logo

logo

القانون الخاص | الرهن الحيازي

رهن حيازي

possessory lien - sûreté réelle possessoire

 الرهن الحيازي

الرهن الحيازي

محمد عمار غزال

إنشاء الرهن الحيازي

آثار الرهن الحيازي

انقضاء الرهن الحيازي

الأحكام الخاصة برهن المنقول المعنوي

 

يمثل الرهن الحيازي Les sûretés réelles possessoires المرحلة الوسيطة بين الشكل الأول للتأمينات العينية المتمثل بالتصرف الائتماني الناقل للملكية و بين التأمينات غير الناقلة للحيازة القائمة على نحو رئيسي على الإشهار بواسطة سجلات، سواء أكانت تتعلق بعقار أم بمنقول. وعلى ذلك فالتأمينات الحيازية قائمة على فكرة نقل الحيازة بدلاً من نقل الملكية؛ وبالتالي فإن الرهن الحيازي على نوعين: إما رهن منقول وإما رهن عقاري. ويتم فيهما تجريد الراهن من حيازته للمرهون كي يتمكن الدائن المرتهن لهذا المال من ممارسة حق الحبس عليه. ويبدو حق الحبس هذا الوسيلة الرئيسية لشهر الرهن الوارد على هذا المال بغية إعلام الغير بوجود الرهن، وبغية منع الراهن من مباشرة أي تصرفات على المرهون يكون من شأنها إخراجه من ذمته المالية إضرارا بالمرتهن.

وقد عالج القانون المدني السوري التأمينات العينية الحيازية في المواد (1028 إلى 1070)، حيث نظم من خلالها أحكام رهن المنقول le gage والرهن الحيازي العقاري l’antichrèse كلاً على حدة. فقد عرفت المادة (1055) مدني الرهن العقاري بأنه: «عقد يضع بموجبه المدين عقاراً في يد دائنه أو في يد شخص آخر يتفق عليه الطرفان، ويخول الدائن حق حبس العقار إلى أن يدفع له دينه تماماً. وإذا لم يدفع الدين فله الحق بملاحقة نزع ملكية مدينه بالطرق القانونية».

أما المادة (1028) فقد عرفت رهن المنقول بأنه «عقد يخصص بمقتضاه شيء منقول مادي أو غير مادي بتأمين التزام ما». ويلاحظ أنه أطلق هذا التعريف على المنقول المادي وغير المادي لاتحادهما بصفة التخصيص لضمان الوفاء بالدين، فلم يورد في هذه المادة طريقة إنشاء عقد رهن المنقول؛ لأن هذه الطريقة تختلف باختلاف رهن المنقول بين ما إذا كان مادياً أو غير ماديٍ. فتطور الأموال الذي حصل في القرن العشرين تميز بظهور أموال غير مادية وباكتساب بعضها قيماً مالية تفوق في بعض الأحيان القيم المالية للعقارات. وهذا ما جعل المشرعين يفكرون في تمكين مالكي هذه الأموال من الاستفادة من قيمها الاقتصادية عن طريق السماح لهم باستجرار القروض برهن تلك الأموال لدى المؤسسات المالية. أما في القانون المدني السوري فقد تناول المشرع رهن الدين في فصل رهن الحقوق غير المادية من المادة (1046) إلى المادة (1054). والمقصود بالدين هنا هو القرض الممنوح للمدين والمثبت بسند حيث يستطيع الدائن رهن حقه في الدين على مدينه إلى آخر ضماناً للوفاء بالتزامه. وقد فصل المشرع السوري أحكام رهن الدين في المادة (1046) إلى المادة (1052)، وأفرد المادة (1053) لرهن الحقوق غير المادية ما خلا الدين من دون تعداد. كما أن قانون التجارة السوري الجديد رقم /33/ لعام 2007 نص على رهن الدين التجاري والحقوق المعنوية الأخرى كالأسهم والسندات بأنواعها. وكذلك نص قانون الشركات السوري رقم (3) الصادر عام 2008 صراحة على إمكانية رهن الحصص في الشركات.

أولاً ـ إنشاء الرهن الحيازي:

على اعتبار أن العقد هنا هو عقد عيني بالمقام الأول؛ فإنه إضافة إلى الشروط الموضوعية العامة، توجد شروط خاصة متعلقة بشكل الانعقاد.

1ـ الشروط المتعلقة بشكل الانعقاد:

لكي يكون عقد رهن المنقول صحيحاً وسارياً في مواجهة الغير فإنه من حيث الشكل يجب إفراغ الاتفاق على إنشاء الرهن بصيغة خطية مكتوبة، وبالنسبة إلى العقار يجب القيد. ثم لتمام الرهن ونفاذه على الغير ـ سواء في العقار أم في المنقول ـ يجب تسليم المال المرهون إلى المرتهن أو إلى شخص ثالث يتفق عليه طرفا العقد.

