logo

logo

القانون الدولي | محكمة العدل الدولية

محكمه عدل دوليه

international court of justice - cour internationale de justice

 محكمة العدل الدولية

محكمة العدل الدولية

محمد عزيز شكري

التعريف بها

تأليف المحكمة

الاختصاص الشخصي للمحكمة (من يملك حق اللجوء إلى المحكمة)

الاختصاص النوعي للمحكمة

 

أولاً ـ التعريف بها:

محكة العدل الدولية The International Court of Justice هي الساعد القضائي الرئيسي للأمم المتحدة وقد خصها أرباب الميثاق بالفصل الرابع عشر منه وهو يضم المواد التالية:

ـ المادة (92): وتتناول ماهية المحكمة وارتباطها بالأمم المتحدة.

ـ المادة (93): وتعالج مسألة الانتساب إلى نظام المحكمة للدول الأعضاء وغير الأعضاء في المنظمة الدولية.

ـ المادة (94): وتعالج أمر تنفيذ أحكام المحكمة.

ـ المادة (95): وتبحث إمكان إنشاء محاكم دولية أخرى لتسند إليها مهمة حل الخلافات بين الدول.

ـ المادة (96): وتعالج مسألة طلب آراء استشارية من المحكمة.

أما النظام الأساسي للمحكمة فيقع في خمسة فصول وسبعين مادة قسمت على النحو التالي:

ـ المادة الأولى: وهي تحدد مكان المحكمة في نطاق الأمم المتحدة.

ـ الفصل الأول: في تنظيم المحكمة (المواد 1ـ33).

ـ الفصل الثاني: في اختصاصات المحكمة (المواد 34ـ38)

ـ الفصل الثالث: في الإجراءات (المواد 39ـ64).

ـ الفصل الرابع: في الآراء الاستشارية أو الفتاوى (المواد 65ـ68).

ـ الفصل الخامس: في تعديل النظام الأساسي للمحكمة (المادتان 69ـ70).

ويتضح من نصوص الميثاق والنظام الأساسي للمحكمة أن العلاقة بين المحكمة والأمم المتحدة هي أكثر وضوحاً وتحديداً من تلك التي ربطت بين محكمة العدل الدولية الدائمة وبين عصبة الأمم. فالمحكمة الحالية بصريح عبارة المادة (92) من الميثاق ـ كما أُشير آنفاً ـ الأداة القضائية الرئيسية للأمم المتحدة وتقوم بعملها وفق نظامها الأساسي الذي يعد جزءاً لا يتجزأ منه وبالتالي:

فإن نصوص الميثاق والنظام الأساسي للمحكمة يعدان كلاً واحداً في مجالات التفسير والإلزام، وهناك انطباق تام بين العضوية في المنظمة والعضوية في نظام المحكمة. ولعل من نافل القول تأكيداً أن عُد النظام الأساسي للمحكمة جزءاً لا يتجزأ من الميثاق ما يعني أن المحكمة ذاتها هي جزء لا يتجزأ من بنيان الأمم المتحدة، وذلك كله لم يكن أيام المحكمة القديمة في علاقاتها بالعصبة.

غير أن محكمة العدل ـ وهي فرع من فروع الأمم المتحدة ـ تتمتع ببعض الميزات الخاصة بها على النحو التالي:

أنها تشترك مع الجمعية العامة في كونهما الهيئتين الوحيدتين اللتين لا يلزمهما الميثاق تقديم تقارير عن أعمالهما لأي هيئة أخرى، وهذا يعني أن نشاط المحكمة القضائي لا يخضع لأي رقابة من قبل أي هيئة أخرى. وعلى الرغم من أن الجمعية العامة تبحث في الأمور المالية للمحكمة فإن ذلك لا يتم إلا على أساس التقرير السنوي الذي تتقدم به المحكمة نفسها مما يمكنها من ممارسة سلطة توجيه تلك المناقشات وتحديدها.

المحكمة هي الهيئة الوحيدة في منظمة الأمم المتحدة التي تشترك فيها دول غير أعضاء في الأمم على قدم المساواة مع الأعضاء، في حين أن اشتراك الدول غير الأعضاء في أعمال أي هيئة أخرى يخضع لكثير من التحفظات والإجراءات ولا يتم على أساس المساواة بينها وبين الدول الأعضاء.

للمحكمة أمانة خاصة بها تخضع لأنظمة تصدرها المحكمة، وهي تختلف عن تلك التي تنظم الأمانة العامة للأمم المتحدة،وذلك يؤكد استقلال المحكمة في مهامها أكثر وأكثر.

يتمتع قضاة المحكمة عملاً بالمادة (19) من النظام الأساسي بحصانات وامتيازات دبلوماسية كثيرة حين قيامهم بأعمالهم القضائية، في حين أن مبدأ الحصانة الوظيفية المحدودة يطبق على العاملين في الهيئات الأخرى للأمم المتحدة.

على الرغم من أن وظائف المحكمة محدودة بتلك المهام ذات الصفة القانونية؛ فإنه لا يوجد قيد على مداولاتها وقراراتها حين يكون النزاع الذي تنظر فيه معروضاً على هيئة أخرى، بخلاف ما يجري بين الجمعية العامة ومجلس الأمن عملاً بالمادة (12) من الميثاق التي بموجبها يمتنع على الجمعية العامة البت في نزاع يتداول فيه مجلس الأمن.

تختلف إجراءات تعديل نظام المحكمة عن تلك المتبعة في تعديل الميثاق وذلك بسبب الدور الذي يسنده النظام إلى المحكمة نفسها في هذا المجال؛ من حيث حقها في اقتراح التعديلات التي تراها ضرورية في نظامها الأساسي (م 70).

تشترك المحكمة مع مجلس الأمن في صلاحية استصدار قرارات ملزمة. أكثر من هذا أن المحكمة لا تحتاج في استصدار قراراتها إلا إلى أغلبية بسيطة، في حين أن القرارات غير الإجرائية التي تصدر عن مجلس الأمن تحتاج من أجل الموافقة عليها إلى تسعة أصوات بما فيها الأصوات الإيجابية للأعضاء الدائمين وهذا ما يعرضها لمشكلة الڤيتو المستعصية.

ومن جهة أخرى فالنص الوارد في المادة (92) من ميثاق الأمم المتحدة على كون محكمة العدل الدولية الهيئة القضائية الرئيسية للمنظمة يعني أنها ليست الهيئة الوحيدة التي يمكن أن تتشكل في ظل الميثاق، بل يمكن أن تنبثق من الميثاق محاكم دولية أخرى إذا رغبت الدول في ذلك.وكذلك فكون محكمة العدل الدولية الهيئة القضائية الرئيسية للأمم المتحدة لا يمنحها حق احتكار وضع قواعد جديدة للقانون الدولي عن طريق الاجتهاد.

وكلمة أخرى فليس من اختصاص المحكمة أن ترسم ما يمكن تسميته بالسياسة القضائية الدولية؛ إذ إن ذلك يخضع لاختصاص الجمعية العامة (م 13) وعلى الرغم من كون القوة القانونية لتوصيات هذه الجمعية أمراً مختلفاً فيه بين فقهاء القانون الدولي؛ فللجمعية العامة لجنة خاصة تدعى اللجنة القانونية (اللجنة السادسة) تعمل على رسم هذه السياسة بالتعاون مع اللجان الفرعية كلجنة القانون الدولي التي تضم حالياً أربعة وثلاثين مختصاً بالقانون الدولي تختارهم الجمعية العامة، مهمتها رفع مشاريع المعاهدات الدولية التي تعالج أموراً تهم المجتمع الدولي كالمسؤولية الدولية والمعاهدات والتحكيم وحقوق الدول وواجباتها…إلخ.

ثانياً ـ تأليف المحكمة:

1ـ القضاة Judges

أ ـ مؤهلاتهم: تتكون هيئة المحكمة من قضاة مستقلين ينتخبون من الأشخاص ذوي الصفات الخلقية العالية الحائزين في بلادهم المؤهلات المطلوبة للتعيين في أرفع المناصب القضائية أو من المشرعين المشهود لهم بالكفاءة في القانون الدولي، وكل هذا بغض النظر عن جنسياتهم، لكن لا يجوز أن يكون اثنان من أعضاء المحكمة من رعايا دولة واحدة وفي حال ازدواج جنسية المرشح يعد مواطناً في الدولة التي يباشر فيها على نحو معتاد حقوقه المدنية والسياسية، أي يؤخذ في الحسبان "جنسيته الفعلية" كما يعرفها القانون الدولي. ثم إنه يراعى في تأليف المحكمة في جملتها تمثيل المدنيات والنظم القانونية الرئيسية في العالم. وهذا ما يعرف ـ تجاوزاًـ بمبدأ التوزيع الجغرافي العادل. ويلاحظ من انتقاء القضاة عبر السنين أن الأنظمة التشريعية التالية ممثلة في المحكمة بعضو أو أكثر: النظام الأنكلوسكسوني، النظام اللاتيني، النظام العربي الإسلامي، النظام الاشتراكي، النظام الآسيوي ومنذ عام 1966 النظام الإفريقي.

ب ـ عددهم: تتشكل محكمة العدل الدولية من خمسة عشر قاضياً، وكان هذا العدد محل انتقاد من حيث ضخامته في البداية؛ بيد أن الاتجاه الآن ميال إلى زيادته انطلاقاً من اتساع العضوية في المجتمع الدولي المنظم في الأمم المتحدة، وضرورة أخذ النظم القانونية في العديد من الدول الجديدة في حساب التمثيل في المحكمة.

ج ـ ترشيحهم وانتخابهم: يرشح القضاة لعضوية المحكمة من قبل "شعب أهلية" تنشأ في كل دولة وذلك بالتشاور مع المحكمة العليا وكليات الحقوق والمعاهد والجمعيات الحقوقية في تلك الدولة، ولا تسمي أي شعبة أهلية أكثر من أربعة مرشحين؛ اثنان منهم فقط من جنسيتها.

من هذا الترتيب يتضح حرص النظام على اختيار الأشخاص الأكثر استقلالاً وكفاءة.

