتها ونفيها، ويعارض روح التشريع الذي قصد قصرها على الأشياء الخطرة بطبيعتها. أما الأشياء التي لا يلازمها الخطر بطبيعتها فلا تقوم مسؤولية حارسها إلا وفقاً للقاعدة العامة بإثبات الخطأ في جانبه، وهي مسألة سهلة نظراً للظروف المحيطة بالشيء، وهذه بدورها من مسائل القانون أيضاً.

> صلة السببية بين فعل الشيء والضرر: لا يكفي أن يوجد ضرر وشيء في حراسة المدعى عليه لقيام هذه المسؤولية، بل لا بد لقيامها من أن يثبت المدعي أن الشيء موضوع الحراسة هو الذي ألحق به الضرر، ولا تقوم صلة السببية بين الشيء والضرر إلا إذا كان دور الشيء إيجابياً في حدوثه، كأن تدهس السيارة عابراً في أثناء تحركها. لأنه يجب لعد الشيء أنه مصدر الضرر أن يكون هو السبب المنتج لهذا الضرر، ولا يكون كذلك إلا إذا كان في وضع شاذ من شأنه إحداث الضرر بحكم السير العادي للأمور، أما إذا كان الشيء مجرد سبب عارض فإنه لا يعد مصدراً للضرر. فإذا كان دور الشيء سلبياً، كما إذا ارتطم شخص بسيارة واقفة فلا يعد الشيء هو السبب في حدوث الضرر ولا تقوم هذه المسؤولية إلا إذا كانت السيارة في وضع غير طبيعي، سواء أكان الذي وضعها هذا الوضع الشاذ حارسها أم غيره، فلا يقصد بإثبات الدور السلبي نفي خطأ الحارس، فهما مسألتان متميزتان. ويفترض أن تدخل الشيء كان إيجابياً إلى أن يثبت المدعى عليه أن دور الشيء كان سلبياً، وعندئذٍ لا تقوم مسؤوليته إلا بإثبات الخطأ في جانبه. على أنه لا يلزم أن يكون الشيء قد اتصل مادياً بالجسم أو المال الذي لحق به الضرر، كما لو جمح جواد وانطلق في الطريق يثير الذعر بين المارة، أو انفجر محرك أو مادة مفرقعة وأحدثت دوياً، تسبب في سقوط بعض المارة وإصابتهم بكسور أو جروح، أو تلف بعض الأموال. وتوافر صلة السببية بين الشيء والضرر مسألة موضوعية يقدرها القاضي من دون رقابة من محكمة النقض. ويعد الضرر حاصلاً بفعل الشيء ولو كان ذلك الضرر قد حدث من الشيء حال خضوعه لتوجيه الإنسان، بأن كان يقود السيارة مثلاً، أو يمتطي الجواد، وخاصة مع القول باقتصار هذه المسؤولية عن الأشياء (غير الحيوان والبناء) على الأشياء التي يلازمها الحظر بطبيعتها؛ لأن المقصود ليس فعل الشيء أو الحيوان بمعنى الكلمة بل مجرد إفلاته من الحراسة، الذي يفترض معه إخلال الحارس بالتزام الحراسة بمجرد وقوع الضرر بسبب الشيء سواء أكان في قبضة حارسه أم لا. وقد مر أن المسؤولية عن ضرر البناء لا تتحقق إلا إذا كان الضرر نتيجة تهدمه، فإذا اصطدم المضرور بجزء منه أو أصيب بسبب انغلاق أحد الأبواب على أصابعه فلا تقوم المسؤولية عن البناء.

ب ـ أحكام المسؤولية عن الأشياء:

(1) ـ أطراف المسؤولية عن الأشياء:

> المسؤول هو حارس الشيء: إن مسؤولية الضرر الذي يقع بفعل الشيء (حيوان ـ بناء ـ أشياء جامدة تتطلب حراستها عناية خاصة) تقع على عاتق حارسه وقت حدوث الضرر بفعل الشيء. وحارس الشيء هو من تكون له عليه السيطرة الفعلية لحساب نفسه لا لحساب غيره وقت وقوع الضرر، سواء أكان له حق على الشيء أم لا، وسواء أكان الشيء في حيازته المادية أم لا. والمقصود بالسيطرة الفعلية: أن يكون بمقدور الشخص استعمال الشيء وتوجيهه ورقابته والتصرف بأمره وهو العنصر المادي للحراسة، وأن تثبت له هذه المقدرة ليباشرها لحساب نفسه لا لحساب غيره وهذا هو العنصر المعنوي للحراسة.

> العنصر المادي للحراسة: العبرة في هذا العنصر بتوافر سلطة الرقابة والتوجيه على الشيء، سواء أكان صاحب السيطرة الفعلية شخصاً طبيعياً أم اعتبارياً، فشركة الكهرباء هي الحارس لشبكة الكهرباء في المناطق التي تتولى فيها توزيع الطاقة الكهربائية. والأصل أن حارس الشيء هو مالكه، ولكن هذه القرينة القانونية بسيطة تقبل إثبات العكس، بأن يثبت المالك أن السيطرة الفعلية وسلطة الاستعمال والتوجيه والرقابة وقت حدوث الضرر قد انتقلت منه إلى شخص آخر، وسواء أكان انتقالها بإرادته كصدور تصرف قانوني منه كالإجارة والعارية والبيع مع التسليم ولو بناءً على عقد لم يسجل بعد، أو بناءً على عقد باطل، أم من دون إرادته كالسرقة والاختلاس والغصب. وإذا سلم المالك الشيء إلى شخص آخر يحترف حفظه أو صيانته أو إصلاحه، كالميكانيكي أو المقاول، أو صاحب مرآب (كراج) معد لحفظ السيارات، فإنه تكون له حراسة على الشيء بالقدر الذي تستلزمه حرفته أو مهنته، وهي فكرة تجزئة الحراسة، ما لم يكن يمارس حرفته أو مهنته في خدمة مالك الشيء بحيث يعد من تابعيه، وإذا تخلفت نية نقل السلطة على الشيء فإن الحراسة تظل للمالك ولو سلم الشيء إلى الغير، وهي مسألة موضوعية يقدرها القاضي من دون رقابة مادام تعليله سائغاً. والحراسة القانونية بالمعنى المحدد لها وهو استخدام وإدارة والسيطرة على الشيء لا تتعارض مع تمييز الحارس أو عدم تمييزه. ومثلما يمكن للمتبوع غير المميز أن يباشر سلطته على التابع بوساطة نائبه الشرعي يمكن للحارس غير المميز أن يمارس سلطته على الشيء بوساطته أيضاً، فالولي والوصي والقيم والوكيل والحارس القضائي الذين يتسلمون بهذه الصفة أشياء خاصة بالصغير أو المحجور عليه أو الموكل أو ذي الحق في الشيء الموضوع تحت الحراسة لأداء المهمة المنوطة بهم لا يعدون حراساً لتلك الأشياء ولا تقع عليهم مسؤولية الأضرار التي تحدثها هذه الأشياء ما لم يثبت وقوع خطأ منهم ترتب عليه حدوث تلك الأضرار، أو ما لم يكونوا قد استغلوا وظائفهم واستخدموا تلك الأشياء في مصلحتهم الخاصة. ففي الفرض الأول يسألون وفقاً للقواعد العامة، أي جزاء ما وقع منهم من خطأ، وفي الفرض الثاني صاروا باختلاسهم الشيء لأنفسهم حراساً له فتقع عليهم ـ من دون الأصيل ـ المسؤولية عن الشيء.

> العنصر المعنوي للحراسة: يقصد به أن من له السيطرة الفعلية على الشيء كان يستعملها وقت وقوع الضرر لحساب نفسه، لا لحساب غيره، فلا يعد الخادم أو التابع الذي يحفظ الشيء أو يحرسه لحساب متبوعه حارساً له؛ لأن الحارس من يحوز الشيء لحساب نفسه. فالسيارة تكون في حراسة مالكها ولو كان الذي يقودها سائقاً تابعاً له، لأن مالكها هو الذي تكون له سلطة استعمالها وسلطة الرقابة والتوجيه عليها وهو الذي يستأثر بحق مباشرة هذه السلطات من طريق رقابته وتوجيهه لسائقها، ويسأل مالكها عما ينجم عنها من ضرر في أثناء قيادة السائق إياها ولو لم يقع من هذا الأخير أي خطأ في القيادة، أما إن وقع من السائق خطأ فإن خطأه فضلاً عما يوجبه من مساءلة شخصية وفقاً للمادة (164مدني) يوجب مساءلة مالك السيارة وفقاً للمادة (175) لكونه متبوعاً للسائق، ومساءلة المتبوع مسؤولية أخرى تقوم إلى جانب مسؤوليته بوصفه حارساً للسيارة وفقاً للمادة (179)، فلا مانع من أن تجتمع في شخص واحد صفتا حارس الشيء والمتبوع. غير أنه إذا سلم المتبوع السيارة إلى تابعه ليستعملها هذا في مصلحة خاصة به فإن حراسة السيارة تنتقل إلى هذا الأخير في أثناء الاستعمال الخاص، وكذلك إذا اختلسها من دون علم متبوعه ليقوم بها بنزهة خاصة.

> المستفيد من المسؤولية عن فعل الأشياء: كل من أصابه ضرر بفعل الشيء موضوع الحراسة يستطيع أن يتمسك في مواجهة الحارس بهذه المسؤولية، ويمكن أن يكون هو التابع المعهود إليه بحفظ الشيء أو استغلاله لحساب الحارس، على أنه إذا كان بينهما عقد يتعلق بالشيء الذي أحدث الضرر فإن مسؤولية الحارس تكون لا بصفته هذه بل تكون مسؤولية عقدية كما في الحالة التي يكون فيها المصاب مستأجراً البناء من مالكه، فهذا العقد يستلزم مساءلة الحارس عن تقصيره في صيانة البناء مسؤولية عقدية إذا تهدم وألحق ضرراً بالمستأجر، على الاتجاه القائل بامتناع الخيرة بين المسؤوليتين العقدية والتقصيرية. وكذلك الطبيب فإنه يسأل عن الأضرار التي تصيب مرضاه مسؤولية عقدية لا تقصيرية ولو استخدم في علاجهم آلات ميكانيكية أو أشياء تتطلب حراستها عناية خاصة كالطاقة الكهربائية، في حين لا ينشئ عقد العمل التزاماً بضمان سلامة العامل على عاتق رب العمل، فإذا أصيب بفعل الآلة فيمكن أن تقوم مسؤولية رب العمل التقصيرية لكونه حارساً للآلة، فالمسؤولية العقدية لا تقوم عن فعل الأشياء إلا إذا كان الضرر نتيجة الإخلال بالتزام ناشئ من العقد. كما أن المسؤولية قد تقررت لمصلحة المضرور، فلا يجوز التمسك بها ضد مصلحته، فإذا وقع الضرر نتيجة اصطدام شيء في حراسة المدعي بشيء آخر في حراسة المدعى عليه تهاترت القرينتان أي الخطآن المفترضان وتعين إثبات الخطأين طبقاً للقواعد العامة، وعند العجز عن الإثبات يفترض الخطأ لمصلحة كل منهما بالنسبة إلى ما أصابه من ضرر. ويمكن أن يكون المضرور هو مالك الشيء نفسه إذا كانت الحراسة لغيره وقت وقوع الضرر، وإذا ألزم حارس الشيء بالتعويض وأراد الرجوع على أجنبي ثبت أن الضرر قد حصل بخطئه فلا يستطيع أن يتمسك في مواجهة الحارس بأحكام هذه المسؤولية لأنها تقررت لمصلحة المضرور بفعل الشيء موضوع الحراسة وإنما يجب أن يثبت خطأ الحارس طبقاً للقاعدة العامة. كما أن المستفيد من الشيء موضوع الحراسة مجاناً لا يجوز له أن يتمسك تجاه الحارس بهذه المسؤولية الشيئية، إنما لا يعفى مسبب الضرر من التعويض مادام قد ثبت خطؤه ومساهمته في وقوع الضرر طبقاً للقواعد العامة، وبكل الأحوال يشترط لعد النقل مجاناً انتفاء كل مصلحة للناقل.