أ ـ الكتابة:

بالنسبة إلى رهن المنقول قصد المشرع حماية الغير على العموم ودائني الراهن على الخصوص، فاشترط الكتابة لدى مأمور رسمي، وهي الكتابة الرسمية أو الكتابة العادية شريطة وجود تاريخ ثابت (المادة 1032)، وذلك من أجل منع حصول تواطؤ بين الراهن والدائن المرتهن إضراراً بدائني الراهن العاديين. إذ إن التاريخ المحدد في السند يسمح بمعرفة درجة التفاضل بين مختلف المرتهنين، وذلك عندما يكون المنقول مرهوناً لعدة دائنين يحوزه العدل لمصلحتهم جميعاً، فيتقدم الدائن الأسبق تاريخاً على التالين له، ويتعذر على الراهن محاباة دائن على حساب الآخرين.

ويشترط أن يتضمن هذا الاتفاق المكتوب تعييناً دقيقاً وواضحاً لمقدار الدين المضمون ولنوع الأموال المرهونة وماهيتها، وهو ما يعرف باسم مبدأ (تخصيص الرهن). غير أنه يجب التشديد على أن الغاية من اشتراط الكتابة ثابتة التاريخ تكمن في سريان الرهن في مواجهة الغير.

أما بالنسبة إلى الرهن العقاري، فإن الاتفاق المكتوب بين الأطراف المتعاقدة (الراهن والمرتهن) الهادف لإنشاء الرهن على عقار المدين لا يشترط فيه شكل معين أو صيغة خاصة أو كتابة رسمية، إذ هو أصلاً عقد عيني لا ينشأ إلا بالتسليم. ولكن بما أن هذا الحق العيني وارد على عقار فإن من مقتضى ذلك قيد تلك الواقعة في السجل العقاري، إذ إن الحقوق العينية العقارية تكتسب، وتنتقل بالتسجيل في السجل العقاري.

ب ـ القيد في السجل العقاري شرط لسريان الرهن العقاري على الغير:

إن التسجيل في السجل العقاري ليس مصدراً لشهر الحقوق العينية القائمة على العقار فحسب، بل هو أيضاً وسيلة لاكتساب تلك الحقوق. وإلى هذا الأثر أشارت صراحة الفقرة الأولى من المادة (825) من القانون المدني السوري الواردة في فصل أسباب كسب الملكية ـ أحكام عامة في اكتساب الحقوق العينية العقارية ـ حيث نصت على أنه:

«تكتسب الحقوق العينية العقارية وتنتقل بتسجيلها في السجل العقاري». ومؤدى ذلك أن هذا الشرط ليس فقط شرط سريان على الغير؛ بل أيضاً شرط أساسي حتى فيما بين المتعاقدين. وإلى هذا المعنى ذهبت محكمة النقض السورية حيث جاء في اجتهادها أن كل اتفاق بين فريقين يرمي إلى إنشاء حق عيني أو نقله لا يتم حتى بين المتعاقدين إلا بقيده في قيود السجل العقاري عملاً بالمادة (11) من القرار /188/ لسنة 1926 بشأن السجل العقاري (نقض سوري 298 تاريخ 23/4/1962، التقنين المدني، اسطنبولي، ج2، رقم 949).

غير أنه لا ينبغي أن يُفهم أنه في حال تخلف واقعة القيد فإنه ليس للدائن المرتهن أي حق تجاه مدينه الراهن وأن الاتفاق المبرم بينهما عديم الأثر، إذ يمكن للاتفاق المبرم بين الدائن والمدين المتعلق بإنشاء رهن على العقار أن ينشأ صحيحاً فيما بين المتعاقدين، لكنه قاصر عن أن يمنح الدائن حقاً عينياً لعدم استكمال شريطة القيد. غير أنه يبقى للدائن حق شخصي ناجم عن أن الاتفاق يتمثل في وجوب قيام المدين بإتمام الرهن وإجراء القيد كي يبدأ الرهن بإنتاج آثاره تجاه الغير وفيما بين المتعاقدين. فإذا امتنع المدين عن إجراء القيد أمكن للدائن اللجوء إلى القضاء لاستصدار حكم يقوم الدائن بموجبه بإجراء عملية القيد؛ وذلك بصريح منطوق المادة (11) من قانون السجل العقاري التي أشارت إلى أن عدم التسجيل لا يمنع المتعاقدين من ممارسة حقوقهم ودعاويهم المتبادلة عند عدم تنفيذ اتفاقاتهم. وإلى هذا المعنى اتجهت محكمة النقض السورية حيث أشارت إلى أن المادة (11) من قانون السجل العقاري تجيز للمتعاقدين المداعاة فيما يتعلق بعدم تنفيذ اتفاقاتهم كما أن القانون أوجب تسجيل كل حكم يرمي إلى إحداث حق عيني (نقض سوري 382 أساس 3766 تاريخ 3/3/1981. مجلة «المحامون» ص666/981).