ترسل قوائم المرشحين الذين اختارتهم الشعب الأهلية إلى الأمين العام للأمم المتحدة الذي يعد قائمة عامة بأسمائهم حسب الحروف الأبجدية.

تقوم الجمعية العامة ومجلس الأمن منفردين بمهمة انتخاب أعضاء المحكمة، والمرشحون الذين ينالون الأكثرية المطلقة لأصوات الجمعية العامة ولأصوات مجلس الأمن يعدون فائزين، وعند التصويت في مجلس الأمن لا يتميز الأعضاء الدائمون من غيرهم. فإذا حصل أكثر من مرشح من رعايا دولة واحدة على الأكثرية المطلقة للجمعية والمجلس عد فائزاً أكبرهم سناً. أما إذا أخفق المجلس أو الجمعية في انتخاب القضاة اللازمين في أول جلسة فإنهما يعقدان جلسة ثانية، فإذا أخفقا بعد ذلك جاز تأليف مؤتمر مشترك يضم ستة أعضاء نصفهم تسميه الجمعية ونصفهم يسميه المجلس ليختار بطريقة التصويت بالأكثرية المطلقة مرشحاً لكل منصب شاغر، ومن ثم يعرض اسمه على الجمعية العامة ومجلس الأمن للموافقة عليه من كل منهما، والجدير بالذكر أن لهذا المؤتمر المشترك الحق في أن يرشح للجمعية والمجلس شخصاً تجتمع فيه الشروط اللازمة ولو لم يكن اسمه وارداً في قوائم الشعب الأهلية، فإذا أخفق المؤتمر المشترك ذاته قام أعضاء المحكمة المنتخبون بانتخاب زملائهم الذين لم تفلح الجمعية العامة ومجلس الأمن في الاتفاق عليهم.

د ـ مدتهم: ينتخب أعضاء المحكمة مدة تسع سنوات قابلة للتجديد الفوري، لكن مؤتمر سان فرانسيسكو أقر أن يعاد انتخاب خمسة قضاة بعد ثلاث سنوات فقط من انتخابهم الأول وخمسة آخرين بعد ست سنوات وذلك بقرعة يجريها الأمين العام، وهكذا صارت تجدد مدد القضاة تباعاً على أساس خمسة قضاة كل ثلاث سنوات حفظاً لاستمرار العمل في المحكمة.

ذلك إجراء أملته المحكمة التي كان أعضاؤها ينتخبون دفعة واحدة وتنتهي مدتهم دفعة واحدة، مما كان محل نقد كبير لما كان يسببه من انقطاع في عمل المحكمة.

أما انتهاء خدمة القضاة فتتم إما بانتهاء المدة وإما بالاستقالة وإما بالعزل، وفي الحالة الأخيرة لا بد من صدور قرار إجماعي عن المحكمة بهذا الخصوص، وذلك إذا خالف العضو التزاماته بموجب النظام الأساسي. وفي حالتي انتهاء المدة والاستقالة يستمر القاضي بنظر الدعاوى التي باشرها وهو عضو. أما في حالة العزل فالرأي الراجح أن ينقطع مباشرة عن هذا النظر.

هـ ـ رئاسة المحكمة ونيابتها: تنتخب المحكمة رئيسها ونائبه بالتصويت السري مدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد، ويلاحظ ارتباط هذا الموعد بموعد الانتخاب الدوري لثلث أعضاء المحكمة. فإذا حال عائق دون ممارسة الرئيس لصلاحياته قام بها نائبه، أما إذا حال عائق دون ممارسة الرئيس ونائبه لصلاحياتهما قام أكبر الأعضاء سناً من أقدمهم في العضوية بمهام الرئاسة بصفة قائم بالأعمال.

لرئيس المحكمة مهام قضائية وإدارية فهو يرأس اجتماعات المحكمة بعد أن يدعوها، وهو عضو أصيل في لجنة الصياغة التي تضع الصورة النهائية للأحكام والآراء الاستشارية، وهو يوقع قرارات المحكمة كلها، ويشرف مباشرةً على الشؤون الإدارية فيها وهو ممثل المحكمة أمام الغير.

وإلى جانب كل هذه المهام كثيراً ما توكل إلى رئيس المحكمة مهام خارجية، فقد يكلف من قبل دولة معينة أن يكون الفيصل في تحكيم دولي أو أن يعين هذا الفيصل؛ أو تولي مناصب دولية مهمة.

و ـ واجبات القضاة وحقوقهم: أما واجبات القاضي فتتمثل بالآتي:

ممارسة أعماله باستقلال ونزاهة وتجرد.

عدم تولي وظائف سياسية أو إدارية طوال مدة عضويته، لكن قبول عضوية لجنة مشكلة لهدف معين ينسجم مع مبادئ القانون الدولي والميثاق لا يعد خرقاً لهذا الواجب.

عدم ممارسة دور الوكيل أو المستشار أو المحامي في أي قضية اشتراك بالفصل فيها والعكس بالعكس.

وضع نفسه تحت تصرف المحكمة على نحو دائم ما لم يكن مجازاً أو مريضاً أو غائباً بعذر.

وأما حقوق القاضي فتتلخص بالآتي:

يتمتع القاضي بالحصانة ما لم تقرر المحكمة بالإجماع عدم صلاحيته.

يتمتع بالمزايا والإعفاءات الدبلوماسية الكاملة مادام على رأس عمله.

يتمتع بإجازة سنوية وإجازات مرضية.

يتمتع بحق التنحي عن أي دعوى لا يرى أن حكمه فيها سيكون منسجماً مع واجبه في التجرد والنزاهة.

يتقاضى راتباً وتعويضات انتقال تحددها المحكمة.

2ـ القضاة المتممون:

إذا كان في هيئة المحكمة قاضٍ من جنسية أحد أطراف الدعوى جاز لكل من أطرافها الآخرين أن يختار قاضياً آخر للقضاء فيها، وكذلك إذا لم يكن في هيئة المحكمة قاضٍ من جنسية أطراف الدعوى جاز لكل منهم أن يختار قاضياً. ويسمى القاضي المختار على هذا الأساس قاضياً متمماً أو قاضياً Judge ad hoc وذلك أثر من آثار التحكيم الدولي نقلته الدول إلى نطاق القضاء في نظام المحكمتين (المحكمة الدائمة للعدل الدولي أيام العصبة والحالية) وهو ينطلق بالدرجة الأولى من النظرية التقليدية في احترام سيادة الدول، لكنه للأسف يخل بمبدأ قانوني أساسي في نظرية القضاء هي القائلة إنه لا يجوز للمرء أن يكون خصماً وحكماً في آن واحد، فالقاضي المتمم يملك صوتاً كصوت أي قاضٍ أصيل، ولا يشترط أن يكون القاضي المتمم من جنسية الدولة التي اختارته.

يتمتع القاضي المتمم بحقوق القاضي الأصيل ويلتزم بالتزاماته مادام ينظر في الدعوى التي اختير فيها كما يتقاضى تعويضاً يومياً عن المدة التي يقوم خلالها بعمله.

3ـ تشكيل المحكمة والغرف ( الدوائر):

يشكل تسعة من أعضاء المحكمة النصاب القانوني اللازم لانعقادها؛ لكنه لا يجوز في جميع الأحوال أن يقل عدد القضاة الموجودين تحت تصرف المحكمة عن أحد عشر قاضياً.

يمكن للمحكمة أن تنظر فيما يعرض عليها من دعاوى أو فتاوى بكونها هيئة كاملة أو في شكل غرف (دوائر) chambers تتشكل كل منها من ثلاثة قضاة أو أكثر على حسب ما تقرره، وذلك للنظر في أنواع خاصة من الدعاوى وخاصة الأمور المستعجلة، وتعد الأحكام الصادرة عن الغرفة صادرة عن المحكمة كلها.

4ـ المسجل وجهاز المحكمة الإداري:

يتألف جهاز المحكمة الإداري من المسجل registrar ونائبه وعدد كافٍ من الموظفين والأمناء، أما المسجل فيختار باقتراع سري من قبل المحكمة من قائمة يقترحها أعضاؤها ويراعى في المرشح توافر عدد من المؤهلات كالسن والجنسية والكفاءة العلمية واللغوية والخبرة القانونية والخدمة في التنظيم الدولي، ويعد مسجلاً من حاز الأغلبية المطلقة لأعضاء المحكمة، ومدة خدمة المسجل سبع سنوات قابلة للتجديد.

كذلك تعين المحكمة نائباً للمسجل لمعاونته في أعماله والحلول مكانه عند الضرورة.

يعد المسجل رئيساً للجهاز الإداري للمحكمة الذي يضم مجموعة من الموظفين تعينهم المحكمة بناء على اقتراح المسجل وفق لائحة وضعتها مراعية فيها قدر الإمكان تماثل شروط التعيين والخدمة بين ملاك المحكمة وملاك الأمانة العامة للأمم المتحدة.

 يتولى المسجل وجهازه كل المهام الإدارية المنوطة بهم ويعد صلة الوصل بين المحكمة والعالم.

5ـ العدول assessors:

يحق للمحكمة مباشرة أو بناء على طلب يقدمه الخصوم قبل نهاية المرحلة الخطية للإجراءات أن تقرر تعيين عدول يشتركون مع القضاة في رؤية دعوى معينة من دون أن يكون لهم حق التصويت.

6ـ الخبراء experts:

يجوز للمحكمة في كل وقت أن تعهد إلى فرد أو جماعة أو مكتب أو لجنة أو هيئة تختارها القيام بالتحقيق في مسألة، أو أن تطلب إلى أي ممن ذكروا إبداء الرأي في أمر من الأمور بصفته فنياً أو خبيراً، وقد لجأت المحكمة إلى تعيين خبراء في قضية ممر كورفو مثلاً.

7ـ ميزانية المحكمة:

تؤلف ميزانية المحكمة جزءاً من ميزانية الأمم المتحدة، فهي لذلك تخضع لإقرار الجمعية العامة، والأصل أن يعد مسجل المحكمة تقديرات المحكمة ويعرضها على رئيسها الذي يستحصل على موافقة المحكمة عليها، ثم يرفع تقريراً بالميزانية إلى الأمانة العامة للأمم المتحدة لتدخله في الميزانية الإجمالية للمنظمة.