ج ـ الأساس القانوني للمسؤولية عن الأشياء وطرائق دفعها:

> تحمل التبعة: مقتضى هذه النظرية أن من يفيد من الشيء يتعين عليه أن يتحمل تبعة الضرر الذي يحدثه للغير بفعل الشيء، إذ الغنم بالغرم. ولكن انتقد هذا الرأي من حيث إنه لا يستقيم مع ما هو مقرر من أن المسؤول هو الحارس وليس المنتفع، ومن أن المسؤول يستطيع أن يتخلص من المسؤولية بإثبات السبب الأجنبي.

> خطأ ثابت قانوناً وسببية مفترضة: الرأي الصحيح الذي يتفق وأحكام المسؤولية عن فعل الأشياء وخاصة ما يتعلق منها بتحديد المسؤول وكيفية دفعها وبالأشياء موضوعها أن هذه المسؤولية تقوم على أساس خطأ ثابت قوامه الإخلال بالتزام حارس الشيء بتحقيق نتيجة معينة هي منع الشيء موضوع الحراسة من إحداث ضرر بالغير، ومتى ثبت وقوع الضرر بفعل الشيء ثبت خطأ الحارس ولا يستطيع نفيه بإثبات أنه بذل العناية اللازمة لمنع الشيء من الإضرار بالغير، إنما لا بد له ليتخلص من هذه المسؤولية من أن يثبت أن وقوع الضرر بعد أن أفلت زمام الشيء من يده كان بسبب أجنبي لا يد له فيه، فإذا لم يثبت ذلك ظلت مسؤوليته قائمة ويتحمل مسؤولية الضرر الذي ظل سببه مجهولاً. فهي تقوم على خطأ ثابت قانوناً وسببية مفترضة افتراضاً يقبل إثبات العكس بالسبب الأجنبي. يستثنى من ذلك مسؤولية حارس البناء فهي تقوم على أحد أساسين الأول: خطأ مفترض من جانبه في عدم صيانة البناء أو عدم إصلاحه أو عدم تجديده، بمجرد ثبوت الضرر بفعل تهدم البناء موضوع الحراسة افتراضاً يقبل إثبات العكس أي أن يدفع مسؤوليته بأن ينفي حدوث إهمال في صيانة البناء وبأن البناء لم يكن قديماً ولم يكن به عيب. والثاني: ضمان الحارس الحالي أخطاء غيره من الحراس السابقين المفترضة في عدم صيانة البناء أو عدم إصلاحه أو عدم تجديده، فإذا عجز الحارس عن نفي خطئه في حراسة البناء كان مسؤولاً على أساس خطئه المفترض. أما إن نفاه عن نفسه فيبقى مسؤولاً بوصفه ضامناً لأخطاء غيره من الحراس السابقين، وفي هذه الحالة تكون مسؤوليته تبعية تندفع بما تندفع به مسؤولية ذلك الغير كالقوة القاهرة التي حالت دون قيام المقاول مثلاً بما كان يجب عليه فيما يتعلق بإتقان تشييد البناء أو بالسهر على صيانته إذا فرض حدوث تهدم البناء قبل زوال تلك القوة القاهرة، وبما أنها مسؤولية تبعية في هذه الحالة فمن حق الحارس الرجوع على المسؤول الحقيقي، كالمقاول والمهندس المعماري إذا حصل التهدم خلال عشر سنوات (المادة 617/1 مدني سوري)، وكالمستأجر إذا حصل التهدم نتيجة استعمال العين المؤجرة استعمالاً غير مألوف (المادة 551/2 مدني سوري)، وكالبائع لأنه يضمن للمشتري ما في المبيع من عيوب تنقص من قيمته (المادة 415 مدني سوري)، بكل الأحوال يستطيع حارس البناء كحارس الحيوان والأشياء الخطرة أن يتخلص من مسؤوليته من طريق إثبات أن تهدم البناء يرجع إلى سبب آخر غير هذه الأسباب الثلاثة: إهمال الصيانة، قدم البناء أو عيب فيه. شريطة أن يكون هذا السبب أجنبياً عنه لا يد له فيه، كزلزال أو غارة جوية، أو انفجار بفعل أجنبي أو بفعل المصاب ذاته كما لو أثبت الحارس أن المصاب قد منعه من صيانة البناء أو إصلاحه أو تجديده. والفقه الإسلامي لا يقر مبدأ المسؤولية عن فعل الأشياء، ولئن أقر افتراض التعدي فيما يغاب عليه من الأشياء كالحلي والجواهر…إلخ، فهو يسمح بنفي الخطأ ممن افترض في جانبه، والمسؤولية عن تهدم البناء أو فعل الحيوان تستلزم ثبوت الخطأ والتقصير من المالك أو الحارس في اتخاذ ما يلزم لمنع الضرر.

خامساًـ أثر المسؤولية التقصيرية:

يتمثل أثر المسؤولية التقصيرية في التزام المسؤول بتعويض المضرور، وتحديد التعويض يتم بالصلح بين الطرفين، وفي الغالب يحتاج المضرور إلى إقامة الدعوى على المسؤول، وهذه الدعوى تثير مسائل قانونية متعددة وخاصةً إذا كان التعدي جرماً جزائياً فيثير الأمر مسألة تنازع الدعويين المدنية والجزائية، ومن ناحية ثانية فإن الخطأ أحياناً يعد إخلالاً بالتزام عقدي ينشئ مسؤولية عقدية ويعد إخلالاً بالتزام قانوني ينشىء مسؤولية تقصيرية فيثير الأمر مسألة تنازع الدعويين دعوى المسؤولية العقدية ودعوى المسؤولية التقصيرية.

1ـ أحكام دعوى المسؤولية التقصيرية: إن غاية أي دعوى في علم أصول المحاكمات هو المصلحة، وتتمثل في الحق في الحصول على الحماية القضائية، وهي هنا أي في دعوى المسؤولية التقصيرية تتمثل في الحصول على حكم بالتعويض، وشرطها ثبوت خطأ المدعى عليه وثبوت ضرر للمدعي وصلة سببية بينهما. فإذا ثبت الخطأ و الضرر وصلة السببية بينهما ثبت حق المدعي في التعويض.

> المدعي والمدعى عليه في دعوى المسؤولية التقصيرية: المدعي في دعوى المسؤولية التقصيرية هو المضرور، والمدعى عليه هو المسؤول، وقد يكون المدعي شخصاً طبيعياً وقد يكون شخصاً اعتبارياً وكذلك المدعى عليه.

(1) ـ مسؤولية الشخص الاعتباري: يعالج الشراح مسؤولية الشخص الاعتباري بصدد العنصر المعنوي للخطأ على أساس أنه لا يتصور من الشخص المعنوي أن يكون مميزاً لأن التمييز من خصائص الشخص الطبيعي. والحقيقة أنه لا يتصور منه تمييز ولا يتصور منه انحراف مادي، أي لا يتصور منه الخطأ بعنصريه نظراً لطبيعة الشخص الاعتباري غير المادية وغير المحسوسة، ومع ذلك فمن المسلم به إمكانية المساءلة المدنية للشخص الاعتباري مهما كان الرأي في طبيعته القانونية، وهل وجوده وجود حقيقي أم هل هو افتراضي؟ لأن حكم المسؤولية المدنية هو التزام بالتعويض يثبت في ذمة الشخص الاعتباري ولا يمكن تفسير مسؤوليته إلا على أساس اتساع فكرة النيابة القانونية لتشمل الأفعال المادية فضلاً عن التصرفات القانونية. (وهو ما يقرره الفقه الإسلامي ،ففي مجمع الضمانات لابن غانم البغدادي إن تلميذ الأجير المشترك إذا وقع من يده سراج فاحترق ثوب من ثياب القصارة فالضمان على الأستاذ… ولو حمل شيئاً في بيت القصارة بإذن الأستاذ فسقط على ثوب فتمزق، إن كان من ثياب القصارة لا يضمن الأجير ويضمن الأستاذ، وكذا لو انفلتت المدقة من أجير القصار أو تلميذه فوقعت على ثوب من ثياب القصارة فلا ضمان على التلميذ وإنما الضمان على الأستاذ وإن لم يكن من ثياب القصارة كان الضمان على التلميذ، ولو دفع المدقة على موضعها ثم وقعت بعد ذلك على شيء آخر فالضمان على الأستاذ ولو أصابت إنساناً فعلى التلميذ ـ ص43). إن الأصل في القانون السوري أن الأشخاص الاعتبارية الخاصة والعامة يمكن مساءلتها مسؤولية مدنية وأنه تطبق في مساءلتها هذه أحكام القانون المدني، فتطبق عليها أولاً أحكام مسؤولية المتبوع عن فعل تابعه كما تطبق على الأشخاص الطبيعية، أي كلما توافرت شروطها من علاقة تبعية وخطأ التابع في تأدية وظيفته أو بسببها وضرر نشأ عن هذا الخطأ. أما إذا وقع الخطأ من شخص طبيعي يعمل باسم الشخص الاعتباري أو لحسابه من دون أن يمكن عده تابعاً له كرئيس مجلس الإدارة أو تعذرت نسبة ذلك الخطأ إلى شخص طبيعي لشيوعه وعدم تركزه في أحد، كان لا مناص من إسناد الخطأ إلى الشخص الاعتباري ذاته ومساءلته عنه مساءلة شخصية وفقاً لأحكام مسؤولية المرء عن فعله الشخصي. وفي الحالة الأولى يكون للشخص المعنوي رجوع على تابعه الذي تسبب بخطئه في إحداث الضرر الملزم لهذه المسؤولية وفي الحالة الثانية لا يكون له رجوع إلا إذا استطاع أن يثبت خطأ معيناً وقع من شخص بذاته وكان سبباً في قيام مسؤوليته هو، فيرجع على ذلك بنسبة إسهامه في إحداث الضرر الذي استتبع المسؤولية. فإذا اتخذ مجلس إدارة شركة قراراً خاطئاً يسبب ضرراً للغير فإن الشركة تسأل عن الأضرار التي نشأت من هذا القرار ولا يسأل مجلس الإدارة بصفته هذه، لكن إذا ثبت أن بعض أعضاء المجلس المذكور هم الذين عملوا على إصدار هذا القرار الخاطئ فتجوز مساءلتهم بصفتهم الشخصية من دون باقي أعضاء المجلس عن تلك الأضرار إلى جانب مسؤولية الشركة ذاتها شريطة ثبوت أنهم هم الذين تسببوا في اتخاذ القرار الخاطئ، كأن يقرر مجلس إدارة الشركة استعمال علامة مسجلة لشركة أخرى بأغلبية ثلاثة أصوات ضد صوتين، فيجوز للشركة المضارة من ذلك فوق مساءلة الشركة المعتدية مساءلة أعضاء مجلس الإدارة الثلاثة الذين صوتوا لهذا القرار مسؤولية شخصية دون العضوين الآخرين ـ ويجوز إثبات تصويتهم من محضر جلسة مجلس الإدارة ـ على سبيل التضامن، فإذا دفع الشخص ذلك التعويض يكون له رجوع على هؤلاء الأفراد بكل ما دفع، لأنه لا مسؤولية عليه فيما بينه وبين الأعضاء الذين لهم صفة في تمثيله. بخلاف ما لو دفعوا هم التعويض فلا رجوع لهم على بعضهم بعضاً إلا بنسبة مساهمة كل منهم في الخطأ، وإذا كان المخطئ تابعاً للشخص الاعتباري أمكن مساءلته بالصفة الشخصية أو بوصفه متبوعاً عن أعمال تابعه. غير أن الدولة والأشخاص الاعتبارية العامة الأخرى تسأل وحدها عن الخطأ المرفقي الذي يتصل بنشاط المرفق اتصالاً وثيقاً، وتقع على عامل الإدارة تبعة الخطأ غير المرفقي أي الشخصي الذي ينفصل عن نشاط المرفق انفصالاً مادياً كالفعل الذي لا يمت إلى الوظيفة بسبب، أو انفصالاً ذهنياً كالفعل المتصل مادياً بنشاط المرفق إذا أتاه الموظف بسوء نية أو بدافع الانتقام، سواء أكان الفعل الضار قراراً إداراياً أم عملاً مادياً، وسواء أكانت دعوى التعويض من اختصاص القضاء الإداري أم العادي.