ج ـ التسليم:

بينت المادة (1030) كيفية نشوء عقد رهن المنقول المادي فنصت على أنه: «يتم رهن الشيء المادي بان يسلم المدين ـ أو شخص آخر بالنيابة عنه ـ هذا الشيء إلى الدائن تأميناً لدين ما». كما نصت المادة (1055) بصدد الرهن العقاري على أن: «الرهن عقد يضع بموجبه المدين عقاراً في يد دائنه…».

إن التسليم ركن في العقد، وليس شرطاً أو التزاماً عقدياً، وينتج من ذلك أنه يشترط لإنشاء الرهن أن يكون المرهون من الأموال القابلة للتداول حتى يصح فيها التسليم. فالتسليم يعدّ إنشاءً للعقد، وليس التزاماً فيه، إذ الراهن غير ملزم بشيء بمقتضى عقد الرهن، وهو حينما يقوم بتسليم المرهون إنما يقوم بإنشاء العقد، وليس بتنفيذ التزام فيه، فإذا تخلف التسليم فإن الاتفاق المكتوب عاجز عن أن ينشئ آثار الرهن. وهذا الحكم الراسخ في الاجتهاد وفي الفقه التقليدي هو نتيجة طبيعية لاعتبار عقد الرهن الحيازي أحد أهم العقود العينية التي مازالت باقية من تاريخ القانون، إذ توالت اجتهادات محكمة النقض الفرنسية لتشدد على عينيته وأنه لا يتم إلا بالتسليم (انظر على سبيل المثال C. cass. civ.19 (juin 1928. DP. 1929.1. 45).) حتى أصبح هذا المفهوم اعتقاداً حقوقياً لا يجوز المساس به. غير أن جانباً من الفقه الفرنسي المعاصر بدأ يتجرأ ويتساءل عن جدوى عينية عقد الرهن في الوقت المعاصر على أساس أنه في الوقت الذي صدر فيه القانون المدني الفرنسي لم تكن الأموال المنقولة معتبرة ذات قيم كبيرة، فلم يعدّ المشرع تقديم تلك الأموال رهناً لضمان الدين على أنه تأمين على درجة من الأهمية بالمقارنة مع التأمين العقاري، فاشترط فيها التسليم.

أما بالنسبة إلى كيفية التسليم، فإن القانون المدني لم يحدد كيفية خاصة للنقل لا في رهن المنقول ولا في رهن العقار، إنما يجب أن تتفق طريقة النقل مع طبيعة المال المرهون. فإذا لم يكن للمرهون طبيعة خاصة تستلزم طريقة خاصة لنقله وجب تطبيق القواعد العامة المتعلقة بالتسليم الواردة في عقد البيع، ويمكن الاستناد أيضاً إلى المادة (912) مدني سوري المتعلقة بانتقال الحيازة والقاضية بأنه يجوز أن يتم نقل الحيازة دون تسليم مادي إذا استمر الحائز واضعاً يده لحساب من يخلفه في الحيازة، أو استمر الخلف واضعاً يده ولكن لحساب نفسه.

وقياساً على طريقة التسليم في عقد البيع الواردة في الفقرة الأولى من المادة (403) مدني سوري، فإن تسليم المال المرهون يكون بوضعه في حيازة المرتهن بطريقة تمكنه من وضع يده عليه، ويحصل هذا التسليم على النحو الذي يتفق مع طبيعة الشيء المرهون. كما أنه على الراهن تسليم المال المرهون إلى الدائن بالحالة التي كان عليها وقت الاتفاق على الرهن (المادة 399) مدني سوري. كما ينبغي أن يشتمل التسليم على كل ملحقات المال المرهون المعتبرة ضرورية له طبقاً لما تقضي به طبيعة الشيء والعرف وقصد المتعاقدين (المادة 400) مدني سوري، وكل ذلك قياساً على البيع. غير أن القانون المدني نص على حالات يعد فيها التسليم حاصلاً ولو لم يتم نقل المال المرهون إلى حيازة المرتهن وذلك عندما يكون المال المرهون  بضائع في طريق النقل ومعهوداً بها إلى الناقل؛ بمعنى أنها ليست في يد الراهن حتى يتمكن من تسليمها عيناً، أو في حالة ما إذا كان المال المرهون بضائع مودعة في المخازن (هذه الفكرة مأخوذة عن قانون التجارة الفرنسي حيث تم إنشاء مخازن عمومية magasins généraux لضرورات الحرب العالمية وسمح بإنشاء رهن على هذه البضائع عن طريق تسليم سندات الايداع وهذا الرهن معروف باسم nantissement des warrants) حيث يتم رهنها بتسليم وثيقة الشحن، وبذلك نصت المادة (913) مدني سوري.