أما نفقات المحكمة فهي الرواتب والتعويضات والخدمات العامة والنفقات المتفرقة الأخرى، وأما مواردها فهي فوائد المصارف ومبيعات منشوراتها ومساهمة الدول غير الأعضاء في الأمم المتحدة في ميزانية المحكمة وإعفاءات الضرائب التي تتمتع بها، وهذه الموارد هي في الحقيقة موارد للأمم المتحدة كلها إلا أنها تسجل في أثناء وضع الميزانية لحساب المحكمة مباشرة.

8ـ مقر المحكمة ودوراتها:

احتفظ النظام الأساسي للمحكمة بمدينة لاهاي مقراً لها بعد أن كان مقراً للمحكمة الدائمة للعدل الدولي.

وتعد المحكمة في حالة انعقاد دائم إلا خلال إجازاتها المحددة، وهي عادة إجازة عيد الميلاد وعيد الفصح والعطلة القضائية في أشهر تموز/يوليو وآب/أغسطس وأيلول/سبتمبر.

9ـ مصادر الحكم:

إن وظيفة المحكمة أن تفصل في المنازعات التي ترفع إليها وفقاً لأحكام القانون الدولي وهي تطبق في هذا الشأن:

الاتفاقات العامة والخاصة (المعاهدات Treaties).

العرف الدولي International custom.

المبادئ العامة للقانون المعترف بها من قبل الدول المتمدنة General principles of law recognized by civilized nations.

أحكام المحاكم ومذاهب كبار المؤلفين في القانون العام Jurisprudence and doctrine.

مبادئ العدل والإنصاف بموافقة أطراف الدعوى.

وهو ما أشارت إليه المادة (38) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية.

ثالثاً ـ الاختصاص الشخصي للمحكمة (من يملك حق اللجوء إلى المحكمة):

يبدو من نص الفقرة الأولى للمادة (34) من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية أن للدول وحدها الحق في أن تكون أطرافاً في الدعاوي التي ترفع إلى المحكمة، ويتأكد هذا المبدأ بنص المادتين (62) و(63) من النظام عندما يبحث في أمر تدخل الدول التي لها مصلحة في النزاع المعروض على المحكمة.

ومن هذا يتضح أن أبواب محكمة العدل الدولية ليست مفتوحة أمام الأشخاص الطبيعيين (الأفراد)، أو الحكميين (المنظمات والشركات والمؤسسات والهيئات الخاصة)، على أنه ليس في القواعد القانونية الدولية ما يمنع دولة ما من تبني ادعاء أحد مواطنيها ورفع الدعوى على الدولة المسؤولة عملاً بقواعد المسؤولية الدولية؛ شريطة أن يكون هذا المواطن قد استنفذ فرص المراجعة القانونية المفتوحة أمامه في البلد المسؤول. وقد تبنت محكمة العدل الدولية هذا الرأي في دعوى مافروماتيس الشهيرة.

ولكن ماذا عن المنظمات الدولية والأمم المتحدة على وجه الخصوص؟ الرأي السائد ـ وهو رأي تدعمه نصوص الميثاق واجتهاد المحكمة ـ يقول: إن هذه المنظمات تتمتع بشخصية اعتبارية دولية، مما يجعل القول: إن للمنظمات الدولية الحق في اللجوء إلى المحاكم؛ تحكيمية كانت أم قضائية في دعاوى فيما بينها أو فيما بينها وبين الدول.

فهل ذلك يعني حق المنظمات الدولية (الأمم المتحدة تحديداً) في المقاضاة أمام محكمة العدل الدولية نفسها؟ في الواقع أن محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الذي تناول هذا الموضوع (قضية التعويضات) أجابت عن هذه النقطة بالنفي.

وهذا رأي منتقد يناقض أوله آخره فليس من العدل أو المنطق السليم في شيء أن يسمح للمنظمات الدولية بملاحقة ادعاءاتها ومطالبها القانونية ضد الغير بالطرق القضائية أمام هيئات أخرى؛ في حين تحرم من مراجعة المرجع القضائي الدولي الرئيسي والوحيد في ظل الميثاق حتى الآن.

فلا عجب إذاً من أن محاولات جادة تجري الآن لتعديل النظام الأساسي للمحكمة يسمح بموجبه للمنظمات الدولية بمراجعة المحكمة على قدم المساواة مع الدول.

أما في مجال الآراء الاستشارية فالآية على النقيض تماماً؛ إذ ليس للدول الحق في طلب مثل هذه الآراء بل يبقى ذلك محصوراً بالجمعية العامة ومجلس الأمن وغيرهما من الهيئات الدولية التي يسمح لها الميثاق بهذا الحق كما سيتضح.

غير أن الدول ليست سواسية في علاقتها بالمحكمة، فهنالك في الواقع ثلاث فئات من الدول يمكنها مراجعة المحكمة:

1ـ الدول الأعضاء في الأمم المتحدة: وعددها حتى إعداد هذا البحث (192) دولة وهي طبقاً للمادة (93) من الميثاق تعد أعضاء حكميين في نظام المحكمة الأساسي بحكم عضويتها في الميثاق، فلا يمكن لدولة أن تصبح عضواً في الأمم المتحدة من دون أن تنتسب إلى نظام محكمة العدل الدولية وكان ذلك ممكناً في ظل نظام المحكمة القديمة.

2ـ الدول التي على الرغم من كونها غير أعضاء في الأمم المتحدة يمكن أن تصبح طرفاً في نظام محكمة العدل الدولية: وفق شروط تحدد في كل طلب على حدة من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة بناء على توصية مجلس الأمن (م93 ف2 من الميثاق)، وواضح أن القصد من السماح لمثل هذه الدول بأن تصبح أطرافاً في نظام المحكمة وبالتالي الإفادة من خدماتها؛ هو توسيع نطاق عمل المحكمة حتى تعم فوائد القضاء الدولي علاقات الدول جميعاً، كما أن القصد من منح مجلس الأمن صلاحية التوصية في هذا المجال "هو الاعتراف بالمسؤولية الملقاة على عاتقه في حفظ السلام والأمن الدوليين".

وكانت سويسرا أول دولة تقدمت بطلب للالتحاق بنظام المحكمة على الرغم من بقائها خارج عضوية الأمم المتحدة (حتى عام 2002 حيث انضمت إلى الأمم المتحدة)، وكان ذلك في شهر تشرين الأول/اكتوبر 1946م. وقد حُددت الشروط الواجب استيفاؤها لقبول طلبها من قبل الجمعية العامة على النحو التالي:

> قبولها بجميع التزامات الدول الأعضاء في الأمم المتحدة المتعلقة بتنفيذ أحكام المحكمة.

> قبولها بجميع نصوص النظام الأساسي للمحكمة.

> تعهدها بالمساهمة في ميزانية المحكمة بالمقدار العادل الذي تحدده الجمعية العامة بعد التشاور مع الحكومة السويسرية.

وقد قبلت سويسرا هذه الشروط وقامت في شهر تموز/يوليو من عام 1948 بإيداع وثيقة تتعهد بها بما تقدم، فأصبحت بذلك طرفاً مستفيداً من محكمة العدل الدولية.

وقد اتبعت الشروط والإجراءات نفسها في طلبي لتيشنشتاين وسان مارينو اللتين انتسبتا أيضاً إلى نظام المحكمة، كل ذلك قبل أن تصبح الدولتان عضوين في الأمم المتحدة.

ومن المناقشات التي دارت حول قبول هذه الطلبات يتضح أن التركيز كان أكثر على مدى انطباق صفة الدولة على المتقدم، مما يعيد إلى الأذهان مناقشات الجمعية العامة ومجلس الأمن حول طلبات العضوية في الأمم المتحدة وما يعتورها من حجج سياسية أكثر منها قانونية.

ينبغي الإشارة إلى وضع الدول غير الأعضاء في الأمم المتحدة التي تنتسب إلى نظام المحكمة؛ إذ يخولها انتسابها هذا حق المشاركة في ترشيح قضاة المحكمة وانتخابهم سواء بسواء مع الدول الأعضاء، كما أن تقاعسها عن دفع التزاماتها تجاه المحكمة يوقف هذا الحق، كما أن هذا الانتساب أضحى يخولها حق المشاركة في المؤتمرات التي تدعو إليها الأمم المتحدة إجمالاً. وإن رفع انضمام ما ذكر من كيانات سياسية لعضوية الأمم المتحدة لم يعد هذا الموضوع وتفرعاته ذا بال.

3ـ الدول التي ليست أعضاء في الأمم المتحدة ولا هي طرف في نظام المحكمة الأساسي: ومع هذا ترغب في اللجوء إليها؛ يحق لها مثل ذلك بموجب شروط يحددها مجلس الأمن وذلك مع مراعاة الأحكام الخاصة الواردة في المعاهدات المعمول بها، على أنه لا يجوز بحال من الأحوال وضع تلك الشروط بحيث تختل معها قاعدة المساواة بين المتقاضين أمام المحكمة.

وبموجب قرار مجلس الأمن الصادر في عام 1946حددت هذه الشروط كما يلي:

إيداع تعهد مسبق من هذه الدول بقبول اختصاص المحكمة وأحكامها، ومن الجائز لقبول الاختصاص أن يكون عاماً أوخاصاً بدعوى معينة.

أي نزاع ينشب حول صحة التصريح وأثره هو من اختصاص المحكمة. أما الدول التي أودعت تصريحات عامة لدى مسجل المحكمة فهي جمهورية ألمانيا الاتحادية وجمهورية ڤيتنام الجنوبية، وكانت كل من كامبوديا وسيلان وفنلندا وإيطاليا واليابان ولاووس قد أصدرت مثل هذه التصريحات قبل أن تنضم إلى عضوية الأمم المتحدة.

وأما الدول التي كانت قد أودعت تصريحات خاصة لدى مسجل المحكمة فهي اثنتان: ألبانيا في قضية ممر كورفو وإيطاليا في قضية الكنز المنقول من رومانيا، وكان ذلك قبل انضمام هاتين الدولتين إلى عضوية الأمم المتحدة.