(2) ـ تضامن المسؤولين تقصيرياً: قد يتعدد المسؤولون تقصيرياً، وكنوع من الضمان والتأمين الشخصي قرر القانون المدني السوري تضامن بعضهم مع بعض بالمادة (170) مدني سوري التي تنص على أنه "إذا تعدد المسؤولون عن عمل ضار كانوا متضامنين في التزامهم بتعويض الضرر، وتكون المسؤولية فيما بينهم بالتساوي إلا إذا عين القاضي نصيب كل منهم في التعويض". فالمضرور يختار من يشاء من المسؤولين ويطالبه بالتعويض كاملاً، وله أن يرجع عليهم جميعاً، وإذا اختار أحدهم كان له أن يطلب إدخال بقية المتضامنين، متى كانوا مسؤولين معه عن تعويض الضرر، ليكونوا ضامنين تجاهه لنصيبهم فيما يحكم عليه من تعويض. ويشترط لقيام التضامن أن يكون كل واحد من المسؤولين قد ارتكب خطأ أو يكون ضامناً قانوناً لمن ارتكب الخطأ، كمتولي الرقابة والمتبوع، وأن يكون الخطأ الذي ارتكبه كل منهم هو السبب في وقوع الضرر، ولو كان خطأ كل منهم متميزاً من خطأ الآخر، بشرط أن يكون الضرر واحداً. لكن لا يشترط التواطؤ بين المسؤولين المتعددين أو أن تكون الأخطاء من نوع واحد، فقد يكون خطأ أحدهم عمداً أو جسيماً أو يسيراً، والآخر غير عمدي أو يسيراً، وسواء أكانت الأخطاء من طبيعة واحدة أم لا، فقد يكون أحد الأخطاء جزائياً أو التزام الإثبات والآخر مدنياً أو مفترضاً.

2ـ سبب دعوى المسؤولية التقصرية: هناك اختلاف في الفقه والقضاء حول سبب دعوى المسؤولية التقصيرية، فبعضهم يرى أن السبب هو الخطأ والضرر وصلة السببية بينهما، وأما النص القانوني فليس إلا وسيلة يستند إليها المدعي في تأييد دعواه. فالواقعة القانونية المتمثلة في الفعل الضار غير المشروع لا تتغير بتغير النص القانوني الذي يستند إليه المدعي المضرور في تأييد دعواه. فبحسب هذا الرأي سواء أطالب المدعي بالتعويض على أساس المسؤولية العقدية أم على أساس المسؤولية التقصيرية، فإن السبب واحد، فلو رفضت دعواه على الأساس العقدي فلا يجوز له رفعها من جديد بالاستناد إلى المسؤولية التقصيرية في أي صورة من صورها، والعكس صحيح استناداً إلى حجية الأمر المقضي لاتحاد الخصوم والمحل والسبب في الدعويين. في حين يرى الاتجاه الآخر أن النص القانوني يعد جزءاً من سبب دعوى المسؤولية التقصيرية، وعلى ذلك يعد سبب دعوى المسؤولية العقدية مغايراً لسبب دعوى المسؤولية التقصيرية، وفي دعوى المسؤولية التقصيرية يختلف السبب باختلاف نوع الخطأ المدعى به (ثابت أم مفترض). ويترتب على الأخذ بهذا الرأي أنه إذا رفعت على أساس نوع معين من الخطأ، ورفضت فلا يحوز الحكم قوة الأمر المقضي به بالنسبة إلى باقي أنواع الخطأ، فيجوز رفع الدعوى من جديد على أساس نوع آخر من الخطأ وهذا هو اتجاه الدائرة الجزائية في محكمة النقض المصرية بخلاف رأي الدائرة المدنية، وهو رأي القضاء الفرنسي والأمريكي وهو الرأي الراجح لأن النص القانوني هو أساس الواقعة القانونية، فلا توصف بالقانونية من دون القاعدة القانونية التي رتبت عليها الأثر القانوني، والواقعة القانونية هي أساس الدعوى أي الحق في الحماية القضائية.

3ـ محل دعوى المسؤولية التقصيرية (التعويض العيني والتعويض النقدي): يتمثل محل دعوى المسؤولية التقصرية بالحق في التعويض وله أشكال، وقواعد قانونية لتقديره.

أ ـ شكل التعويض: الأصل في الفقه الإسلامي أن يكون التعويض عينياً، أما في الشرائع الوضعية ومنها القانون المدني السوري (المادة 172/2) فالأصل في التعويض في المسؤوليتين العقدية والتقصيرية أن يكون نقدياً. في حين ذهب بعض الشراح إلى أن الأصل في التعويض في المسؤوليتين هو التعويض العيني؛ لأنه في أغلب الحالات يكون أصلح لجبر الضرر متى كان ممكناً، ولا ينطوي على مساس بحرية المدين، ولا يخالف بنود العقد. ويقصد بالتعويض العيني إعادة الشيء إلى حالته الأصلية، كإصلاح السيارة التي صدمها المسؤول، وهدم الحائط المشاد بقصد حجب الهواء والضياء عن عقار الجار، وكإعطاء المضرور شيئاً مماثلاً لماله التالف إن كان من المثليات، وهو خير وسيلة لجبر الضرر لأنه تتم به إزالة الضرر تماماً، إلا أنه نادر أن يحدث التعويض العيني في الحياة العملية؛ لأنه يثير نزاعاً ويحتاج إلى رقابة قضائية. وليس للمضرور أن يرفض التعويض العيني إذا تقدم به المدين وأن يطلب بدلاً عنه مبلغاً من النقود لأن المسؤول بإعادة الحال إلى ماكانت عليه يكون قد نفذ التزامه على وجه كامل. على أنه في أغلب الحالات ولا سيما حالات الضرر الأدبي يتعذر التعويض العيني، فيتيعن اللجوء إلى التعويض النقدي وهو مبلغ من المال يحكم به للمضرور. وهذا المبلغ إما أن يكون دفعة واحدة، وإما مقسطاً، وإما إيراداً مرتباً مدى الحياة أو مدة معينة، ويجوز للقاضي في هاتين الحالتين أن يلزم المدين أن يقدم تأميناً يضمن الوفاء بالأقساط أو الإيراد. فالقاضي يملك سلطة تعيين طريقة التعويض التي يراها كفيلة بجبر الضرر، ومسترشداً في ذلك بطلبات المصاب وملابسات القضية ولا يخضع في ذلك لرقابة محكمة النقض. وتعد الفوائد على مبلغ التعويض عنصراً من عناصر الضرر يمكن أن يدخلها القاضي في تقدير التعويض ويمكن ألا يدخلها، وعندئذٍ يكون للمضرور أن يطالب بها بدعوى مستقلة وتستحق عندئذٍ على التعويض المحكوم به من تاريخ المطالبة القضائية. وإذا كان تقدير التعويض والحكم به من الأمور الواقعية التي تخرج من رقابة محكمة النقض فإن تبيان العناصر المكونة للتعويض هو من مسائل القانون التي تخضع لرقابة محكمة النقض، ويجب أن يكون تقديره مبنياً على أسس سائغة ومقبولة، وأن يكون غير مبالغ فيه ولا يتجاوز الحدود المألوفة وحدود جبر الضرر. فتحديد التعويض دون تعليلٍ وبيان الأسباب التي اعتمدتها المحكمة في تقديره تجعل القرار سابقاً لأوانه وجديراً بالنقض. وذلك حتى تستطيع محكمة النقض أن تراقب محكمة الموضوع في توافر الشروط القانونية في كل عنصر أدخلته في تقدير التعويض، من حيث كونه ضرراً: أدبياً ـ مباشراً ـ متوقعاً ـ غير متوقع ـ فوائد ـ تفويت فرضه…إلخ. ويكفي بهذا الخصوص أن تقدر التعويض بمبلغ إجمالي بعد أن تحدد عناصر التعويض.