أما في العقار، فيكفي فيه تسليم مفاتيحه إلى المرتهن على نحو لايظهر فيه الراهن وكأنه مازال حائزاً للعقار بشكل يوهم الغير بعدم وجود الرهن، لذلك حتى يكون التسليم نافذاً تجاه الغير يجب أن يكون نزع الحيازة حالياً وفعلياً وظاهراً ومستمراً، وهذه تعدّ من شرائط نفاذ الحيازة على الغير.

2ـ الشروط المتعلقة بالموضوع:

إن الشروط الموضوعية لعقد الرهن الحيازي هي من حيث المبدأ شرائط الانعقاد ذاتها الواردة في النظرية العامة للالتزامات؛ أي إن المقصود منها أركان العقد المعروفة، وهي الرضا والمحل والسبب. غيرأن الرهن الحيازي ـ بصفته عقداً عينياً ـ يرتب حقوقاً عينية على المال المرهون لمصلحة الدائن المرتهنـ يتمتع بخصوصية في نطاق الأركان تميزه في الأحكام من سائر العقود الرضائية. فعلى سبيل المثال بحسب النظرية العامة للالتزامات من الجائز أن يكون محل الالتزام شيئاً مستقبلياً (المادة 132/1). مثل هذا الحكم لا يمكن التسليم به من دون قيد أو شرط في الرهن الحيازي لكون هذا الرهن عقداً عينياً يستلزم التسليم الذي يعدّ ركناً في العقد، فقد نصت المادة (1058) مدني سوري على أنه: «كل عقار جاز بيعه جاز رهنه». فإذا كان العقار مما لا يجوز بيعه تعطل الحكم الرئيسي للرهن. ومن أمثلة ذلك لا يجوز رهن العقار الموقوف لكونه لا يقبل البيع. ومن ذلك أيضاً رهن العقار المشروط عدم التصرف فيه متى كان الشرط صحيحاً. كما لا يجوز رهن حق الاستعمال والسكن؛ لأن مالك حق الاستعمال والسكن لا يستطيع النزول عن حقه إلا بناء على شرط صحيح أو مسوّغ قوي. ولا يجوز إنشاء الرهن على حق ارتفاق لأنه مما لا يجوز بيعه مستقلاً عن العقار المرتفق، إلا أن الرهن إذا تقرر على العقار المرتفق انسحب أثره إلى حق الارتفاق باعتباره من ملحقاته. وكذلك لا يجوز رهن العقارات الداخلة في أملاك الدولة، ولا يجوز إنشاء رهن على تأمين عقاري أو حتى على رهن عقاري. ولكن إذا رهن الالتزام الموثق بهذه التأمينات فإن الرهن يشملها باعتبارها من توابعه. ومادام لا يجوز رهن العقار إلا إذا كان صالحاً للبيع؛ فلا بد إذاً من توفر شرطين:

الأول: أن يكون موجوداً؛ لأن بيع المعدوم باطل.  

الثاني: أن يكون حقاً مقدور التسليم؛ لأنه عقد عيني.

وعلى ذلك يجوز إنشاء رهن عقاري على حق الانتفاع ـ ولو لم يرد بشأنه نص ـ بمعزل عن حق الرقبة إذا كان مالك حق الانتفاع غير مالك الرقبة، إذ إن هذا الحق العيني يقبل البيع مستقلاً عن الرقبة. وبالتالي يمكن الاستفادة من قيمته الاقتصادية برهنه إلا إذا وجد اتفاق مخالف بين مالك الرقبة ومالك حق الانتفاع، كأن يشترط مالك الرقبة عدم التفرغ عن حق الانتفاع. كما يجوز رهن حقوق المقاطعة والإجارتين.

أما بالنسبة إلى العقارات بالتخصيص فيجوز رهنها، فإذا تم رهن العقار امتد ذلك الرهن إلى العقار بالتخصيص باعتباره من مشتملات العقار بطبيعته أو من ملحقاته الضرورية.

أما بالنسبة إلى المرهون المنقول، فحتى يصح الرهن يجب توافر عدة شروط في هذا المال، وهي:

أ ـ يجب أن يكون المال المرهون قابلاً للتداول:

أي يجب أن يكون قابلاً للبيع والشراء، بمعنى آخر يجب أن يكون له قيمة مالية في السوق؛ لأن الدائن المرتهن إنما يعول على هذه القيمة في استيفاء حقه عند عدم الوفاء، وبالتالي فإن المال الذي لا يقبل الحجز ولا البيع في المزاد العلني لا يجوز من حيث المبدأ رهنه، من ذلك مثلاً دين النفقة أو الجزء غير القابل للحجز من الأجور والأشياء التي اشترط فيها عدم التصرف عندما يكون الشرط صحيحاً.