والرأي الراجح أن الانسحاب من عضوية الأمم المتحدة يعني الانسحاب من نظام المحكمة، لكن لا شيء يمنع الدول المنسحبة من أن تستفيد من النصوص السابقة الخاصة بإفادة الدول غير الأعضاء من خدمات المحكمة.

رابعاً ـ الاختصاص النوعي للمحكمة:

تختص محكمة العدل الدولية لا بسماع الدعاوى المرفوعة بين الدول وحسب؛ بل أيضا بإصدار آراء استشارية فتاوى فيما تسأل به من أمور، كما تختص بالنظر في بعض الأمور الإدارية المسندة إليها.

1ـ اختصاص المحكمة القضائي:

من البديهي أن أول وظيفة للمحكمة ـ بما أنها هيئة قضائية ـ هي الفصل في المنازعات التي تنشأ بين الدول، ولكن هذه المنازعات لا تقدم إلى محكمة العدل الدولية ـ كما أنها ما كانت تقدم إلى محكمة العدل الدولية الدائمة قبلها ـ إلا بموافقة الدول صاحبة الشأن إما قبل حدوث النزاع وإما بعده، وهذا ما يميز القضاء الداخلي من القضاء الدولي.

والحق أن محاولات جدية بذلت عبر السنين للوصول إلى الولاية الإلزامية المطلقة للمحاكم الدولية، فقد استهوت الفكرة رجال القانون والسياسة منذ مدة، بل لقد خطرت الفكرة للجنة التي أعدت عهد عصبة الأمم في عام 1919 ومن بعدها لواضعي ميثاق الأمم المتحدة في عام 1945 حتى لقد قيل ـ وبحق ـ إن مسألة منح محكمة العدل الدولية ولاية إلزامية على منازعات الدول القانونية كانت من أكثر المسائل التي أثارت جدلاً ونقاشاً طويلين في سان فرانسيسكو، غير أن تزعم الولايات المتحدة والاتحاد السوڤييتي ـ وهما الدولتان الأكثر أهمية في ذلك المؤتمرـ للاتجاه المضاد جعل المؤتمر أخيراً يرتضي الحكم الوارد في المادة (36) من النظام الأساسي للمحكمة ونصه الآتي:

"تشمل ولاية المحكمة جميع القضايا التي يعرضها عليها المتقاضون، كما تشمل جميع المسائل المنصوص عليها بوجه خاص في ميثاق الأمم المتحدة وفي المعاهدات والاتفاقات المعمول بها.

للدول التي هي أطراف في هذا النظام الأساسي أن تصرح في أي وقت بأنها بتصريحها هذا ومن دون حاجة إلى اتفاق خاص تقر للمحكمة بولايتها الجبرية في نظر جميع المنازعات القانونية التي تقوم بينها وبين دولة تقبل الالتزام نفسه متى كانت هذه المنازعات القانونية تتعلق بالمسائل الآتية:

أ ـ تفسير معاهدة من المعاهدات.

ب ـ أية مسألة من مسائل القانون الدولي.

ج ـ تحقيق واقعة من الوقائع إذا ثبتت أنها كانت خرقاً لالتزام دولي.

د ـ نوع التعويض المترتب على خرق التزام دولي ومدى هذا التعويض".

يجوز أن تصدر التصريحات المشار إليها آنفاً من دون قيد ولا شرط أو أن تعلق على شرط التبادل من جانب عدة دول معينة بذاتها أو أن تقيد بمدة معينة.

تودع هذه التصريحات لدى الأمين العام للأمم المتحدة وعليه أن يرسل صوراً عنها إلى الدول التي هي أطراف في هذا النظام الأساسي وإلى مسجل المحكمة.

التصريحات الصادرة بمقتضى المادة (36) من النظام الأساسي للمحكمة الدائمة للعدل الدولي المعمول بها حتى الآن تعد فيما بين الدول الأطراف في هذا النظام الأساسي بمنزلة قبول للولاية الجبرية لمحكمة العدل الدولية، وذلك في الفترة الباقية من مدة سريان هذه التصريحات ووفقاً للشروط الواردة فيها. وفي حالة قيام نزاع في شأن ولاية المحكمة تفصل المحكمة في هذا النزاع بقرار منها.

أ ـ وسائل التعبير عن إرادة الدولة باللجوء إلى المحكمة:

يتضح مما سبق أنه يمكن التعبير عن إرادة الدولة باللجوء إلى المحكمة من أجل حل منازعاتها القانونية مع دولة أخرى بإحدى الأساليب الآتية:

> أسلوب الاتفاقات الخاصة.

> أسلوب التعهد المسبق.

> أسلوب التصريح الاختياري ويسمى أحياناً البند الاختياري.

أما في أسلوب الاتفاقات الخاصة: فيمكن لدولتين أو أكثر أن تتفقا على إحالة نزاع قائم بينهما إلى محكمة العدل الدولية وذلك باتفاقية خاصة تعقد بينهما لهذا الغرض، وفي مثل هذه الحالة يحق للمحكمة أن تضع يدها على النزاع بمجرد تسلّمها إشعاراً بهذه الاتفاقية الخاصة، وقد نظرت محكمة العدل الدولية حتى الآن في عدد من الدعاوى قدمت إليها بموجب مثل هذه الاتفاقات، منها: دعوى اللجوء السياسي بين كولومبيا والبيرو ودعوى جَزْء ايكريهوس ومينكويرس بين بريطانيا وفرنسا، ودعوى السيادة على بعض مناطق الحدود بين هولندا وبلجيكا، ودعوى الجزر المتنازع للسيادة عليها بين البحرين وقطر.

لهذا الأسلوب ميزة تجنيب المحكمة أمر الطعن في اختصاصها من قبل الفرقاء، لكن صعوبته تتجلى في تعذر الوصول إلى اتفاق بين الفرقاء على إحالة نزاع قائم إلى المحكمة.

وكما يستعمل أسلوب الاتفاقات الخاصة لرفع الدعوى يستعمل كذلك لطيها.

أما في أسلوب التعهد المسبق: فتقبل الدولة باختصاص محكمة العدل الدولية للنظر في المنازعات التي قد تنشب مستقبلاً بينها وبين الدول الأخرى مما يعد تعهداً بالمثول أمام المحكمة من دون حاجة إلى اتفاق خاص لاحق إذا نشبت مثل هذه المنازعات.

وفي مثل هذه الحالة تضع المحكمة يدها على الدعوى بمجرد قيام إحدى الدول المتعهد لها بتقديم طلب وحيد الطرف إلى المحكمة، فدعوى الحكم التحكيمي الصادرة عن ملك إسبانيا في عام 1906 والمقدمة إلى المحكمة في عام 1958 بدأت أول ما بدأت بطلب من هندوراس وحدها استناداً إلى تعهد سابق كانت الدولة المدعى عليها في هذه القضية وهي نيكاراغوا قد أعطته في عام 1957.

وتقضي العادة أن تقدم الدول تعهداتها هذه في المعاهدات الثنائية أوالجماعية التي تعقدها مع الدول الأخرى، إضافة إلى التعهدات التي تكون قد صدرت عنها في زمن محكمة العدل الدولية الدائمة.ومن الأمثلة على التعهد المسبق الجماعي ما ورد في المادة (66) من قانون المعاهدات لعام 1969 أن أي خلاف حول شرعية المعاهدة مرده الادعاء بتعارضها مع النظام العام الدولي؛ يحال إلى محكمة العدل الدولية بطلب وحيد الطرف إذا لم تنجح مساعي الدول المختلفة في حله بطريق آخر خلال مدة حددتها المادة صراحة.

ميزة هذا الأسلوب أنه يستبق المشكلات التي قد تنجم عن صعوبة وصول الفرقاء المعنيين إلى اتفاق بعد نشوء النزاع، لكن سيئته الكبرى أن نص التعهد كثيراً ما يكون عاماً شاملاً بحيث يخلق خلافاً بين الطرفين عند نشوب النزاع، مما قد يؤدي إلى الطعن باختصاص المحكمة.

أما أسلوب التصريح الاختياري Optional clause: فيعني أنه يمكن للدول الأطراف في النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية أن تعطي تعهداً واسعاً في أي وقت تشاء بإعلانها قبول الاختصاص الإلزامي للمحكمة تجاه أي دولة أخرى تقبل التعهد نفسه في المسائل التي حددتها الفقرة (2) من المادة (36) السابق ذكرها.

علماً أن هذه التصريحات يمكن أن تكون مشروطة أو غير مشروطة، فأما غير المشروطة فمثالها النموذجي التصريح الصادر عن حكومة هايتي ونصًه: "باسم حكومة جمهورية هايتي أقر باختصاص محكمة العدل الدولية، التوقيع ف. آدور…إلخ"، على أن الغالبية الساحقة من التصريحات مشروطة؛ بمعنى أنه قد ترد عليه تحفظات تتعلق بعدم شموله لطائفة معينة من المنازعات المتعلقة بالاختصاص الداخلي كما هي الحال في الولايات المتحدة الأمريكية التي استثنت من قبولها بالاختصاص الإلزامي للمحكمة ـ بموجب تعديل كونالي ـ النزاعات المتعلقة بقضايا تقع ضمن الاختصاص الداخلي للولايات المتحدة الأمريكية وفقاً لما تقرره الولايات المتحدة الأمريكية.

كذلك قد يعلق قبول الدول للولاية الجبرية للمحكمة على شرط التبادل من عدة دول أو دول معينة بذاتها؛ بمعنى أن الدولة المصدرة للتصريح لا تخضع لتلك الولاية إلا في القضايا التي يكون طرفها الثاني قد قبل الولاية الجبرية أيضاً.

كما أن هذا القبول قد يكون محدداً بفترة زمنية معينة خمس سنوات أو عشر قابلة للتجديد، أو أنه قد يكون غير مقيد بأي مدة زمنية معلومة مع الاحتفاظ بالحق في إلغاء التصريح بإخطار. محاسن أسلوب التصريح الاختياري لا توازيها محاسن أي من الأسلوبين السابقين لولا أمر التحفظات التي كثيراً ما أدت إلى انشغال المحكمة بتقرير اختصاصها حتى بين الدول التي قبلت بالبند الاختياري، وذلك بسبب ادعاء بعض هذه الدول بوقوع المنازعات المقدمة إلى المحكمة في المنطقة التي تحرمها التحفظات عليها (مثلاً دعوى شركة النفط الأنكلو/إيرانية 1951).