ب ـ وقت تقدير التعويض النقدي وعناصره: القاعدة في تقدير التعويض النقدي أنه يقدر بقدر الضرر مع مراعاة الظروف الملابسة (المادة 171 مدني سوري)، ولا يشمل إلا الضرر المباشر ـ كما مرـ ويتضمن ما فات المضرور من كسب وما لحقه من خسارة متى كان نتيجة طبيعية للفعل الضار وسواء كان متوقعاً أم غير متوقع، ويمكن للمحكمة ـ والأمر جوازي ـ أن تستعين بخبرة لتقدير التعويض. فإذا أصاب الفعل الضار ممثلاً أو مغنياً في أثناء ذهابه إلى حفلة تعهد بإحيائها فإنه يستحق تعويضاً عن نفقات علاجه وما شعر من آلام كخسارة إصابته، ويستحق تعويضاً عن الربح الذي كان سيجنيه لو أحيا تلك الحفلة بوصفه كسباً ضاع عليه. وبالتالي لا محل للقول إن المضرور ملزم بإصلاح الضرر، فإذا تهاون فعليه تبعة تهاونه، لأن التزام جبر الضرر على عاتق المسؤول، ولا على المضرور أن ينتظر حتى يوفي المسؤول بالتزامه، إلا إذا كان في استطاعة المضرور توقي زيادة قيمة الضرر ببذل جهد معقول، لأنه في هذه الحالة إذا لم يفعل تعد زيادة قيمة الضرر ضرراً غير مباشر ولا يلزم المسؤول بتعويضه. والاجتهاد القضائي مستقر على أن التعويض عن الضرر يقدر بتاريخ صدور الحكم وليس بتاريخ الحادث، ومستقرٌ أيضاً على جواز المطالبة بزيادة التعويض أمام محكمة الاستئناف نظراً للظروف الطارئة وغلاء المعيشة وتدني قيمة النقد. وبحسب ما إذا تفاقم الضرر أو تناقص، على أن يبين المصاب ما طرأ من ظروف تسوغ تلك الزيادة، وإلا فإنه يعد طلباً جديداًً ولا يقبل لأول مرة أمام محكمة الاستئناف (المادة 238 أصول محاكمات). ويعد التعويض عن الفعل الضار مستحقاً من وقت وقوع الفعل الضار وبالتالي يعد الحكم الذي يقدره مقرراً وكاشفاً عن ثبوت الحق في التعويض وليس منشئاً له. هذا لجهة ثبوت الحق في التعويض، أما لجهة تحديد مقداره فإن الحكم يعد منشئاً له، يجب أن يقدر التعويض وقت الحكم. كما أنه لا تستحق فوائد التأخير عن مبلغ التعويض إلا عندما يصير معلوم المقدار ومنذ اكتساب الحكم الدرجة القطعية حتى تمام الوفاء. ولا ضرر في ذلك على المدعي المضرور لأنه يجوز للمحكمة أن تراعي طول أمد التقاضي وأن تدخل في عناصر التعويض عند تقديره وقت الحكم ما لحق المصاب من ضرر نتيجة تأخر المدين المسؤول بالوفاء به ومن دون أن يتقيد القاضي في تقدير ضرر التأخير بسعر الفائدة القانوني، ويجوز أن يدمج قيمته ضمن التعويض الأصلي. ومتى تم تحديد التعويض باتفاق الطرفين أو بحكم قضائي مكتسب الدرجة القطعية سرت الفوائد من تاريخ المطالبة القضائية بالفوائد لأنه أصبح معلوم المقدار. بكل الأحوال لا تستطيع محكمة النقض تعديل التعويض لأنها محكمة قانون وتقدير التعويض من مسائل الواقع. وإذا حكم القاضي بتعويض مؤقت واحتفظ للمضرور بحقه بالمطالبة بتتمة التعويض عند استفحال الضرر واستقراره فإنه يجوز للمضرور أن يطالب بتعويض تكميلي بمقتضى دعوى جديدة وإن حاز الحكم السابق الدرجة القطعية لاختلاف محل الدعويين. على أنه إذا قدر التعويض بمبلغ كإيراد مرتب، فلا يجوز إعادة النظر فيه متى اكتسب الحكم الدرجة القطعية، إن ارتفعت أو انخفضت قيمة النقد، أو زادت الأسعار وغلت المعيشة ما لم يكن المبلغ المحكوم به قد لوحظ فيه كفايته كنفقة للمضرور فيجوز تعديل الإيراد زيادة أو نقصاً تبعاً لما تقدم. ومتى حاز الحكم قوة القضية المقضية فلا تجوز إعادة النظر في مقدار التعويض وإن تناقص الضرر عما كان عليه وقت الحكم بالتعويض. والأصل أن يقدر التعويض بما يناسب الضرر ويجبره لأن الالتزام به جزاء مدني لا معنى للعقوبة فيه عكس الجزاء الجنائي. فلا يجوز أن يقدر التعويض بأقل من قيمة الضرر إلا إذا كان ثمة ما يسوغ ذلك، كما في إصابات العمل، وحيث حدد القانون التعويضات تحديداً جزافياً ربما لا يفضي إلى جبر كل الضرر، وكما في حالة الخطأ المشترك وحيث يتعين تخفيض التعويض بقدر مسؤولية المصاب عن إحداث الضرر الذي لحقه. وربما لا يحكم له بأي تعويض. وللقاضي في كل الأحوال أن يراعي الظروف الملابسة عند تقدير التعويض كالمركز المالي لكل من المضرور والمسؤول، وجسامة الخطأ أو عمديته، وبوجه خاص عند تعدد المسؤولين. وقد استقر اجتهاد القضاء الفرنسي على أنه يجوز للمسؤول أن يتمسك بخطأ المضرور الأصلي لتخفيض التعويض عن الضرر المرتد عن ضرر المضرور الأصلي، كضرر الورثة الشخصي، الذي أصابهم من وفاة مورثهم فهذا يخفض بالنسبة نفسها التي يخفض بها التعويض عن الضرر الأصلي بسبب خطأ المضرور الأصلي.

ج ـ الجمع بين تعويضين: المبدأ القانوني الذي لا استثناء عليه أنه لا يجوز أن يحصل المضرور على أكثر من تعويض واحد عن الضرر ذاته، وهذا يستند إلى ما تقدم من أن التعويض لجبر الضرر ولا معنى للعقوبة فيه. وقد مر أنه عند تعدد المسؤولين تقصيرياً فإنهم يتضامنون في تعويض المضرور، بمعنى أنه يحق للمضرور أن يأخذ كل التعويض من أيهم شاء، لا أن يأخذ تعويضاً من كل واحد منهم، كما يكون لمن دفع منهم التعويض أن يرجع على الآخرين بمقدار نصيبهم فيه، والقاضي يحدده بحسب مساهمة كل منهم في الضرر، وإلا فيوزع بقدر عدد الرؤوس.

(1) ـ التعويض ومبلغ التأمين: وإذا كان المسؤول قد أمن ضد مسؤوليته فلا يجوز للمضرور الذي حصل على تعويض من شركة التأمين الرجوع بعد ذلك على المسؤول بتعويض آخر، إلا إذا كان التعويض الذي حصل عليه من المؤمن غير كافٍ. فإذا تسبب عامل في مصنع بإصابة عامل آخر فإنه يستحق بسبب ذلك تعويضاً من المسؤول عن هذه الإصابة، كما يستحق مبلغاً جزافاً من رب العمل، وكذا إذا تقاضى تعويضاً جزافاً عن إصابة العمل بمقتضى قانون التأمينات الاجتماعية فلا يجوز له الجمع بينهما، فإذا رجع على زميله العامل المسؤول بالتعويض الكامل فليس له الحق في تعويض من رب العمل، وكذا إذا تقاضى تعويضاً جزافاً عن إصابة العمل من مؤسسة التأمينات الاجتماعية فليس له الرجوع على زميله العامل المسؤول؛ لأن المؤسسة تلتزم بتعويض إصابة العمل حتى لو كانت الإصابة تقتضي مسؤولية شخص آخر خلاف صاحب العمل، وتحل المؤسسة قانوناً محل العامل المؤمن عليه قبل ذلك الشخص المسؤول بما تكلفته، وإن حقها في الرجوع على المتسبب مستقل عن حق العامل تجاه المتسبب، لأن مصدره القانون (المادة 46 تأمينات) وليس الحلول محل العامل في حقه تجاه المتسبب أو إرادة العامل، ولذلك لا يعتد بتنازل العامل المصاب عن حقه تجاه المسؤول لأنه تنازل ممن لا يملكه. وبالتالي يمكن للعامل المصاب أن يجمع إلى جانب التعويض الجزاف ما تبقى من ضرر لم يعوض تجاه المتسبب فيه. على أنه إذا كان المتسبب بإصابة العامل هو رب العمل فلا يجوز للعامل أن يتمسك في مواجهته أو في مواجهة مؤسسة التأمينات الاجتماعية بأحكام القواعد العامة في المسؤولية المدنية ما لم تكن الإصابة ناشئة من خطأ جسيم من جانب رب العمل فيجوز له أن يرجع عليه بتعويض تكميلي إضافة إلى التعويض الجزاف من مؤسسة التأمينات (المادة 47 تأمينات). وإذا كان المضرور قد أمن على حياته ـ ففي التأمين على الحياة ـ يجوز للمؤمن له أو لورثته الجمع بين مبلغ التأمين والتعويض من المسؤول عن الإصابة. ولا يعد هذا من قبيل الجمع بين تعويضين لاختلاف السبب القانوني لكل منهما، فمبلغ التأمين مصدره وسببه عقد التأمين ولقاء الأقساط التي كان يدفعها المؤمن له، أما سبب التعويض ومصدره فهو الفعل الضار (المادة 731 مدني سوري). لكن إذا كان التأمين على المال ضد الحريق فكان منطق اختلاف سبب التعويض ومبلغ التأمين يستلزم إمكانية الجمع بينهما، إلا أنه لما كان في تقرير مثل هذا الحكم هنا ـ عكس التأمين على الحياة ـ ما يحمل المؤمن له على التهاون في المحافظة على أمواله المؤمن عليها ضد الحريق، رغبة في تحصيل التعويض ومبلغ التأمين؛ لذا منع القانون من الجمع بينهما، وهو ما لا يتصور في التأمين على الحياة (المادة 737 مدني سوري).

(2) ـ التعويض ومكافأة نهاية الخدمة والمعاش التقاعدي: يجوز الجمع بين تعويض الضرر وبين مكافأة نهاية الخدمة وما يقوم مقامها من تعويض يحصل عليه العامل من مؤسسة التأمينات الاجتماعية بسبب انتهاء عمله (تعويض الشيخوخة والوفاة والعجز)، لأن منشأ التعويضين وسببهما مختلف وقد تقرر في القضاء السوري أن لا علاقة للمعاش التقاعدي الذي يخصص لورثة المصاب أو للتعويضات المترتبة لهم بالتعويض المحكوم به الناجم عن العمل غير المشروع. فالعامل لدى الدولة الذي توفي بسبب عمل غير مشروع يستحق كامل التعويض المقدر من المحاكم و لا علاقة لهذا التعويض باستحقاق ورثة العامل المتوفى للحقوق الناجمة عن وفاته لدى الجهة التي يعمل لديها وفق الأنظمة النافذة لاختلاف السبب في كل منهما.

4ـ اتفاقات المسؤولية التقصيرية والتأمين منها:

أ ـ اتفاقات المسؤولية التقصيرية: بالنسبة إلى الاتفاق على الإعفاء من المسؤولية بعد تحققها فإنه لا جدال في جواز إسقاط الحق في التعويض كلياً أو جزائياً (المادة 519 مدني سوري). أما الاتفاق على الإعفاء من المسؤولية قبل تحققها فإنه على خلاف ما هو مقرر بخصوص المسؤولية العقدية وقواعدها تكميلية، فإن أحكام المسؤولية التقصيرية من النظام العام، وأي اتفاق للإعفاء منها قبل حصولها أو لتخفيفها يقع باطلاً بطلاناً مطلقاً (المادة 218 مدني سوري). ومن أشكال التخفيف تقصير ميعاد تقادم دعوى المسؤولية التقصيرية، إنما يجوز بكل الأحوال الاتفاق على تشديد المسؤولية التقصيرية كالاتفاق على افتراض الخطأ في جانب المسؤول المحتمل، أو تقدير التعويض بمقدار ضعفي قيمة الضرر، أو الاتفاق على تحمل تبعة القوة القاهرة، وأي تحديد لمبلغ التعويض لا يعتد به شرطاً جزائياً ما لم يكن مقداره مساوياً أو أكبر من قيمة الضرر، لأنه إن كان تافهاً أو أدنى من قيمة الضرر فهو تخفيف للمسؤولية التقصيرية ويعد باطلاً.