ومن الممكن أن يكون المال المراد تقديمه رهناً جزءاً من مال، كما لو كان حق انتفاع أو ارتفاق أو سطحية، ففي هذه الحالة يصح الرهن إذا كان هذا المال المراد رهنه يقبل البيع استقلالاً. وعلى ذلك يجوز إنشاء رهن على حق الانتفاع؛ لأنه يقبل البيع على نحو مستقل عن المال موضوع حق الانتفاع. في حين لا يجوز إنشاء رهن على حق الارتفاق لأنه لايجوز بيعه مستقلاً عن العقار المستفيد، على خلاف ما لو كان العقار المتمتع بحق الارتفاق مرهوناً، ففي هذه الحالة يمتد الرهن إلى حق الارتفاق باعتباره من مشتملات العقار، والرهن يشمل أيضاً مشتملات المال المرهون؛ لأن البيع في حال حصوله سوف يرد على العقار، وليس على حق الارتفاق مستقلاً.

ب ـ يجب أن يكون المال المرهون قابلا للحيازة:

أي أن يكون مقدور التسليم، فإن كان المال المرهون غير ممكن التسليم؛ وقع الرهن باطلاً لتخلف ركنه.

ج ـ يجب أن يكون المال المرهون مملوكاً للراهن ملكية حاضرة و غير مقيدة:

إن الراهن ـ سواء أكان المدين الأصلي أم الكفيل العيني ـ يجب أن يكون مالكاً للمال المرهون ملكية حاضرة، فإذا كان المال المرهون غير حاضر وقت إنشاء العقد ـ أي وقت التسليم ـ كان العقد باطلاً، وهي مسألة رهن المال المستقبل. وعلى اعتبار أن عقد رهن المنقول هو عقد عيني؛ فإنه يتعين اعتبار الرهن القائم على مال مستقبل باطلاً بطلاناً مطلقاً. كما ينبغي أن تكون هذه الملكية غير مقيدة بقيد مانع من التصرف، إذ إن المال غير القابل للتصرف فيه هو مال غير ممكن التسليم من الناحية القانونية حتى لو كان مقدور التسليم من الناحية المادية. ومصدر القيد قد يكون القانون أو إرادة الأطراف المتعاقدة.  وعلى ذلك عدّ بعضهم أن رهن المال المقيد ملكيته بقيد قانوني يعد باطلاً.

وكذلك الحال بالنسبة إلى الرهن العقاري الذي يقيد بعد تسجيل قرار الحجز التنفيذي الممهد لنزع ملكية المدين، حيث تعدّ ملكيته مقيدة قانونياً فور تسجيل قرار الحجز؛ إذ بموجب نص المادة (82) من القرار/ 188/ لا يمكن إجراء أي قيد على العقار بدءاً من تاريخ تبليغ أمين السجل العقاري قرار الحجز التنفيذي.

 وقد يكون مصدر القيد إرادياً، كأن يرهن شخص مالاً منقولاً له يملكه ملكية مقيدة بشرط مانع من التصرف في الأحوال التي يصح فيها مثل هذا الشرط؛ أي إذا كان مبنياً على باعثٍ مشروعٍ ومقتصراً على مدة محددة (المادة 778) مدني، فمثل هذا الرهن يقع باطلاً بدلالة المادة (779) مدني التي تنص على أنه إذا كان الشرط المانع من التصرف الوارد في العقد أو الوصية صحيحاً طبقاً لأحكام المادة السابقة؛ فكل تصرف مخالف له يقع باطلاً. وكان حرياً بالمشرع أن يقرر عدم النفاذ أو قابلية الإبطال كجزاء عوضاً عن البطلان؛ لأنه في ذلك الحكم تجاوز الحكم الوارد في بيع ملك الغير، وهو تصرف أخطر من رهن الملكية المقيدة، فلا يعقل أن يكون جزاء رهن كهذا أشد. 

ولكن قد تكون ملكية الراهن للمال المرهون معلقة على شرطٍ واقفٍ، فالملكية هنا غير متحققة بعد، فإذا تحقق الشرط ثبتت ملكية الراهن للمال بأثر رجعي، وعُدّ الرهن قائماً من تاريخ نشوئه. وإذا تخلف الشرط عدّ الراهن غير مالكٍ بأثر رجعي، وعدّ الرهن كأنه لم يكن. أما إذا كان المال المرهون مملوكاً للراهن ملكية معلقة على شرط فاسخ؛ فالملكية هنا محققة للراهن، فإذا تحقق الشرط زالت ملكيته بأثر رجعي، وزال بالتالي الرهن بأثر رجعي. أما إذا تخلف الشرط فقد استقرت ملكية الراهن للمال، واستقر بالتالي الرهن.

ثانياً ـ آثار الرهن الحيازي:

تتمثل الآثار بترتب التزامات وحقوق لمصالح الأطراف.

الالتزامات:

في الرهن الحيازي لا ينتج الرهن أي التزام تجاه الراهن؛ لأن العقد هو عقد عيني. لكن من المحتمل أن ينشأ بعد التسليم التزامات تجاه الراهن سببها ليس عقد الرهن ذاته، بل وقائع مادية وتصرفات قانونية لاحقة على العقد وغير أكيدة، أما المرتهن فهو الطرف الذي يقع على عاتقه التزامات مصدرها العقد.