أما مدى سلطة المحكمة حين يتقرر لها اختصاصها فيمكن إيجازه بما يلي: إذا كان مستند اختصاص المحكمة اتفاقاً خاصاً بين الأطراف فإن هذا الاتفاق هو الذي يحدد مدى اختصاصها من حيث البت في مسائل المبدأ أو من حيث تقدير التعويض عن الضرر المحتمل وجوده، وكذلك الحال حين يكون مستند المحكمة التعهد المسبق فالغالب أن يحدد هذا التعهد بموجب تصريح أو بمعاهدة مدى سلطان المحكمة. أما حين يكون الاختصاص منطلقاً من قبول الدول بالتصريح الاختياري المار ذكره فإن اختصاص المحكمة يتناول كما تبين آنفاً:

> تفسير معاهدة.

> أي مسألة من مسائل القانون الدولي.

> تحقيق واقعة إذا ثبتت أنها كانت خرقاً لالتزام دولي.

> نوع التعويض المترتب على خرق التزام دولي ومدى هذا التعويض.

يقول اوبنهايم بحق: "من العسير أن يوجد نزاع بين دولتين لا يمكن رده إلى واحدة من هذه المسائل".

وعلى كل حال فمحكمة العدل الدولية هي المرجع في البت باختصاصها عندما ما يثار دفع بهذا الشأن، وقد فعلت ذلك فعلاً في أكثر من دعوى. وتصدر قرارات المحكمة بأغلبية أعضائها المشتركين في النظر في الدعوى وعند تساوي الأصوات يرجح الجانب الذي فيه الرئيس0

وقد أتيح للمحكمة منذ تأسيسها أن تفصل في قضايا عديدة منها: قضية مضيق كورفو عام 1949، وقضية حق اللجوء السياسي بين كولومبيا والبيرو عامي 1950ـ1951، وقضية احتجاز الرهائن من أعضاء السلك الدبلوماسي والقنصلي في السفارة الأمريكية في طهران عامي 1979ـ 1980، وقضية الأنشطة الأمريكية العسكرية وشبه العسكرية في نيكاراغوا 1986. أما الإجراءات أمام المحكمة فقريبة جداً من الإجراءات أمام المحاكم الداخلية (دفوع خطية،دفوع شفوية، شهادات خبرة ثم التداول للنطق بالحكم ).

ب ـ مدى القوة الملزمة لقرارات محكمة العدل الدولية ضمن نطاق اختصاصها القضائي:

اً ـ قطعية الأحكام الصادرة عن محكمة العدل الدولية:

لا بد من الإشارة إلى أن الحكم الصادر عن محكمة العدل الدولية يتمتع بقوة القضية المقضية؛ بمعنى أن هذا الحكم غير قابل لأي طريقة من طرق الاستئناف ولا بالنقض خلافاً للأصول المتبعة في الأحكام القضائية الداخلية. وإلى هذا أشارت المادة (60) من أحكام النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية فذكرت: "يكون الحكم نهائياً غير قابل للاستئناف، وعند النزاع في معناه أو في مدى مدلوله تقوم المحكمة بتفسيره بناءً على طلب أي طرف من أطرافه". وهكذا يتبدى أن القرار الصادر عن محكمة العدل الدولية هو قرار نهائي قطعي لا يقبل الطعن ـ وإن كان قابلاً للتفسير عند غموضه ـ أو إعادة النظر فيه إلا في حالة الاعتراض لإعادة المحاكمة وذلك إذا ما ظهرت حقائق جديدة تمس صلب القرار، وهو ما عالجته بالتفصيل المادة (61) من أحكام النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية والتي أشارت إلى أنه:

"ـ لا يقبل التماس إعادة النظر في الحكم؛ إلا بسبب تكشف واقعة حاسمة في الدعوى كان يجهلها عند صدور الحكم كل من المحكمة والطرف الذي يلتمس إعادة النظر، على ألا يكون جهل الطرف المذكور لهذه الواقعة ناشئاً عن إهمال منه.

ـ إجراءات إعادة النظر تفتتح بحكم من المحكمة، تثبت فيه صراحة وجود الواقعة الجديدة وتستظهر فيه صفاتها التي تبرر إعادة النظر، وتعلن به أن الالتماس بناءً على ذلك جائز القبول.

ـ يجوز للمحكمة أن توجب العمل بحكمها الذي أصدرته قبل أن تقبل السير في إجراءات إعادة النظر.

ـ يجب أن يقدم التماس إعادة النظر خلال ستة أشهر على الأكثر من تكشف الواقعة الجديدة.

ـ لا يجوز تقديم أي التماس لإعادة النظر بعد انقضاء عشر سنوات من تاريخ الحكم".

ـ إلزامية الأحكام الصادرة عن محكمة العدل الدولية:

إن الحكم الصادر عن محكمة العدل الدولية يتمتع بقوة ملزمة بالمطلق لأطراف النزاع، وليس لهؤلاء الأطراف أن يمتنعوا عن تنفيذ الحكم الصادر وذلك لأنهم قد قبلوا مسبقاً بولاية المحكمة واختصاصها.

بيد أن قوة الإلزام هنا إنما تكون فقط لأطراف الدعوى وبخصوص النزاع الصادر فيه؛ بمعنى أنه لا يجوز الاستناد إلى الحكم الصادر لمصلحة دولة أخرى لم تكن خصماً ولا متدخلاً في الدعوى حتى وإن كان موضوع النزاع واحداً.

وأيضاً فإنه لا يحق لدولة صدر الحكم لمصلحتها في نقطة معينة أن تستند إلى هذا الحكم من أجل نقطة أخرى وإن كان ضد الدولة الخصم المحكوم عليها في النقطة الأولى، وهذا ما أشارت إليه المادة (59) من أحكام النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية فذكرت أنه "لا يكون للحكم قوة الإلزام لمن صدر بينهم وفي خصوص النزاع الذي فصل فيه".

ـ حالة الامتناع عن تنفيذ الحكم الصادر عن محكمة العدل الدولية:

ورد سابقاً أن حكم محكمة العدل الدولية هو حكم ملزم لأطراف النزاع ولكن يتعين هنا التمييز ما بين النص القانوني النظري والواقع العملي الفعلي؛ إذ إن هناك بعض الحالات التي قد يمتنع فيها أحد المتقاضين عن قبول الحكم الصادر عن محكمة العدل الدولية بحجة أن هذا الحكم مجافٍ للعدالة والمنطق ـ مثلاًـ فما هو الحكم في مثل هذه الحالة؟

من غير المنطقي أن يعطى الخصوم في الدعوى بصورة مطلقة وانفرادية حق تنفيذ الأحكام الصادرة بالقوة الإجبارية؛ لأن هذا الأمر سيقود إلى فوضى قد لا تنتهي. لذلك فإن ميثاق الأمم المتحدة والنظام الأساسي للمحكمة أشارتا إلى أنه في حالة امتناع دولة عن تنفيذ حكم صادر عن محكمة العدل الدولية فإنه يحق للطرف الآخر أن يرفع الأمر إلى مجلس الأمن الذي ينظر في النزاع ويقوم باتخاذ التدابير الملائمة تجنباً لنشوء أي حالة من شأنها تهديد السلم أو الأمن الدوليين، وإلى هذا الأمر أشارت المادة (94) من ميثاق الأمم المتحدة، فنصت على أنه:

" يتوجب على كل عضو في الأمم المتحدة قبول قرار محكمة العدل الدولية في كل نزاع هو طرف فيه.

وإذا لم ينفذ القرار بكامله الذي نزل به حيال خصمه وما يترتب على تنفيذ هذا الحكم الصادر بحقه؛ يحق للطرف الآخر أن يلجأ إلى مجلس الأمن الذي يقوم بدوره بالتوصية أو تطبيق الحكم أو التدابير التي يراها ضرورية لوضع الحكم موضع التنفيذ".

2ـ اختصاص المحكمةالاستشاري:

تختص محكمة العدل الدولية ـ علاوة على اختصاصها القضائي ـ بإصدار آراء استشارية (فتاوى) في المسائل القانونية التي تحيلها إليها الهيئات المفوضة بمثل هذه الإحالة بموجب المادة (96) من ميثاق الأمم المتحدة، ونصها:

"أ ـ لأي من الجمعية العامة أو مجلس الأمن أن يطلب إلى محكمة العدل الدولية إفتاءه في أية مسألة قانونية.

ب ـ ولسائر فروع الهيئة والوكالات المتخصصة المرتبطة بهاـ ممن يجوز أن تأذن لها الجمعية العامة بذلك في أي وقت ـ أن تطلب أيضاً من المحكمة إفتاءها فيما يعرض لها من المسائل القانونية الداخلة في نطاق أعمالها".

ومن خلال دراسة نص هذه المادة يتبدى عدة أمور:

استبعاد الدول من الولاية الشخصية للمحكمة في نطاق وظيفتها الإفتائية؛ بمعنى أنه ليس للدول من حيث المبدأ طلب المشورة والفتوى القانونية من محكمة العدل الدولية.

ليس للمنظمات الإقليمية أو الدولية ـ غير هيئة الأمم المتحدة وأجهزتها والوكالات المتفرعة منها ـ حق طلب الفتوى من المحكمة.

إن حق طلب الفتوى إنما هو قاصر على هيئة الأمم المتحدة ـ الأجهزة الرئيسية والوكالات المتفرعة منها ـ مع ملاحظة أن هذا الحق تتمتع به الجمعية العامة ومجلس الأمن مطلقاً ودونما حاجة إلى أي تصريح أو موافقة خاصة، وأما بقية الأجهزة الأخرى فليس لها طلب الفتوى في المسائل الداخلية في اختصاصها إلا بعد الحصول على موافقة مسبقة من الجمعية العامة، وهذه الأجهزة والهيئات والتي لا تتمتع بهذا الحق على نحو مطلق هي:

> الأجهزة الرئيسية مثل: المجلس الاقتصادي والاجتماعي، مجلس الوصاية.