ب ـ التأمين من المسؤولية: التأمين من المسؤولية المدنية عقد تلتزم بموجبه شركة التأمين أن تضمن المسؤول مدنياً بما قد يلحق الغير بسببه من أضرار مادية ومالية وأدبية. فالتأمين من المسؤولية على النقيض من الإعفاء والتخفيف منها لا يقصد منه حرمان المضرور من التعويض، إنما إلى إلقاء عبء المسؤولية على عاتق شركة التأمين. وإذا كان من شأن تأمين المسؤولية أن يحمل الأفراد على الإهمال وعدم التبصر فإن مصلحة المضرور في وجود شخص مليء (كشركة التأمين) يعوضه عند وقوع الضرر ترجح على المحذور المتقدم ذكره. بكل الأحوال فإن التأمين من المسؤولية على الخطأ المتعمد باطل لأنه بمنزلة الغش وهو مما يخالف النظام العام والآداب (المادة 734 مدني سوري). إنما في غير الأخطاء العمدية فالتأمين صحيح سواء أكان الخطأ عقدياً أم تقصيرياً، جسيماً أم يسيراً، مفترضاً أم التزام الإثبات، شخصياً أم عن فعل الأشياء أم عن خطأ الغير ولو كان متعمداً (المادة 735 مدني سوري). وعلى خلاف القاعدة العامة فإن المشرع رعاية لمصلحة المضرورين قد يجبر الأفراد على التأمين ضد مسؤوليتهم عن الأضرار الواقعة من جانب من نشاطهم. كالتأمين الإلزامي على مالك المركبة الآلية وعن الأضرار المادية والجسدية التي يسببها استعمال المركبات الآلية سواء من مالكها أم حائزها أم سائقها، وكالتأمين الإلزامي على رب العمل ضد إصابات العمل التي تصيب عماله ويلزم بالتعويض عنها (المادة 18 تأمينات اجتماعية). وفيما يتعلق بآثار التأمين من المسؤولية بخصوص علاقة المسؤول المؤمن له بشركة التأمين فإنه يحكمها وينظمها عقد التأمين، وهو ينشئ التزامات متقابلة تتلخص في التزام المؤمن ضمان كل مسؤولية مؤمن ضدها تنشأ في ذمة المؤمن له، والتزام المؤمن له بدفع أقساط التأمين في مواعيدها والتقيد بشروط عقد التأمين. على أنه لا تلتزم شركة التأمين إلا في حدود ما لحق المصاب من ضرر. فمسؤولية شركة التأمين عن أداء التعويض مستمدة من عقد التأمين وفي حدوده بالنسبة إلى مقدار التأمين وللأضرار المؤمن عليها، ويجوز لشركة التأمين والمسؤول الاتفاق على تخفيف مسؤولية شركة التأمين بحيث لا تدفع هذه الأخيرة إلا نسبة مئوية معينة من التعويض الذي قد يقضي به للمضرور. على أنه بالنسبة إلى التأمين الإلزامي بخصوص المركبات الآلية فقد استقر اجتهاد محكمة النقض السورية على بطلان البند الذي يحدد مسؤولية مؤسسة التأمين بمبلغ ثلاثمئة ألف ليرة سورية عن الضرر أو الوفاة للشخص الواحد. فمسؤولية مؤسسة التأمين من وجهة نظر القضاء السوري مصدرها القانون وليس عقد التأمين، ولذا فإن أي اتفاق لتحديد المسؤولية المدنية يقع باطلاً بموجب قانون السير ولا وجه للمطالبة بحصر التعويض بمبلغ لا يتجاوزه. والراجح أن ما اتجهت إليه محكمة النقض السورية لا يوافق صحيح القانون، فالطبيعة الإلزامية والجبرية للعقود لا تخرجها عن طبيعتها التعاقدية وما تستند إليه العقود من نسبية آثارها سواء من حيث المضمون أم من حيث الأطراف، باستثناء ما إذا كان بند تحديد مبلغ التأمين المذكور في عقد التأمين يعد شرطاً مرهقاً في عقد إذعان مما يملك القاضي تخفيفه أو إعفاء المدين منه من تلقاء نفسه وفق مقتضيات العدالة (المادة 150 مدني سوري)، أما قانون السير فهو مجرد تطبيق للقاعدة العامة في حكم الإعفاء أو التخفيف من المسؤولية التقصيرية بالاتفاق وهو باطل كما مر، ولا صلة لها بالتأمين من المسؤولية التي ينبغي أن تبقى محكومة بعقد التأمين وفي حدوده. وهو ما قررته محكمة النقض السورية بحق بخصوص عقد التأمين التكميلي وغير الإلزامي للسيارة المؤمنة ما دام مستند المدعي في دعواه هو عقد التأمين، إذ لولا عقد التأمين لما استطاع أن يقيم المدعي دعواه على مؤسسة التأمين فتسري بحقه شروط عقد التأمين. أما فيما يخص علاقة المضرور بشركة التأمين فإن حق المسؤول تجاه شركة التأمين يثبت بمجرد وقوع الفعل الضار من جانبه، فيكون للمضرور من هذا الوقت أن يستعمل دعوى المسؤول تجاه شركة التأمين بطريقة الدعوى غير المباشرة، وإذا أدى المسؤول تعويضاً للمضرور خلافاً لما هو منصوص عليه في عقد التأمين فإن للمسؤول أن يطالب مؤسسة التأمين بما دفعه ضمن حدود معينة وعلى أساس المسؤولية التقصيرية وليس على أساس ما دفعه، وعلى ألا يتجاوز المبلغ المدفوع. على أن الدعوى غير المباشرة لا تخول المضرور أي أفضلية تجاه باقي دائني المسؤول، مما يفقد التأمين من المسؤولية فاعليته وأغراضه بالنسبة إلى المضرور، ولا يكون للمضرور دعوى مباشرة تجاه شركة التأمين ما لم ينص عقد التأمين على اشتراط لمصلحته بحيث ينشأ حقه لديها في ذمته مباشرة من دون أن يمر في ذمة المسؤول. وقد تدارك قانونا السير والتأمينات الاجتماعية هذه الناحية فنص كل منهما على إعطاء المضرور حقاً مباشراً تجاه مؤسسة التأمين، بل أكثر من ذلك واستثناء مما هو مقرر في القاعدة العامة في الاشتراط لمصلحة الغير، فقد قرر قانون السير أنه لا تسري بحق المضرور الدفوع التي من حق مؤسسة التأمين التمسك بها تجاه المؤمن له. وبكل الأحوال فلمؤسسة التأمين الرجوع على المؤمن له بما تدفعه زيادة على المبلغ المحدد بالعقد لأن المتضرر غير ملزم بمقاضاة الأطراف كافة. إنما ليس لها أن تدفع في مواجهة المضرور بحمل عدد زائد من الركاب، أو عدم حمل السائق إجازة سوق تخوله قيادة مركبته ولا تحل مؤسسة التأمين من مسؤوليتها. فمخالفة المؤمن له لعقد التأمين الإلزامي لا يعفي مؤسسة التأمين من دفع التعويضات للمتضرر ويبقى من حقها أن تعود على المتسبب. ولا يعد الراكب في سيارة خاصة من الغير بالنسبة للسيارة المؤمنة إذا تضرر بركوبها، فركاب السيارة الخاصة لا يشملهم عقد التأمين الإلزامي. كما اتجه القضاء السوري إلى أن إسقاط الحق الشخصي عن السائق المدعى عليه في الدعوى الجزائية لا يعني إسقاط الحق عن مؤسسة التأمين الضامنة للأضرار مع السائق ولا يحرم المدعي من مطالبتها بالتعويض. وهو ما يتماشى مع أحكام المادة (المادة 289 مدني سوري).

2ـ تنازع المسؤوليات:

أ ـ تنازع المسؤولية المدنية والمسؤولية الجزائية: تبين أن الجزاء القانوني عندما يكون عقوبة تكون المسؤولية جزائية، وعندما يكون التزاماً بتعويض المضرور تكون المسؤولية مدنية، وهناك فوارق بين المسؤوليتين: فسبب المسؤولية الجزائية فعل يضر بمصلحة المجتمع، ولذا كان الجزاء عقوبة وإن تمثلت في غرامة مالية، أما سبب المسؤولية المدنية فهو فعل ضار بمصلحة خاصة للمضرور ولذا كان الجزاء التزاماً بتعويض مالي. النيابة العامة هي التي تطالب بإيقاع الجزاء في المسؤولية الجزائية لكونها تمثل الدفاع عن مصلحة المجتمع، في حين أن المضرور هو الذي يطالب بالتعويض فهو حق خاص به، والجزاء في المسؤولية الجزائية لا يقبل من حيث المبدأ الصلح عنه أو إسقاطه على النقيض من الجزاء في المسؤولية المدنية. والالتزامات التي ينشأ من مخالفتها مسؤولية جزائية تسمى جرائم، وهي واردة على سبيل الحصر لأنه من المبادئ الدستورية المقررة أن لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص (المادة 29 من الدستور السوري)، أما الالتزامات التي تنشأ من مخالفتها مسؤولية مدنية فلا تقع تحت حصر. وقد تقررت بشأنها قاعدة عامة في (المادة 164 مدني سوري) "كل خطأ سبب ضرراً للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض". ولكن في بعض الأحيان يسبب الفعل الواحد جريمة جزائية وجريمة مدنية تضر بالمصلحتين: مصلحة المجتمع والمصلحة الخاصة مثل جرائم القتل والسرقة والاحتيال… إلخ. وهنا تنشأ المسؤوليتان الجزائية والمدنية، ويترتب على نشوئهما من فعل واحد النتائج الآتية: ـ يتخير المضرور بين المطالبة بالتعويض أمام القضاء المدني أو أمام القضاء الجزائي تبعاً لدعوى المسؤولية الجزائية (دعوى الحق العام) (المادة 5/1 من قانون أصول المحاكمات الجزائية السوري)، كما يجوز له ترك دعواه أمام القاضي الجزائي في أي حالة كانت عليها ما دام لم يصدر فيها حكم في الموضوع، ويصح رفع الدعوى بالحقوق المدنية بعد ذلك إلى المحكمة المدنية. ـ تظل دعوى المسؤولية المدنية قائمة مادامت دعوى المسؤولية الجزائية قائمة لم تسقط بالتقادم. فسقوط الدعوى المدنية في التشريع السوري لا يمكن أن يكون سابقاً لسقوط الدعوى الجزائية، إنما سقوط الدعوى الجزائية يستتبع حتماً سقوط الدعوى المدنية، على أن تحريك دعوى المسؤولية الجزائية يوقف سريان التقادم على دعوى المسؤولية المدنية، ويستأنف التقادم سريانه بشأن هذه الأخيرة من تاريخ اكتساب القرار الجزائي الدرجة القطعية. ـ إذا اختار المضرور الطريق المدني فإنه يتوقف وجوباً النظر في الدعوى المدنية إلى أن يتم الفصل في الدعوى الجزائية بحكم مبرم (المادة 5/1 أصول جزائية). ـ ارتباط القاضي المدني بالحكم الجزائي الصادر في دعوى المسؤولية الجزائية. على أن هذا الارتباط محصور في الوقائع التي فصل فيها القرار الجزائي وكان فصله فيها ضرورياً للبت في المسؤولية الجزائية، فلا يرتبط القاضي المدني بالحكم الجزائي بالنسبة إلى الوقائع التي لم يفصل فيها هذا الأخير أو التي فصل فيها من دون ضرورة (المادة 91 بينات سوري)، فإذا قضى القرار الجزائي ببراءة السائقين المتهمين لخلو الأوراق من دليل قاطع على وقوع خطأ من أيهما وكانت هذه الأسباب كافية لحمل قضائه بالبراءة فإن ما يتزيد فيه من تقرير عن سبب الحادث وأنه كان وليد القوة القاهرة يكون غير لازم للفصل في الدعوى الجزائية، ولا يكتسب حجية أمام المحاكم المدنية. وكذا إذا أثبت القاضي الجزائي في حكمه وقوع خطأ من المجني عليه فإن هذا لا يقيد القاضي المدني لأنه لم يكن لازماً للفصل في الدعوى العامة لأن المسؤولية الجزائية لا تتجزأ. وإذا قرر القاضي الجزائي نفي التهمة عن المتهم لعدم كفاية الأدلة أو عدم مسؤوليته عن الجرم لأنه غير مميز، أو لأنه كان في حالة دفاع شرعي عن النفس فلا يجوز للقاضي المدني أن يقرر ارتكاب المدعي عليه للخطأ، أو أنه لم يكن في حالة دفاع شرعي، أو أنه كان مميزاً، وإذا قرر نفي الضرر وأن الجرم شروع تقيد القاضي المدني بعدم حدوث ضرر، فلا يجوز له أن يقرر ثبوت الضرر، وكذا وصف الخطأ بأنه عمد أو غير عمد لأنه يؤثر في وصف الجريمة. على أن تقيد القاضي المدني بحكم البراءة الصادر عن القاضي الجزائي لا يمنعه من إلزام المدعى عليه بالتعويض، إذا كانت المسؤولية المدنية أساسها التزام بتحقيق نتيجة، كالمسؤوليات التقصيرية التي تقوم على خطأ مفترض، والتي لا يمكن التنصل منها إلا بإثبات السبب الأجنبي ـ كما مرـ فالقاضي المدني يتقيد بالوقائع من دون التكييف القانوني الذي تضمنه الحكم الجزائي لهذه الوقائع، بل عليه أن يلتزم التكييف المدني. وكذا إذا كان حكم البراءة مؤسساً على انتفاء ركن العمد في الجريمة العمدية فلا يمنع القاضي المدني من استثبات خطأ مدني غير مقصود، أو إذا حكم القاضي الجزائي بالبراءة لأن الفعل المنسوب إلى المدعى عليه لا يعدّ خطأ جزائيا؛ لأنه قد يكون خطأ مدنياًَ. وبالعكس إذا ما قرر الإدانة لثبوت الجرم تقيد القاضي المدني بذلك فلا يحق له أن ينفي الخطأ عن المدعى عليه، فلا تقوم الحاجة عندئذٍ للمسؤوليات المبنية على خطأ مفترض. وبكل الأحوال لن تكون للحكم الجزائي حجية أمام القاضي المدني ما لم يكن الحكم الجزائي سابقاً على القرار المدني. وإذا كان القاضي المدني لا يتقيد بتوزيع المسؤولية عن حوادث السير الصادر من القاضي الجزائي، لأن تحديد نسبتها لا يتوقف عليه الفصل في المسؤولية الجزائية وفصله فيها يكون في غير ضرورة ـ إذ يكفي للمساءلة الجزائية في حوادث السير ثبوت مخالفة قانون السير، ويكفي للقاضي الجزائي أن يوقع العقوبة بسبب الضرر مهما كانت نسبة مسؤولية المدعى عليه عن وقوع الحادث ـ فإنه لا مانع يمنع المحكمة المدنية من اعتماد الحكم الجزائي والخبرة فيه. إن مسوغات هذا الحكم المعبر عنه بالقاعدة: الجزائي يعقل المدني، تكمن في أن القاضي الجزائي يفصل في قضايا تمس مصالح ضرورية من مصالح المجتمع لهذا يتعين أن يكون لأحكامه حجية مطلقة، ولا يجوز أن تصدر أحكام عن القضاء المدني تناقضه كي لا تهتز ثقة المجتمع بالقضاء الجزائي، وخاصة أن المشرع زوده بسلطة واسعة في وسائل الإثبات لا يتمتع بها القاضي المدني (المادة 175 أصول جزائية)، مما يجعل ما يقرره أقرب للحقيقة، وهذه الحجية للأحكام الجزائية تجاه القاضي المدني قائمة ولو لم يكن المضرور ممثلاً في دعوى الحق العام، لأن أساس هذه الحجية ليس وحدة الموضوع والسبب والخصوم، إنما في أرجحية القضاء الجزائي على القضاء المدني لما تقدم من أسباب، ولذا لم يجعل المشرع للحكم المدني أي حجية في الدعوى العامة. وبكل الأحوال فإن القضاء الجزائي ينظر في دعوى التعويض تبعاً لدعوى الحق العام، والقياس يقضي بأن لا ينظر في دعوى المسؤولية المدنية متى قرر البراءة أو عدم المسؤولية، إلا أن المشرع استثناء أجاز لمحكمة الجنايات مطلقاً ولمحكمة الاستئناف والجنح الجزائية في إحدى جنح التقليد والإفلاس (المادة 143عقوبات عام والمادة 315 أصول جزائية) أن تقضي بالتعويض المدني للمدعي الشخصي في حالتي البراءة وعدم المسؤولية بناءً على طلب الفريق المتضرر، وقد جعل المشرع المسألة جوازية بالنسبة إلى القاضي الجزائي في هذه الحالات ليتمكن من تقدير كل حالة على حدة، وما إذا كان المدعي الشخصي قد صور جريمة ليفيد من اختصاص القضاء الجزائي في الدعوى المدنية. فإذا قضت محكمة الجنايات بالبراءة أو بعدم المسؤولية لأن المتهم مجنون فهذا لا يمنعها من أن تقضي بالتعويض المدني سواء أكانت المسؤولية المدنية عقدية أم تقصيرية، وسواء أكانت التقصيرية تقوم على خطأ التزام الإثبات أم تقوم على خطأ مفترض.

ب ـ تنازع المسؤولية التقصيرية والمسؤولية العقدية:

(1) ـ ازدواج المسؤولية المدنية: ازدواج المسؤولية المدنية نظرية تقليدية برزت في القرن التاسع عشر يقول أنصارها بازدواج المسؤولية المدنية إلى عقدية وتقصيرية، وأساس هذا الازدواج اختلاف الطبيعة الفنية للخطأ في كل منهما، فالخطأ في المسؤولية العقدية يجب أن يتمثل في إخلال بالتزام إرادي، أما في المسؤولية التقصيرية فيتمثل بالإخلال بالتزام قانوني سابق غير إرادي. والمسؤولية العقدية هي أثر للعقد ذاته، وتنفيذ للعقد بطريقة التعويض؛ لأن إخلال العاقد بالتزامه العقدي لا ينهيه بل يتغير شكله، في حين أن المسؤولية التقصيرية هي مصدر لالتزام جديد بالتعويض، ويستدل أنصار هذا الاتجاه لمذهبهم بترتيب القانون المدني الذي عالج المسؤولية العقدية في أحكام الالتزام، وعالج المسؤولية التقصيرية في مصادر الالتزام، ويستدلون ببقاء التأمينات الضامنة للوفاء بالالتزام العقدي عينياً، للوفاء به بطريقة التعويض.

(2) ـ وحدة المسؤولية المدنية: فهي نظرية حديثة برزت في أواخر القرن العشرين ويقول أنصارها بوحدة المسؤولية المدنية، ومنهم من يرى في الالتزام بالتعويض التزاماً جديداً في المسؤوليتين العقدية والتقصيرية على السواء، ولم يسد هذا الرأي في الفقه الفرنسي، في حين ذهب آخرون منهم إلى أن الالتزام بالتعويض هو أثر للالتزام الذي حصل الإخلال به وليس التزاماً جديداً في كل من المسؤوليتين العقدية والتقصيرية. بكل الأحوال فإن هناك فروقاً في التنظيم القانوني لكل من المسؤوليتين لها من الأهمية ما يكفي للتمييز بينهما.

(3) ـ الفوارق بين المسؤوليتين:

> من حيث مدى التعويض: يشمل التعويض في المسؤولية التقصيرية كل الضرر المباشر المتوقع وغير المتوقع، في حين أنه قاصر في المسؤولية العقدية على الضرر المتوقع ما لم يكن ناشئاً عن خطأ جسيم أو غش ارتكبه المتعاقد. والحقيقة أن هذا الفارق لا يقوم بنفسه، إنما يستند إلى فارق أولي آخر حقيقي بينهما هو الاتفاق على تخفيف أو الإعفاء من المسؤولية، وهو جائز في المسؤولية العقدية دون التقصيرية، وشريطة ألا يكون الضرر ناشئاً في المسؤولية العقدية عن خطأ جسيم أو غش (المادة 218/2 مدني سوري). فالمشرع قدر ما يمكن أن تتجه إليه إرادة المتعاقدين عن العقد لو اهتما بتنظيم آثار الإخلال بالالتزامات التعاقدية، وهو التعويض عن الضرر المتوقع فقط، فهو بمنزلة تخفيف اتفاقي للمسؤولية التي تشمل بحسب الأصل كل الأضرار المباشرة، سواء أكانت المسؤولية عقدية أم تقصيرية، وهذا التخفيف باطل عندما يكون الإخلال ناشئاً من غش أو خطأ جسيم فيتم العودة إلى الأصل.

> من حيث التضامن: عند تعدد المسؤولين فلا يقوم التضامن بينهم إلا بالنص القانوني أو الاتفاق، وقد نص القانون على تضامن المسؤولين تقصيرياً (المادة 170 مدني سوري)، في حين لا يتضامن المسؤولون عقدياً إلا إذا نص عقدهم على هذا التضامن، ولو كان الالتزام الأصلي لا يقبل الانقسام لأن التعويض يقبل التجرئة. ويختلف الشراح في تسويغ تقرير المشرع للتضامن في المسؤولية التقصيرية، فمنهم من يرده إلى مصادر تاريخية في القانون الروماني والفرنسي القديم، ومنهم من يرده إلى الرغبة في رعاية مصلحة المضرور، ومنهم من يرده إلى نظرية تعادل الأسباب وتكافئها في إحداث الضرر، ولكنها نظرية مهجورة. وفي الفقه الإسلامي الأصل عدم التضامن بين الفاعلين المتعددين وكل منهم مسؤول عما يخصه من الضمان، إلا في مستثنيات كأن يتعدد السارقون أو الغاصبون، فكل واحد منهم ضامن لجميع ما أخذوه لأن بعضهم قوي ببعض، وهو تسويغ منطقي ومعقول للتضامن.

> من حيث التقادم: تتقادم المسؤولية العقدية من حيث المبدأ بخمس عشرة سنة من وقت الاستحقاق (المادة 372 مدني سوري)، ما لم ينص القانون على مدة أقصر. أما المسؤولية التقصيرية فتتقادم بثلاث سنوات من اليوم الذي يعلم فيه المضرور بحدوث الضرر وبالمسؤول عنه، أو بخمس عشرة سنة من يوم وقوع العمل غير المشروع (المادة 173/2 مدني سوري). إن الفروق المذكورة ليست ـ بوجه الإجمال ـ مجرد تنظيمين قانونين لمسؤولية مدنية ذات طبيعة قانونية واحدة، كما يقرر أنصار وحدة المسؤولية، بل إن الذي أملاها اختلاف الطبيعة القانونية للمسؤوليتين.