أ ـ التزامات الراهن المحتملة:

 يجب على الراهن ضمان حيازة الدائن المرتهن للمال المرهون على نحو هادئ ومستمر لحين انقضاء الرهن بالوفاء أو دونه. كما عليه ضمان التعرض القانوني الذي يحصل من الغير. وكذلك يلتزم بدفع النفقات الضرورية والنافعة التي قد يصرفها المرتهن في سبيل المحافظة على المال المرهون وصيانته. غير أنه من المفيد التذكير بأن هذه الالتزامات ليست حتمية النشوء؛ لأنها لا تنشأ من عقد الرهن ذاته، بل قد تنشأ على نحو احتمالي من وقائع مادية لاحقة على التسليم المنشئ لحق الرهن صادرة عن المرتهن في إطار صلته المادية بالمال المرهون، كالالتزام بدفع نفقات صيانة المرهون، حيث يتوجب على الراهن تعويض المرتهن. وقد تنشأ من وقائع مادية لاحقة على التسليم المنشئ لحق الرهن صادرة عن الراهن نفسه، كالواجب الملقى على عاتقه المتمثل بالامتناع عن التعرض لحيازة المرتهن من أجل ضمان سلامة المرهون. وقد تنشأ من وقائع مادية لاحقة على التسليم صادرة عن الغير كحصول تعرض قانوني صادر عن الغير يلزم الراهن باتخاذ الوسائل الكفيلة لمنع الغير من التعرض للمرهون.

ب ـ التزامات المرتهن:

بما أن حيازة المرتهن للمرهون هي لتأمين وفاء الراهن بالتزامه، فإن على المرتهن إعادة الشيء المرهون إلى الراهن عند حصول الوفاء. ولكي ينفذ المرتهن التزامه بإعادة المرهون تنفيذاً متفقاً مع المتطلبات القانونية؛ فإن عليه إعادة المرهون بالحالة التي تسلمها فيه، الأمر الذي يفرض عليه التزاماً آخر يتمثل في المحافظة على الشيء المرهون. والإخلال بواجب المحافظة على المرهون يعرضه لنزع الحيازة ووضعه تحت الحراسة القضائية. غير أن طريقة التزام المرتهن بالمحافظة على المرهون يجب أن تنسجم مع طبيعة المال المرهون، ففي رهن المنقول: إذا كان من الأشياء المثلية فإن على المرتهن أن يعيد للراهن شيئاً مساوياً للمرهون بالنوعية والكمية، وإن كان شيئاً استهلاكياً وجب تعويضه إما بشيء مماثل وإما بمبلغ من النقود.

أما بالنسبة إلى العقار، فقد نصت المادة (1062) مدني سوري على أنه: «يكون العقار بإشراف حائزه وفي عهدة المالك وعلى مسؤوليته، إذا أثبت المرتهن حدوث ظروف قاهر». وإذا كان الالتزام بالمحافظة على العقار المرهون وصيانته هو من قبيل الالتزام الإيجابي، فإن القانون فرض على كل من الراهن والمرتهن التزاماً سلبياً يتمثل في الامتناع عن التصرف بالمرهون دون رضائهما المتبادل. وإلى هذا الالتزام السلبي أشارت المادة (1068) مدني سوري حيث نصت على أنه: « ليس للمدين ولا للدائن أن يتصرفا بالعقار المرهون دون رضائهما المتبادل. وكل عقد يجري خلافاً لهذه القواعد باطل حكماً». غير أنه قد توالت الاجتهادات القضائية التي تعد البطلان هنا ليس مطلقاً، وفسخت محكمة النقض الأحكام الابتدائية التي عدّته بطلاناً مطلقاً على أساس أنه يمكن إجازته والاتفاق على خلافه (نقض سوري رقم 549 أساس 53 تاريخ 19/5/1976، التقنين المدني. ج9، رقم 3248). وهذا النص لم يرد نص مشابه له في صدد رهن المنقول. وأمام هذا السكوت يرى بعضهم أن حكمه  ينصرف أيضاً إلى رهن المنقول؛ لأن علة المنع في الرهنين هي ذاتها. في حين يرى بعضهم الآخر أنه أمام هذا الكون ينبغي الأخذ بأحكام الفقه الإسلامي حيث تقضي أحكام الفقه الحنفي أن كل تصرف يؤدي نفاذه على المرتهن إلى استرداد المرهون يتوقف على إجازة المرتهن، فإن أجازه جاز، وإن رده بطل.