> الأجهزة غير الرئيسية مثل: اللجنة المؤقتة التابعة للجمعية العامة، لجنة إعادة النظر في أحكام المحكمة الإدارية للأمم المتحدة.

> الوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة مثل: منظمة العمل الدولية، منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة، منظمة الصحة العالمية، صندوق النقد الدولي.

 حتى الجمعية العامة ومجلس الأمن اللذان يعدان صاحبي حق غيرمشروط وغير محدود باللجوء إلى محكمة العدل الدولية من أجل الحصول على رأي استشاري يشترط في طلبهما كون الموضوع مسألة قانونية؛ أي غير سياسية. وهو ما أكدته الفقرة الأولى من المادة (96) من الميثاق والتي أشارت إلى "…إبداء رأي استشاري حول كل مسألة قانونية…"، وبالتالي يمتنع على المحكمة إصدار الفتاوى التي تمس موضوعات لها صفة سياسية، وقد أكدت محكمة العدل الدولية هذا الأمر حيث ذكرت في فتواها الصادرة بتاريخ 13 تموز/يوليولعام 1954 أنه: "إذا كانت المسألة غير قانونية فليس للمحكمة سلطة تقديرية بصددها وعليها أن ترفض إصدار الفتوى التي طلبت منها"، وبالتالي فعلى المحكمة قبل البت في محتوى الطلب أن تقرر:

أولاً ـ إذا كانت القضية قانونية.

ثانياً: إن قضت بأن القضية هي قانونية أيضاً "ليس بالضرورة أن تكون القضية هي قانونية بحتة لأنه من الصعب الفصل بشكل كامل بين ما هو قانوني وما هو سياسي خصوصاً في النظام الدولي الحالي" على المحكمة أن تحدد العناصر القانونية في الطلب وتجيب عنها فقط؛ إذ ليس لها الحق ولا المصلحة في الدخول في قضايا سياسية عالقة بين الدول. عملياً أصدرت محكمة العدل الدولية (25) رأياً استشارياً كان آخرها ـ حتى عام 2004ـ رأيها الصادر بصدد جدار الفصل العنصري الذي تشيده "إسرائيل" في الأراضي العربية المحتلة، ولم ترفض حتى الآن البت في أي قضية بسبب كونها سياسية بحتة، في الوقت نفسه لم تمارس المحكمة إلى الآن حقها في رفض تقديم رأي استشاري، حتى إن بعض فقهاء القانون يعد أن ممارسة المحكمة قد ألغت حقاً يضمنه ميثاق الأمم المتحدة والقانون الأساسي للمحكمة. المرة الوحيدة التي رفضت المحكمة فيه تقديم الرأي الأستشاري سنة 1996 لم يكن بسبب أن القضية سياسية؛ أو لأن المحكمة مارست حقها بعدم البت في تلك القضية، بل كان بسبب "غياب الصلاحية"؛ إذ إن طلب منظمة الصحة الدولية (حول قانونية استعمال الأسلحة النووية في النزاعات المسلحة) لم يكن ضمن نشاطاتها، والدليل على ذلك هو أن الطلب نفسه قد تم البت فيه عندما تم تقديمه من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة.

بحسب المحكمة أي قضية يمكن صياغتها قانونياً وتخلق مشكلات بحسب القانون الدولي يمكن الإجابة عنها قانونياً، وبالتالي تكون القضية قانونية. إن تقليد المحكمة هذا تم تثبيته في الفتاوى الاستشارية الحديثة أيضاً، فقد أقرت المحكمة بأن قضية التهديد أو استعمال الأسلحة النووية ليست سياسية بحتة؛ إذ أن المطلوب هو البت في قانونيتها على ضوء قواعد القانون الدولي ومبادئه. هذا يعني أن المحكمة تقوم بدراسة تلك القواعد والمبادىء وتطبيقها على تلك القضية وبالتالي يتم الإجابة عن تلك القضية بحسب القانون الدولي. وأضافت المحكمة أن تكون القضية لها خلفية سياسية (وهذا طبيعي في العلاقات الدولية) لا يعني بالضرورة بأنها غير قانونية. بكلمات أخرى قامت المحكمة بتقديم رأي استشاري في كل مرة يمكن تقديم الطلب قانونياً و يمكن الإجابة عنه بحسب القانون الدولي، في حين تقوم المحكمة بِعَدِّ القضية سياسية عندما لا يوجد أي أساس قانوني لها.

في الرأي الاستشاري بخصوص العضوية في الأمم المتحدة في 28/5/1948 يرد: "لقد تم الجدال مطولاً حول كون القضية قانونية أو سياسية. لقد رأت المحكمة أنه من غير الممكن أن تعد القضية سياسية؛ إذ إن الطلب الذي تم صياغته على نحو مجرد يدعوها إلى القيام بمهمة قضائية، وهي أن تقوم بتفسير ما تنص عليه المعاهدة. إن المحكمة غير معنية بالدوافع التي كانت وراء الطلب ولا ترتبط بالآراء المختلفة الموجودة في مجلس الأمن".

وقد تم الاستشهاد بتلك الفقرة في الرأي الاستشاري المتعلق بصلاحية الجمعية العامة لقبول عضوية دولة في الأمم المتحدة في 3/5/1950 وأضافت أن هذا يعني أنه "لا يوجد ما يمنع المحكمة من تقديم الرأي الاستشاري للجمعية العامة".

ورد في الرأي الاستشاري بخصوص قضية الصحراء الغربية في 16/10/1975 أنه "قد تم صياغة الطلبين قانونياً بخصوص مشاكل تثيرها في القانون الدولي. هنالك مبدئياً قضايا قانونية وإن تحتوي أيضاً على مسائل مرتبطة بوقائع تاريخية وبالتالي تكون للمحكمة الصلاحية بالبت في ذلك الطلب".

وفي الرأي الاستشاري الذي قدمته المحكمة في 20/12/1980 بخصوص تفسير الاتفاق بين منظمة الصحة العالمية ومصر لسنة 1951 ورد: "إن كان محتوى الطلب الذي تم تقديمه إلى المحكمة يدخل ضمن ممارستها الطبيعية لسلطاتها القضائية فإنها لن تنظر إلى الدوافع من وراء الطلب".

وقد ورد الرأي الاستشاري الذي قدمته المحكمة في 15/12/1989 بخصوص حصانة الأمم المتحدة: "إن القضية قانونية عندما تتعلق بتفسير معاهدة دولية ولتحديد مجالات تطبيقها".

ومن الجدير بالذكر أن الجمعية العامة للأمم المتحدة وفي حالات كثيرة طلبت الحصول على فتوى استشارية من محكمة العدل الدولية كالفتوى بشأن تعويض موظفي الأمم المتحدة عن الأضرار التي تصيبهم في أثناء الخدمة سنة 1949؛ وكذلك فتوى بشأن سلطة الجمعية العامة في قبول أعضاء في الأمم المتحدة سنة 1950؛ وتفسير معاهدات الصلح المعقودة مع بلغاريا وهنغاريا والمجر سنة 1950؛ والوضع القانوني لإفريقيا الجنوبية الغربية سنة 1950؛ والوضع القانوني لجدار الفصل العنصري في فتواها الصادرة في قرارها رقم (131) الصادر في التاسع من تموز/يوليو 2004.

ويشار هنا إلى أن طلب رأي استشاري من قبل الجمعية العامة لا يعد بالميثاق مسألة مهمة تحتاج إلى أغلبية ثلثي أصوات الدول الحاضرة والمصوتة، وكذلك فإن طلب رأي استشاري من قبل مجلس الأمن لا يعد مسألة موضوعية بل إجرائية يكتفى فيها بأصوات تسعة من أعضائه، لكن الأمر قد لا يكون بهذه السهولة في مجلس الأمن مادام الڤيتو يؤدي دوراً حساساً في تقرير ما إذا كان الأمر ـ أي أمرـ إجرائياً أم أساسياً. (مثلاً حين عرض القضية الإندونيسية على مجلس الأمن اقترحت بلجيكا سؤال المحكمة عن مدى اختصاص المجلس لبحثها وأمثالها من القضايا، ولكن صرف النظر عن الموضوع بسبب المعارضة الواضحة للاتحاد السوڤييتي لمثل هذا الطلب).

كذلك يجوز للهيئات الأخرى في الأمم المتحدة والوكالات المتخصصة أن تستفتي المحكمة شريطة السماح لها بذلك من قبل الجمعية العامة ووقوع موضوع السؤال ضمن نطاق عملها، وإذن الجمعية العامة يصدر عاما ًفلا يحتاج الأمر إلى إذن جديد في كل حالة.

وقد سمحت الجمعية العامة حتى الآن لكل من المجلس الاقتصادي والاجتماعي ومجلس الوصاية (فرعان رئيسيان) والجمعية المصغرة ولجنة إعادة النظر في الأحكام الصادرة عن المحكمة الإدارية التابعة للأمم المتحدة (فرعان ثانويان) بالتوجه للمحكمة بطلب فتاوى ضمن حدود بينها إذن الجمعية العامة، وإذاً فالأمانة العامة هي الهيئة الرئيسية الوحيدة التي لم تطلب مباشرة استفتاء المحكمة مع أنها عملياً تسهم في طلب مثل هذه الآراء مساهمة غير مباشرة.

أما الوكالات المتخصصة فإن اتفاقات وصلها بالأمم المتحدة تنص عادة على حقها في طلب آراء استشارية من المحكمة مادام موضوع السؤال يقع ضمن اختصاصها، ولكن بشرط ألا يكون متصلاً بموضوع علاقتها بالأمم المتحدة أو علاقة وكالة بأخرى، فذلك ما يختص بالسؤال عنه المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وعلى هذا تكون الوكالات المتخصصة المرتبطة بالأمم المتحدة جميعها ذات حق في طلب آراء استشارية من المحكمة عدا اتحاد البريد العالمي الذي لم يطلب حتى الآن رخصة بهذا الشأن.