> من حيث وجوب الإعذار: فإنه وبكل الأحوال ما دامت هذه الفروق موجودة فقد يكون من مصلحة المضرور التمسك بأحكام إحدى المسؤوليتين من دون الأخرى، فما مدى قدرته على الاختيار أو الجمع بينهما؟ لا شك أنه لا تثور مشكلة تنازع المسؤوليتين العقدية والتقصيرية عندما يكون الإخلال خطأ عقدياً خالصاً كإخلال المؤجر بتمكين المستأجر من الانتفاع بالعين المؤجرة انتفاعاً كاملاً، وإخلال المشتري بدفع الثمن، فلا تقوم هنا إلا المسؤولية العقدية، وكذا عندما يكون الإخلال خطأ تقصيرياً خالصاً كإخلال المؤجر صيانة ماسورة تصريف المياه، فهذا يعد خطأً عقدياً خالصاً تجاه مستأجر الشقة، وخطأ تقصيرياً خالصاً تجاه صاحب المحل الذي يقع أسفل الشقة المؤجرة؛ إذ نجم عن انسدادها طفح المياه ورشحها إليه ما نجم عنه تلف الأسلاك الكهربائية وحريق أتى على المحل. أما عندما يكون الإخلال في الوقت ذاته إخلالاً بالتزام تعاقدي وانتهاكاً لالتزام قانوني، كأن يمتنع المؤجر حارس البناء المؤجر عن صيانته على الرغم من إعذاره من المستأجر فيتهدم البناء ويتضرر المستأجر، هنا تثور مسألة الخيرة بين المسؤوليتين العقدية والتقصيرية والجمع بينهما. يشترط لقيام المسؤولية العقدية سواء أكانت لعدم تنفيذ الالتزام التعاقدي أم للتأخر في تنفيذه، أم تنفيذه تنفيذاً معيباً إعذار المدين بدعوته للوفاء بالتزامه العقدي تنفيذاً عينياً صحيحاً. في حين لم يشترط المشرع لقيام التقصيرية واستحقاق التعويض إعذار المدين (المادة 221 مدني سوري)، فحارس البناء ملتزم قانوناً بصيانة بنائه وإصلاحه فإن أهمل ذلك فتهدم البناء وألحق أضراراً بالجيران قامت مسؤولية الحارس التقصيرية من دون حاجة إلى إعذاره بضرورة صيانة بنائه، ومالك العقار المغصوب يستحق تعويضاً عن حرمانه من منفعة عقاره من تاريخ غصبه لا من تاريخ إعذار الغاصب للرد، ولعل هذا الفارق يمكن أساسه في أن العلاقة القانونية في المسؤولية التقصيرية بين الدائن والمدين لا تقوم إلا بعد وقوع الضرر عكس العلاقة القانونية في المسؤولية العقدية.

(4) ـ الجمع بين المسؤوليتين العقدية والتقصيرية: لا خلاف في أنه لا يجوز للمضرور أن يختار من قواعد كل من المسؤوليتين بعض مزاياها، ويؤسس دعواه على خليط من قواعدهما، لأنها ستكون دعوى مولدة لا يعرفها القانون، إنما يمكن أن يستند إلى قواعد إحداهما بصفة أصلية وإلى قواعد الأخرى بصفة احتياطية. كما لا جدال في أنه لا يجوز أن يتقاضى المضرور تعويضين أحدهما على أساس المسؤولية العقدية والآخر على أساس التقصيرية، لأن الضرر الواحد لا يصح تعويضه مرتين وإلا عد مثرياً بلا سبب على حساب المسؤول. إنما ثار الخلاف في إمكانية رفع الدعوى على أساس قواعد إحدى المسؤوليتين وخسرانها، فهل يجوز له أن يرفع دعوى مرة ثانية على أساس قواعد الأخرى؟ الاتجاهات التي لا تعد الأساس القانوني للمسؤولية جزءاً من سبب الدعوى بها، إنما مجرد وسيلة فنية لا يؤثر تغييرها في وحدة سبب الدعوى المتمثل في الواقعة القانونية (الفعل الضار) فإنها تقول بالمنع طبقاً لقاعدة حجية الشيء المحكوم فيه (المادة 90/1 بينات سوري) التي تمنع تجديد النزاع أمام القضاء مرة ثانية متى توافرت في الدعوى وحدة الموضوع والسببب والخصوم. أما الاتجاهات التي تعد الأساس القانوني للدعوى جزءاً من سببها إلى جانب الواقعة القانونية المتمثلة هنا في الفعل الضار فإنها تجيز للمضرور الذي رفضت دعواه على الأساس العقدي أن يرفعها ثانية على الأساس التقصيري أو العكس، كما يجيز أنصارها للمضرور أن يطالب بتعويض الضرر غير المتوقع على الأساس التقصيري بعد أن حصل على تعويض عن الضرر المتوقع على الأساس العقدي لاختلاف موضوع الدعوى هنا فضلاً عن سببها، وهذا هو رأي الدائرة الجزائية في محكمة النقض المصرية، والقضائين الفرنسي والبلجيكي.

(5) ـ الخيرة بين المسؤوليتين العقدية والتقصيرية: اختلف الشراح في إمكانية اختيار المضرور قواعد إحدى المسؤوليتين العقدية والتقصيرية بحسب مصلحته، فالمانعون خصوم الخيرة، يحتجون بالقوة الملزمة للعقد التي يؤدي القول بالخيرة إلى إهدارها. وسواء أكان الإخلال العقدي مستنداً إلى فعل المدين الشخصي أم فعل شخص يسأل عنه أم شيء في حراسته. وقاعدة عدم الخيرة عند معظم أنصارها هي قاعدة مطلقة لا استثناء عليها، لتظل العلاقات التعاقدية بمنأى عن أحكام المسؤولية التقصيرية، حتى في حالات الخطأ العقدي المتمثل في جريمة أو غش أو خطأ جسيم، وخاصة أن المشرع قد نظم المسؤولية العقدية بأحكام خاصة في مثل هذه الحالة (المادتان 222/2 و226 مدني سوري). أما المجيزون أنصار الخيرة في فرنسا ومصر فإنهم يقررون للمضرور مكنة الاختيار، تأسيساً على أن أحكام المسؤولية التقصيرية تتعلق بالنظام العام، وتمثل القانون العام للمسؤولية المدنية ومادام لا يوجد نص صريح في القانون يحرم الخيرة كما فعلت بعض الشرائع. ثم إنه من المسلم به في علم أصول المحاكمات إمكانية الاختيار بين عدة دعاوى مادامت تتوافر شرائطها جميعاً، ثم إن منطق العدل يرفض حرمان المستأجر من قرينة حارس البناء لمجرد وجود عقد إيجار بينه وبين المؤجر. وهذا ما يأخذ به القضاء البلجيكي والسويسري والألماني والإنكليزي والأمريكي من دون نصوص قانونية تقرر الخيرة. إن احترام القوة الملزمة للعقد يستوجب عند خصوم الخيرة القول بمنعها، وخاصة عندما يضع القانون معياراً للخطأ العقدي أدنى من عناية الرجل المعتاد، كما في مسؤولية المودع لديه من دون أجر، فهو لا يلزم إلا ببذل العناية التي يبذلها في حفظ أمواله ولو كان مهملاً وكانت تقل عن عناية الرجل المعتاد، فالقول بالخيرة يهدم القوة الملزمة لهذا التنظيم التعاقدي لمسؤولية الوديع، إذا ما رجع عليه بالخطأ التقصيري الذي يقاس بعناية الرجل المعتاد. على أنه لما كانت قواعد المسؤولية العقدية تكميلية فإنه يجوز الاتفاق على ما يخالفها، فإن سكت المتعاقدان امتنعت الخيرة ومن باب أولى إذا اتفقا صراحة أو ضمناً على عدم الخيرة، كأن يتفقا على تعويض اتفاقي (شرط جزائي) فهذا استبعاد ضمني للخيرة، إنما يجوز لهم التصريح بإمكانية الخيرة فتجوز عندئذٍ. إن الخلاف بشأن الخيرة عرفته المذاهب الإسلامية، فقد ذهب المالكية، والشافعية في قول، والحنابلة: إلى أنه إذا هلك المبيع قبل التسليم بفعل البائع أو بسببه لا ينفسخ البيع ويخير المشتري بين فسخ العقد واسترداد الثمن، وبين إمضائه بالثمن وتضمين البائع مثل المبيع أو قيمته، وقد يتقاصان، لأنه إن تلف بآفة سماوية لم يوجد مقتضى للضمان إلا حكم العقد، بخلاف ما إذا أتلفه البائع فإن إتلافه يقتضي الضمان بالمثل أو القيمة وهو ضمان الإتلاف، وحكم العقد يقتضي الضمان بالثمن فكانت الخيرة للمشتري في التضمين بأيهما شاء كما لو كان الإتلاف بفعل الأجنبي. في حين ذهب الحنفية والشافعية في الأظهر من مذهبهم إلى أنه إن هلك المبيع بفعل البائع أو بسببه قبل التسليم انفسخ البيع للعجز عن التسليم واسترد المشتري الثمن. إن قاعدة منع الخيرة عند القائلين بها تقيد المحكمة مثلما تقيد الخصوم، فعلى محكمة الموضوع أن تعطي التكييف القانوني الصحيح المنطبق على العلاقة بين طرفي دعوى التعويض من دون أن تتقيد بالتكييف الذي يسبغه الخصوم على تلك العلاقة، ولا يعد ذلك منها تغييراً لسبب الدعوى أو موضوعها، إذ إن كل ما تولد به للمضرور من حق هو الحق في التعويض عما أصابه من ضرر قبل من أحدثه أو تسبب فيه، ويعد هذا هو السبب المباشر لدعوى التعويض مهما اختلفت أسانيدها. فإن أخطات محكمة الموضوع وطبقت قواعد المسؤولية التقصيرية من دون قواعد العقدية الملزمة التطبيق جاز لمن تكون له مصلحة من الخصوم في إعمال هذه القواعد أن يطعن في الحكم بطريقة النقض، على أساس مخالفته للقانون ولو لم يكن قد نبه محكمة الموضوع إلى التزام تطبيق قواعد المسؤولية العقدية، لأنها ملزمة بإعمالها من تلقاء نفسها، ولا يعد النعي على الحكم بذلك إبداء لسبب جديد مما لا تجوز إثارته لأول مرة أمام محكمة النقض، ذلك لأن تحديد الطبيعة القانونية للمسؤولية التي يتولد منها حق للمضرور في طلب التعويض يعد مطروحاً على محكمة الموضوع ولو لم تتناوله بالبحث فعلاً. إن قاعدة عدم الخيرة التي تقيد الخصوم والمحكمة على السواء تستوجب تحديد نطاق كل من المسؤوليتين العقدية والتقصيرية.