كما يلتزم المرتهن بعدم الانتفاع بالعقار المرهون مجاناً من دون رضاء المدين، وعليه أن يستغل ثمار العقار، فيحسمها من الدين المضمون ولو قبل استحقاقه محسوبة على الفائدة ثم النفقات ثم رأس المال. وإلى هذا الواجب قد أشارت المادة (1065) مدني سوري حيث نصت أنه: « لا يجوز للدائن أن يتناول دون رضاء المدين منفعة مجانية من العقار المرهون، وعليه أن يستغل منه كل الثمار التي يمكن أن يغلها. وتحسم هذه الثمار من الدين المضمون حتى قبل استحقاقه محسوبة أولاً على الفائدة والنفقات ثم على رأس المال».

الحقوق:

يرتب الرهن الحيازي للدائن المرتهن ثلاثة حقوق: حق الحبس وحق التتبع وحق الأفضلية، ويختلف مدى هذه الحقوق في الرهن العقاري عنه في رهن المنقول المادي.

أ ـ حقوق الراهن: إن المرتهن ملزم بإدارة المرهون، فإذا أخل بهذا الالتزام أو ارتكب تقصيراً جسيماً جاز للراهن أن يطلب من القضاء اتخاذ تدابير تحفظية تضمن حقوقه، ومنها وضع المرهون في عهدة حارس. فإذا ما وقع من المرتهن ما يستوجب نزع يده عنها جاز للقضاء أن يسلمه إلى حارس قضائي بناءً على طلب الراهن.

كما يحق للراهن أن يعترض على البيع الذي أذن به القاضي للمرتهن عند تعيب المرهون المؤدي إلى نقص كبير في قيمته، وذلك باسترداد المرهون من المرتهن لقاء تقديمه تأميناً آخر يراه القاضي كافياً (المادة 1039). وبالعكس فإنه يحق للراهن أن يستصدر إذناً من القاضي في أن يبيع المرهون إذا تعيّب، أو نقصت قيمته، كما يحق له أن يطلب استرداد المرهون لقاء تأمين آخر يراه القاضي كافياً (المادة 1040) مدني فإذا أجاز القاضي البيع قرر إيداع الثمن في مصرف رسمي؛ ليبقى مخصصاً لتأمين الدين. وإذا رأى القاضي أن التأمين الذي قدمه الراهن كافٍ لضمان حقوق الدائن المرتهن قرر إجابة طلب الراهن بمعزل عن موافقة الدائن المرتهن.

ويلاحظ أن حق الراهن في استصدار إذن من القاضي لبيع المرهون أو حقه في استرداده لقاء تأمين آخر قاصر على المنقول، ولا يسري على العقار؛ لأن هذا الحكم خاص ومخالف للقواعد العامة للبيع، فلا يمكن التوسع في تفسيره بصورة تتجاوز حدود النص.

ب ـ حقوق المرتهن:

يمنح عقد الرهن الحيازي الحقوق الآتية للدائن المرتهن:

(1)ـ الحق في الحيازة:

لا يتصور وجود رهن حيازي دون هذه الحيازة المادية سواء من قبل المرتهن بنفسه أم بواسطة العدل. وهذه الأداة هي التي من خلالها يمكن للمرتهن أن يمارس حقوقه الأخرى المتولدة من الرهن، كحق الحبس وحق التقدم. فإذا ما خرج الشيء المرهون من حيازته إلى حائز آخر حسن النية؛ فقد المرتهن حقه العيني على المرهون. لذلك فإن من حق المرتهن أن يدفع ـ وبكل الوسائل القانونية والمادية ـ كل ما من شأنه أن يعرض حقه في حيازة المرهون للخطر، سواء أكان التعرض للحيازة صادراً عن الراهن نفسه أم عن الغير. فإذا أقدم الغير على نزع حيازة المرتهن عن المال المرهون دون رضاه كان له الحق في استرداده منه بموجب دعوى الاستحقاق، وقد نصت على ذلك الحق المادة (1034) من القانون المدني حيث جاء فيها أنه يحق للدائن الذي نزعت يده عن المرهون أن يطالب به قي الأحوال التي يحق فيها للمالك أن يقيم دعوى الاستحقاق. وكما نصت المادة (1033) من القانون المدني على أنه يفقد الدائن امتيازه إذا خرج الشيء من يده أو من يد الشخص الآخر الذي اختاره الفريقان. أما إذا تم التخلي عن الحيازة بصورة مؤقتة دون نية التخلي عن حق الرهن، وإنما فقط لتمكين الراهن من إجراء بعض الإصلاحات التي تدخل في اختصاصه ـ على سبيل المثالـ فإن ذلك لا يعدّ نزولاً من المرتهن عن الرهن. ولكن يقع على عاتق المرتهن إثبات عكس هذه القرينة كما لو أثبت المرتهن أنه أعاده للراهن مؤقتاً على سبيل الوديعة مثلاً.