ينبغي الإشارة أخيراً إلى أن القيمة القانونية للفتاوى الصادرة عن المحكمة محل جدل فقهي كبير؛ إذ انقسم الفقهاء إلى اتجاهين: يرى أولهما أن الآراء الاستشارية تتمتع بقوة إلزامية شأنها شأن الأحكام القضائية، في حين ذهب الرأي الثاني إلى أنها مجرد آراء يمكن تطبيقها واحترامها أو عدم تطبيقها وتجاهلها ويتوقف ذلك على إرادة طالبي الفتوى.

ومن الناحية التاريخية فإن كل الآراء الاستشارية التي أصدرتها المحكمة منذ عام 1945 حتى الآن حظيت بالاحترام الكامل، ويُخص بالذكر الآراء الاستشارية في القضايا الإقليمية أو يسمى بقضايا تصفية الاستعمار، حدث ذلك في قضية الصحراء الغربية حيث قررت الجمعية العامة بناءً على رأي المحكمة أن شعب الصحراء يتمتع بحق تقرير المصير. أما في قضية ناميبيا فقد اتخذ مجلس الأمن قراراً بناءً على رأي المحكمة، من شأنه أن يفك الارتباط بين إقليم ناميبيا وبين جنوب إفريقيا، وأن يجعل شعب ناميبيا وثرواته ومستقبله تحت رعاية الأمم المتحدة.

وبالتالي فإن الواقع العملي يثبت أن هذه القضية لا يمكن النظر إليها بهذه البساطة، ذلك أن متابعة الفتوى السابقة التي أصدرتها المحكمة ورصدها يكشف أن محكمة العدل الدولية قد تعاملت مع الفتاوى التي أصدرتها على أنها سوابق قضائية فلم تخالفها. وأما الأجهزة التي طلبت الفتوى فقد تعاملت مع هذه الفتاوى كما لو أنها ملزمة قانوناً لها، ويكفي أن يشار هنا إلى أن جميع قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة في قضية جنوب غربي إفريقيا قد انطلقت من فتوى محكمة العدل سنة1950. وأما الجمعية العامة نفسها فقد التزمت بجميع الفتاوى السابقة، ففيما يتعلق بفتوى التحفظات على الاتفاقية الخاصة بمنع جريمة إبادة الجنس البشري الصادرة عام 1951 وتحريمها؛ فقد أصدرت الجمعية العامة قرارها رقم (598) لعام 1952 ودعت فيه كل الدول أن تستوحي ما جاء بهذه الفتوى لتحديد موقفها من هذه الاتفاقية.

أيضاً ينبغي الإشارة هنا إلى أن بعض النصوص تقرر أن تكون الآراء الاستشارية التي تصدرها المحكمة ذات قوة إلزامية للفرقاء، مثال ذلك المادة (8) من المقطع (30) من اتفاقية امتيازات الأمم المتحدة وحصاناتها، فقد نصت على أن أي خلاف حول تفسير هذه الاتفاقية أو تطبيقها ينشأ بين الأمم المتحدة من جهة وإحدى الدول الأعضاء من جهة أخرى يجب أن يحال إلى محكمة العدل الدولية من أجل فتوى تكون ملزمة للجانبين المعنيين.

كذلك هناك محاولة لمنح محكمة العدل الدولية صفة محكمة استئنافية في القضايا التي تكون قد نظرت قيها في الدرجة الأولى من مراحل التقاضي إحدى الهيئات التحكيمية التي أنشأتها الأمم المتحدة أو منظمة العمل الدولية للنظر في المنازعات الناجمة عن العقود وشروط العمل للموظفين الداخلين في الملاك. فقد أضيفت مادة برقم (11) إلى النظام الأساسي للمحكمة الإدارية للأمم المتحدة، نص بموجبها على إجراءات خاصة تمكن عن طريق تدخل لجنة خاصة في الجمعية العامة من طلب رأي محكمة العدل الدولية في حكم أصدرته هذه المحكمة على أساس احتوائه على خطأ في القانون أو الإجراءات أو على أساس كونه خارجاً عن اختصاص المحكمة الدنيا. وفي هذه الحالة يكون رأي المحكمة ملزماً للأمانة العامة وللمحكمة الإدارية.

كما أقرت نصوص مماثلة منذ عام 1964 بالنسبة إلى المحكمة الإدارية لمنظمة العمل الدولية التي عدتها عدة وكالات متخصصة أخرى ذات اختصاص بالنسبة إلى شؤونها المتعلقة بحقوق الموظفين الداخلين في الملاك وواجباتهم.

وفعلاً فقد أصبحت محكمة العدل الدولية ما يمكن وصفه بمحكمة تمييز هذه القضايا، وهو أمر يمكن عده خطوة جريئة وجدية في سبيل تقوية النظام القضائي الدولي ولجعل المحكمة بحق المرجع القضائي الرئيسي في العلاقات الدولية.

ولعله من المفيد الإشارة هنا إلى آخر الآراء الاستشارية (حتى ساعة إعداد هذا البحث في أواخر عام 2009م) وهو الرأي الاستشاري الصادر بمناسبة إقامة جدار الفصل العنصري في الأراضي الفلسطينية العربية المحتلة. ما ينبغي الإشارة إليه هنا هو أن الدول العربية كانت قد لجأت بداية إلى عرض هذه القضية على مجلس الأمن الدولي ليتحمل مسؤولياته ويمارس اختصاصاته المنصوص عليها في الميثاق؛ لأن إقامة الجدار الفاصل إنما يعد تهديداً للسلم والأمن الدوليين وينهي فعلياً فرص السلام في المنطقة، ففي رسالته بتاريخ 9 تشرين الأول/أكتوبر 2003 الموجهة إلى رئيس مجلس الأمن من المندوب الدائم للجمهورية العربية السورية ورئيس المجموعة العربية طلب بالنيابة عن الدول الأعضاء بجامعة الدول العربية عقد جلسة فورية لمجلس الأمن للنظر في الخروقات الإسرائيلية للقانون الدولي ومن ضمنه القانون الدولي الإنساني؛ واتخاذ الإجراءات الضرورية بهذا الخصوص، فعقد مجلس الأمن جلستيه (4841) و(4842) بتاريخ 14 تشرين الأول 2003، وأجرى المجلس فيهما نقاشاً مفتوحاً حول الموضوع وفي نهايته وضعت مسودة القرار للتصويت، لكن كالعادة كان الڤيتو الأمريكي جاهزاً لحماية إسرائيل وصونها من أي مساءلة أو عقاب. لذلك تم عرض هذه القضية على الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبجلستها بتاريخ 21 كانون الأول/ديسمبر 2003 قررت الجمعية العامة ـ بالاعتماد على المادة (96) من ميثاق الأمم المتحدة بالتوافق مع المادة (65) من النظام الأساسي للمحكمة ـ الطلب من محكمة العدل الدولية أن تصدر بسرعة رأياً استشارياً حول السؤال التالي؟

ما هي النتائج القانونية المترتبة على بناء الجدار الذي يقام من قبل إسرائيل، القوة المحتلة، في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومن ضمنها داخل القدس الشرقية، وكما وصف في تقرير الأمين العام مع الأخذ في الحسبان قواعد القانون الدولي ومبادئه، ومن ضمنه اتفاقية جنيڤ الرابعة لعام 1949 والقرارات ذات الصلة لمجلس الأمن والجمعية العامة؟

وأعلنت محكمة العدل الدولية في قرارها رقم (131) الصادر في التاسع من تموز/يوليو/2004 أن الجدار ينافي القانون الدولي وبالتالي هو غير قانوني؛ مؤكدة الانتهاكات التي يمثلها الجدار للحقوق الفلسطينية وللقانون الدولي.

جاء قرار المحكمة في (72) صفحة، وتضمن (163) بنداً تناولت الحيثيات والمرجعيات القانونية، كما تناول بالتفصيل التبعات القانونية المترتبة على بناء الجدار في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وفي بداية الجلسة أكد رئيس محكمة العدل الدولية شيْ تيويونغ أن المحكمة (وبإجماع آراء قضاتها) تملك صلاحية الإدلاء برأيها حول شرعية الجدار الفاصل الذي تبنيه إسرائيل في الضفة الغربية. وقال القاضي الصيني خلال الجلسة أن "المحكمة تملك صلاحية إصدار رأي استشاري طلبته الجمعية العامة للأمم المتحدة" رافضاً بذلك الحجج التي تقدمت بها إسرائيل والولايات المتحدة وعدة دول أوربية والتي شككت فيها بقانونية هذه المسألة.

ويتضمن قرار محكمة لاهاي الذي جاء تحت عنوان "النتائج القانونية لبناء جدار في الأراضي الفلسطينية المحتلة" خمس توصيات:

أ ـ تقرر المحكمة أن: "إنشاء الجدار الذي تقيمه إسرائيل، كقوة احتلال، في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما في ذلك داخل القدس الشرقية وما حولها؛ وما يسانده من نظام يتناقض مع القانون الدولي". وترى المحكمة التي دعم (14) من قضاتها القرار فيما كان معارضه الوحيد القاضي الأمريكي (توماس بويرغنثال) أن "إسرائيل" ببنائها الجدار انتهكت القانون الدولي بتعديها على حرية حركة الفلسطينيين، وحريتهم في السعي إلى العمل والتعليم والصحة. كما تقول المحكمة: "إن "إسرائيل" انتهكت المعاهدات الدولية التي وقعتها والتي تتعامل مع هذه المواضيع و" إن إقامة مثل هذا الجدار من جانب "اسرائيل" ينتهك بالتالي التزاماتها العديدة بموجب القانون الإنساني وقوانين حقوق الإنسان السارية المفعول".

 ب ـ تقرر المحكمة أن: "إسرائيل ملزمة بإنهاء خروقاتها للقانون الدولي، كما أنها ملزمة بوقف أعمال بناء الجدار الذي يتم بناؤه في الأراضي الفلسطينية المحتلة من الآن فصاعداً؛ بما في ذلك داخل القدس الشرقية وما حولها، كما أنها ملزمة من الآن فصاعداً بهدم البناء الذي تمت إقامته، كما أن عليها أن تتراجع أو تبطل جميع القوانين والتعليمات المتعلقة بها؛ طبقاً للبند (151) من هذا الرأي". ويطعن قضاة محكمة العدل الدولية أيضاً في المسار الذي قررته "إسرائيل" للجدار، ويقولون إنهم: "غير مقتنعين بأن المسار المحدد الذي اختارته "إسرائيل" للجدار كان ضرورياً لتحقيق أهدافها الأمنية".