(6) ـ حدود المسؤوليتين العقدية والتقصيرية: إذا حُدد بدقة نطاق المسؤولية العقدية فإن كل ما يخرج عن هذا النطاق يدخل في إطار المسؤولية التقصيرية، ولكي تقوم المسؤولية العقدية لا بد من أن تتوافر عدة شروط هي:

> وجود عقد: إن اشتراط وجود تصرف قانوني لقيام المسؤولية العقدية هو شرط بدهي، فاتفاقات المجاملة لا تعد عقوداً لانتفاء نية إحداث آثار قانونية، كمن يجامل صديقه فيدعوه للركوب معه في سيارته، فإذا تضرر كانت مسؤولية الناقل تقصيرية. وقد ثار الخلاف بالنسبة للخاطب إذا تعسف في استعمال حقه بالعدول عن الخطبة، أو كان عدوله لغرض لا يتفق مع الغاية من تشريع الحق في العدول عن الخطبة، فبعض الشراح يعد مسؤوليته عقدية لأنه تعسف في استعمال حق ناشئ من العقد، في حين يرى بعضهم الآخر أن التعسف في استعمال الحقوق العقدية بما فيها إلغاء العقد غير اللازم يقيم مسؤولية تقصيرية لأن هذا التعسف ليس من شأنه أن يمنع زوال العقد ووجوده شرط ضروري لقيام المسؤولية العقدية وهذا الخلاف قليل الأهمية لأن الخطبة من مسائل الأحوال الشخصية، وينبغي أن يختص القضاء الشرعي بنظر دعاوى التعويض عن الضرر الناشئ عن العدول عنها، وينبغي أن يطبق الراجح من مذهب الحنفية (المادة 305 أحوال شخصية). والفقه الإسلامي بصياغته المتميزة لا يفرق بين مسؤولية عقدية وتقصيرية بل بين ضمان فعل وضمان عقد، وينتظم ضمان الفعل ضمان اليد وضمان الإتلاف بالمباشرة أو بالتسبب أو التغرير، والتعسف في استعمال حق العدول هو تسبب للإتلاف إذا ألحق ضرراً مادياً، فإذا أكد الخاطب رغبته في الزواج من المخطوبة وطلب منها الاستقالة من وظيفتها أو طلبت منه نوعاً معيناً من الجهاز، ثم حصل العدول من دون مسوغ شرعي، فإن العادل ينبغي أن يعوض الخاطب الآخر لأنه تغرير والتغرير من موجبات الضمان في الفقه الإسلامي، ويرجح المتأخرون شمول التعويض للأضرار المادية مثل نفقات حفل الخطوبة وراتب الوظيفة…إلخ والأضرار المعنوية غير الاستهواء الجنسي. وإذا اقترن قطع المفاوضات بخطأ ألحق ضرراً بالطرف الآخر، قد يتمثل في نفقات صرفها في سبيل التحضير للعقد، ودراسات جدوى، وأجور انتقال وخبرات وصفقات رابحة فوتها اعتماداً على العقد موضوع المفاوضات، فإنه يستحق التعويض عنها طبقاً لقواعد المسؤولية التقصيرية. كذلك لا وجود للمسؤولية العقدية بعد زوال العقد، إنما ثار الخلاف بشأن العامل الذي يفضي بأسرار صاحب العمل بعد انتهاء العقد، فبعضهم عدها مسؤولية تقصيرية وآخرون عدوها مسؤولية عقدية، لكنه حتى لو لم ينص عقد العمل على التزام العامل بعدم المنافسة فإن القانون أوجب على العامل أن يحتفظ بأسرار العمل الصناعية والتجارية حتى انقضاء العقد (المادتان 651/د و149/2 مدني سوري)، وكذا تكون مسؤولية بائع المحل التجاري عقدية إذا فتح متجراً مماثلاً على مقربة من المتجر المبيع؛ لأنه ضامن لعدم تعرضه الشخصي للمشتري بمقتضى عقد البيع.

> صحة العقد: قيام المسؤولية العقدية يستلزم أن يكون العقد موضوعها صحيحاً، ويمكن القول في قاعدة عامة: إن إدخال سبب للبطلان في العقد يعد خطأ يقيم المسؤولية التقصيرية على عاتق فاعله، إذا كان الآخر حسن النية ولا يبرأ منها إلا في حالات استثنائية، وحيث لا يمكن أن ينسب إليه فيها خطأ ما، كأن يهلك المبيع قبل البيع من دون أن يتسنى للبائع على الرغم من يقظته أن يعلم بتلك الواقعة. ومن تطبيقات ذلك ما نصت عليه (المادة 120 مدني) من أنه يجوز لناقص الأهلية أن يطلب إبطال العقد، وهذا مع عدم الإخلال بإلزامه بالتعويض إذا لجأ إلى طرائق احتيالية ليخفي نقص أهليته. في حين ذهب إيهرنج وبعض الشراح الألمان والفرنسيين إلى أن الخطأ الذي يعوق قيام العقد أو يؤدي إلى بطلانه يقيم مسؤولية عقدية على عاتق مرتكبه، لأنه ينبغي أن يعلم بالعائق من دون قيام العقد صحيحاً فجهله به قد أضر بالعاقد الآخر وهي ما تسمى بنظرية الخطأ عند تكوين العقد.

> قيام العقد بين المسؤول والمضرور: لا يكفي لقيام المسؤولية العقدية وجود عقد صحيح، بل يجب أن يكون هذا العقد منعقداً بين المسؤول والمضرور إعمالاً لمبدأ نسبية أثر العقد، أو أن يكون حقه ناشئاً عن العقد كالمنتفع في الاشتراط لمصلحة الغير، وكذا الخلف العام والخاص متى تحققت شرائط انصراف أثر العقد إليهما، وكذا دائن المتعاقد المضرور سواء رجع بالدعوى المباشرة ـ حيث يمنحه إياها القانون تجاه مدين مدينه ـ أم رجع بالدعوى غير المباشرة. على أنه يمكن للإخلال الواحد أن يقيم المسؤولية العقدية تجاه شخص والمسؤولية التقصيرية تجاه شخص آخر، فأمين النقل يسأل عقدياً عن وفاة المنقول لأنه أخل بالتزامه ضمان سلامته، ويسأل تقصيرياً في حدود القانون عن الأضرار المادية والمعنوية التي أصابت ورثته أو أقاربه نتيجة فقد العائل، ولا يستطيع أن يحتج عليهم بصدد هذه الأخيرة ببنود الإعفاء أو التخفيف المنصوص عليها في عقد النقل. وقد يشترك الغير مع أحد العاقدين في الإخلال بتنفيذ العقد إضراراً بالعاقد الآخر، كمن يشتري عقاراً يعلم أنه موضوع لوعد ببيع عقاري، أو بالتفضيل، إضراراً بالموعود له، وهنا يسلم الفقه الحديث بأن خطأ الغير يقيم مسؤوليته التقصيرية؛ لأنه أخل بالتزام قانوني عام يفرض عليه احترام بنود العقد كظاهرة اجتماعية، كما أن تحريض العامل على ترك العمل قبل انتهاء مدته اعتداء على حقوق رب العمل يقيم مسؤولية المحرّض التقصيرية.

> رجوع الضرر إلى الإخلال بالعقد: لا يكفي لقيام المسؤولية العقدية وجود عقد صحيح بين المضرور والمسؤول بل يجب أن يرجع الضرر إلى إخلال المسؤول بتنفيذ التزام ناشئ عنه، فإذا أحدث المشتري وقت البيع حريقاً بإهماله في متجر البائع لا تقوم على عاتقه سوى مسؤولية تقصيرية لانقطاع الصلة القانونية بين العقد والفعل الضار، وإن كانت تربطهما صلة مادية، فلولا معاملة البيع لما وقع الحريق، لأن الصلة المادية بين العقد والضرر لا تكفي لقيام المسؤولية العقدية. على أن من الثابت أن العقد لا يقتصر على إلزام العاقدين بما ورد فيه إنما يتناول أيضاً ما يعد من مستلزماته وفقاً للقانون والعرف والعدالة بحسب طبيعة الالتزام (المادة 149/2 مدني سوري). وقد فرض القضاءان الفرنسي والمصري التزاماً بضمان السلامة في كثير من العقود مثل عقد نقل الأشخاص وعدّه التزاماً بتحقيق نتيجة هي سلامة المنقول، ليوفر للمسافر حماية فعالة. وعدّه متعلقاً بالنظام العام واعتبارات العدالة فأبطل الاتفاق على الإعفاء منه وذلك قبل أن تتقرر مسؤولية حارس الأشياء. فمسؤولية المستأجر عن حريق العين المؤجرة هي عقدية، والتزامه بسلامتها التزام بتحقيق نتيجة لا يعفيه من المسؤولية إلا إثبات السبب الأجنبي (المادة 552 مدني سوري)، وكذا مسؤولية الطبيب الذي اختاره المريض أو نائبه أو الفضولي لعلاجه، فهي عقدية، ولا يلتزم إلا ببذل جهود يقظة تتفق في غير الظروف الاستثنائية مع الأصول المستقرة في مهنة الطب، بحيث يسأل عن كل تقصير في مسلكه الطبي لا يقع من طبيب يقظ في مستواه المهني وجد في الظروف الظاهرة نفسها التي أحاطت بالطبيب المسؤول. وتبرز أهمية تكييف مسؤولية الطبيب على أنها عقدية في حالات سقوط مسؤوليته الجزائية بالتقادم.

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ علي الخفيف، الضمان في الفقه الإسلامي  (المطبعة الفنية الحديثة).

ـ عز الدين الديناصوري وعبد الحميد الشواربي، المسؤولية المدنية في ضوء الفقه والقضاء (طبعة 7، سنة 2000).

ـ وهبة الزحيلي، نظرية الضمان (دار الفكر المعاصر، ط7، دمشق).

ـ مصطفى أحمد الزرقاء، المدخل الفقهي العام  (ط 6).

ـ محمود جمال الدين زكي، مشكلات المسؤولية المدنية (مطبعة جامعة القاهرة والكتاب الجامعي، 1978).

ـ محمد أحمد سراج، ضمان العدوان في الفقه الإسلامي (دار الثقافة، 1990).

ـ عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد، مصادر الالتزام ـ ج1 (دار التراث العربي، بيروت).

ـ محمد وحيد سوار، مصادر الالتزام ـ المصادر غير الإدارية (منشورات جامعة دمشق).

ـ جلال الدين السيوطي، الأشباه والنظائر (دار الكتاب العربي).

ـ محمد لبيب شنب، دروس في نظرية الالتزام ـ مصادر الالتزام (1989).

ـ عبد الهادي الشقنقيري، محاضرات في تاريخ النظم القانونية والاجتماعية (1994).

ـ  عبد الرحمن الصابوني، شرح قانون الأحوال الشخصية (منشورات جامعة دمشق).

ـ عبد المنعم فرج الصدة، مصادر الالتزام (دار النهضة العربية، القاهرة 1992).

ـ شهاب الدين القرافي، الفروق وبهامشه تهذيب الفروق والقواعد السنية (عالم الكتب، بيروت).

ـ علاء الدين الكاشاني الحنفي، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (دار الكتب العلمية، ط2،  بيروت 1986).

ـ صبحي محمصاني، النظرية العامة للموجبات والعقود في الشريعة الإسلامية (1948).

ـ سليمان مرقس، الوافي في شرح القانون المدني (2)، تنقيح حبيب إبراهيم الخليلي: الفعل الضار والمسؤولية المدنية  (طبعة عام 1988). وله بحوث وتعليقات على الأحكام في المسؤولية المدنية (المنشورات الحقوقية، صادر،  بيروت 1998).




التصنيف : القانون الخاص
النوع : القانون الخاص
المجلد السادس: علم الفقه ــ المحكمة الأوربية لحقوق الإنسان
رقم الصفحة ضمن المجلد : 12
مستقل

الدستور

الدستور أنواع الدساتير سُمُو الدستور إعداد الدستور انتهاء الدستور

المزيد »