ويقول الحكم: "إن الجدار (القائم) على امتداد المسار المختار، والنظام المرافق يشكل اعتداء خطيراً على عدد من حقوق الفلسطينيين القاطنين في المنطقة التي تحتلها"إسرائيل" ولا يمكن تبرير الاعتداءات الناجمة عن ذلك المسار بضرورات عسكرية أو متطلبات الأمن القومي أو النظام العام". (التصويت 14 مقابل 1 هو القاضي الأمريكي).

ج ـ تقرر المحكمة: "أن "إسرائيل" ملزمة بإصلاح جميع الأضرار التي تسبب بها بناء الجدار في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك داخل القدس الشرقية وما حولها" (التصويت 14 مقابل 1 هو القاضي الأمريكي).

د ـ تقرر المحكمة أنه "على جميع الدول أن تلتزم بعدم الاعتراف بالوضع غير الشرعي المترتب على بناء الجدار، وبعدم تقديم أي دعم أو مساعدة للإبقاء على الوضع الذي خلقه بناء الجدار. وجميع الدول الأطراف في اتفاقية جنيڤ الرابعة المتعلقة بحماية المدنيين في وقت الحرب المؤرخة في 12 آب 1949 يقع عليهم إضافة إلى ذلك عند احترامهم لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي الإنساني ضمان خضوع "إسرائيل" للقانون الدولي كما هو منصوص عليه في الاتفاقية". (التصويت 13 مقابل 2 حيث انضم إلى القاضي الأمريكي بويرغينثال ـ في رفضه الدعوة الموجهة إلى كل البلدان لاتخاذ إجراءات ضد الجدارـ القاضي الهولندي بيتر كويجمانز).

هـ ـ تقرر المحكمة أنه: "على الأمم المتحدة وخاصة الجمعية العمومية ومجلس الأمن أن ينظروا في اتخاذ الإجراءات الإضافية اللازمة لإنهاء الوضع غير القانوني الناجم عن بناء الجدار وما سانده من نظام، آخذة بالحسبان استحقاق هذا الرأي الاستشاري". (التصويت 14 مقابل 1 هو القاضي الأمريكي).

 يتضمن حكم المحكمة أيضاً تحليلاً مطولاً للوضع القانوني ولتاريخ الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة، وتقول المحكمة في قرارها أيضاً: "إن "إسرائيل" ملزمة بالتقيد بالتزامها القاضي باحترام حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره والتزاماتها بموجب القانون الأساسي الدولي والقانوني الدولي لحقوق الإنسان، كما أن عليها أيضاً ضمان حرية الوصول إلى الأماكن المقدسة لسيطرتها".

المحكمة أكدت أيضاً أن قضية الجدار ليست قضية أمنية وأن الأمن لا يمكن أن يكون على حساب القانون الدولي، كما بينت أن المستوطنات التي بنتها إسرائيل على الأراضي الفلسطينية المحتلة هي بذاتها انتهاك للقانون الدولي، وأن بناء الجدار يؤدي إلى خلق واقع على الأرض من الممكن أن يكون دائماً وقد يؤدي إلى ضم فعلي، كما أكدت المحكمة أن "إسرائيل" تنتهك حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

أكد قرار المحكمة الدولية في مواقع مختلفة من القرار أن جدار الفصل العنصري ينتهك حقوق الفلسطينيين السياسية والمدنية والإنسانية؛ إذ إن الجدار ينتهك حق الفلسطينيين في حرية الحركة والعمل والتعليم والصحة والغذاء والماء، كما ينتهك حقوقهم في حرية الدين والحق في الهوية، كما أن الجدار يشكل ترسيماً أحادي الجانب للحدود مع الضفة الغربية وضماً فعلياً للأراضي الفلسطينية من ضمن الانتهاكات، إضافة إلى أنه يؤدي إلى تغييرات ديموغرافية في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ فضلاً عن الانتهاكات الأخرى التي تتمثل باستيلاء قوات الاحتلال على الملكية الخاصة وتدمير البيوت والملكيات.

البند (145) من قرار المحكمة جاء دعوة واضحة للمجتمع الدولي لمقاطعة "إسرائيل" وفرض العقوبات عليها؛ إذ لا يمكن الاكتفاء بقرار المحكمة بل لابد من العمل على الضغط على المجتمع الدولي ليتخذ إجراءات وخطوات عملية تؤدي إلى تنفيذ قرار المحكمة.

اللافت للنظر بدايةً أن المحكمة قد أصدرت رأيها الاستشاري في مدة قياسية بالنسبة إلى آرائها الاستشارية السابقة، فقد استغرق بحثها أقل من خمسة أشهر، ولوحظ أن الرأي الاستشاري قد تعرض لمجمل السلوك الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية ولم يكتف ببحث قضية الجدار، وأن رأي المحكمة قد تقدم عدة خطوات عما هو معهود من لغة متحفظة للمحكمة في آرائها الاستشارية، فلم تكتف في هذه الحالة بتحديد الموقف القانوني من هذه المسألة، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك بكثير عندما طالبت بإزالة الجدار؛ وحث مجلس الأمن على اتخاذ إجراءات في هذا الشأن؛ ومطالبة أطراف اتفاقية جنيڤ بحمل "إسرائيل" على احترامها وتقرير حق التعويض للفلسطينيين الذين تضرروا من إقامة الجدار.

ولوحظ أيضاً أن رأي المحكمة قد عني عناية خاصة بتفنيد الدفوع الإسرائيلية والأمريكية، وقدم إثراء مفيداً في تفسير بعض أحكام الميثاق، وخاصة فيما يتعلق بوضع الأقاليم المحتلة وحدود حق الدفاع الشرعي بالنسبة لـ"إسرائيل" بالذات، وهي قضية بالغة الأهمية لأن "إسرائيل" قد أجهضت مفهوم الدفاع الشرعي، وتوسعت فيه توسعاً قطع الصلة بين المفهوم والممارسة، فوضع الرأي بهذا التفسير قيوداً صارمة على مستقبل التصرفات الإسرائيلية، ولعل من أهم مميزات هذه الفتوى أنها في سبيل إجابتها عن سؤال الجمعية العامة قد استعرضت النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي والوضع القانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة منذ البداية (الانتداب) حتى تشييد الجدار في الوقت الراهن؛ محددة ومفسرةً الأحكام القانونية ذات الصلة بكل مرحلة من المراحل. وأدانت الفتوى احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية في عام 1967 وممارساتها غير المشروعة فيها، وإخلالها بالالتزامات الواقعة عليها بصفتها سلطة احتلال بمقتضى قواعد القانون الدولي؛ ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة؛ وقرارات الجمعية العامة؛ ومجلس الأمن؛ وقواعد القانون الدولي الإنساني؛ وصكوك حقوق الإنسان.

3ـ اختصاص المحكمة الإداري:

إلى جانب اختصاصيها الرئيسيين ـ القضائي والاستشاري ـ تختص محكمة العدل الدولية بأمور فرعية جانبية ذات طابع إداري كالفصل في بعض القضايا التأديبية بحق القضاة فيها وانتخاب بعض أعضائها في حالة معينة والبت في الشؤون الإدارية المتعلقة بالمحكمة وقلمها (ديوانها). ولعل ما يستحق الانتباه حقاً هو اختصاص محكمة العدل الدولية كمجلس تأديبي لأعضائها، ذلك لأن هذا الاختصاص يعد خروجاً على القاعدة العامة التي تحكم اختصاص المحكمة؛ إذ تحاكم المحكمة بموجب اختصاصها كمجلس تأديبي أفراداً هم القضاة مع أن الأصل أنها تفصل بين (دول). أما اختصاص المحكمة الموضوعي في مجال تأديب أعضائها فيتناول أي خرق يرتكبه عضو المحكمة لواجباته والتزاماته القانونية المدونة في النظام الأساسي أو النظام الداخلي للمحكمة، كما أنه يتناول أحياناً الخلاف الذي يمكن أن ينشب بين رئيس المحكمة وأحد أعضائها بسبب عدم صلاحية العضو للحكم في قضية معينة. وأحكام المحكمة في هذه المسائل قطعية لا تقبل المراجعة.

مراجع للاستزادة:

 

ـ فؤاد شباط ومحمد عزيز شكري، القضاء الدولي (منشورات جامعة دمشق، 1966).

ـ محمد عزيز شكري، التنظيم الدولي العالمي بين النظرية والواقع (دار الفكر، ط1، 1973).

ـ سيد أنور أبو علي، «الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية حول الجدار الإسرائيلي العازل، المبادئ والمغزى والأبعاد»، دورية "شؤون عربية"، العدد 120 شتاء 2004م.

ـ رشا حري، الجدار الإسرائيلي في ميزان محكمة العدل الدولية النص الكامل لرأي محكمة العدل في وثيقة الأمم المتحدة، July 2004 275/10-ES/A




التصنيف : القانون الدولي
النوع : القانون الدولي
المجلد السابع: المحكمة الجنائية الدولية _ ولاية المظالم في الإسلام
رقم الصفحة ضمن المجلد : 24
مستقل

الوصية

 الوصية الوصية أحمد بدر الدين حسون تعريف الوصية شروط الموصي له (مَن تبرع له الموصي بجزء من ماله بع وفاته) مشروعية الوصية مقدار الوصية أركان الوصية الوصية لوارث كيفية انعقاد الوصية تنفيذ الوصية الفورية في القبول والرد بعد الموت الرجوع عن الوصية في القانون تعليق الوصية على شرط وإضافتها إلى المستقبل أحكام الموصى له إضافة الوصية إلى ما بعد الموت أحكام الموصى به شروط الموصي (مَن صدرت منه الوصية) الوصية الواجبة 1-1. تعريف الوصية الوصية في اللغة: مأخوذة من وصيت الشيء بالشيء أصيه، من باب وَعَدَ، وأصل الوصية: الوصل، يقال: وصَّى بالشيء ووصَّى الشيء إذا وصله،...

المزيد »