 (2)ـ حق حبس المرهون:

إن حق الحبس وثيق الصلة بفكرة الحيازة، فلا يمكن للمرتهن ممارسة حقه في حبس المرهون المادي بعيداً عن الحيازة، فإذا سلبت منه هذه الحيازة سلب معها حقه في الحبس؛ لذلك منح المشرع المرتهن في هذه الحالة حق تتبع المرهون لاسترجاع حيازته كي يتمكن من ممارسة حقه في الحبس. ويبدو من ذلك أن لحق الحبس مهمة ضمان الدين حيث يسمح للمرتهن بالامتناع عن رد الشيء إلى الراهن إلى حين تنفيذ الالتزام المضمون متجنباً بذلك إعسار مدينه. بل إن المشرع منع الراهن من أن يطالب المرتهن ـ فيما خلا حالات تعيب المرهون أو سنوح فرصة مؤاتية لبيعه ـ برد الشيء قبل الوفاء التام، فنصت الفقرة الأولى من المادة (1042) من القانون المدني على أنه لا يحق للراهن ـ فيما خلا الأحوال المنصوص عليها في المواد السابقةـ أن يطالب برد الشيء إلا بعد إيفاء الدين كله أصلاً وفائدة وبعد دفع النفقات المختصة بالدين وبالرهن عند الاقتضاء. فإذا ما اتخذت إجراءات قضائية بحق أموال الراهن؛ بقي المرتهن الحابس للمرهون في مأمن من ذلك، فلا يرد المرهون إلا بعد استيفاء دينه، فيظهر حق الحبس بمنزلة حق احتجاج قانوني في مواجهة الكافة. وقد نص المشرع صراحة على حق المرتهن في حبس المرهون (1031 مدني) توصلاً بهذه الوسيلة إلى اقتضاء دينه بالأفضلية، فيمكنه الاحتجاج بحقه في حبس المرهون. غير أن ممارسة المرتهن لحق حبس المرهون لا يعصمه من إلقاء الحجز الاحتياطي على المرهون من قبل الدائنين الآخرين والتنفيذ عليه ببيعه جبراً؛ لأن المرهون وإن خصص لضمان دين المرتهن فإنه ما زال باقياً في ملكية الراهن، فيستطيع الدائنون الآخرون حجزه وبيعه. غير أنه هنا تتبدى فاعلية حق الحبس حيث للمرتهن الحابس أن يمتنع عن تسليم المرهون  رغم بيعه حتى يوفى إليه كامل دينه.

أما بالنسبة إلى العقار فقد نصت المادة (1063) مدني سوري على أنه: «لا يمس الرهن بالحقوق العينية المحرزة بطريقة قانونية والمحتفظ بها على العقار قبل قيد الرهن في السجل العقاري». وعلى ذلك فالحقوق العينية المكتسبة على المرهون والمسجلة في الصحيفة العقارية قبل تسجيل الرهن تبقى لأصحابها، وتكون ملزمة للدائن المرتهن.

كما أن حق المرتهن في الاحتجاج بحق الحبس لا يمنع الدائنين المحتج بمواجهتهم بحق الحبس من إلقاء الحجز على المرهون وبيعه. ذلك لأن المرهون ـ وإن خصص لضمان دين ماـ فهو ما زال باقياً في ملكية الراهن، وللدائنين بناءً على ذلك طلب حجزه وبيعه. ولكن إيقاع الحجز على العقار المرهون لا يؤثر في حق المرتهن في حبسه إذ يستطيع المرتهن التمسك بهذا الحق حتى يدفع له حقه الموثق بالرهن بكامله.

(3)ـ حق التتبع:

حق التتبع يعني أن للدائن المرتهن أن يتتبع المال المرهون في أي يد ينتقل إليها، سواء أكان هذا الانتقال بواقعة مادية كغصب الشيء أم بتصرف قانوني كالبيع أو إنشاء أي حق عيني عليه لمصلحة غير المرتهن. ففي الحالة الأولى للمرتهن الدعاوى ذاتها التي تكون للمالك الراهن، وفي الحالة الثانية، فإذا تصرف الراهن بالمرهون تصرفاً ناقلاً للملكية، وبقي المال المرهون في حيازة الدائن المرتهن؛ فإن هذا التصرف يعدّ غير سارٍ في مواجهة الدائن المرتهن، بمعنى أنه يستطيع ـ عند عدم الوفاء ـ التنفيذ على المال المرهون على الرغم من صيرورته في الذمة المالية للمالك الجديد. أي إن حق التتبع في الحالة الأولى يأخذ شكل التتبع المادي، وفي الحالة الثانية يأخذ شكل التتبع القانوني. فما دام المال المرهون هو في حوزة الدائن المرتهن؛ فإن حق التتبع لا يمكن ممارسته، فالمرتهن يتمتع بالحماية الكافية التي يوفرها له حق الحبس الذي يستطيع أن يحتج به تجاه الكافة، فحق التتبع ـ حتى يمكن تصور ممارسته فعلياً ـ يفترض أن الدائن المرتهن فقد على نحو فعلي وغير إرادي حيازته للشيء المرهون، فيستطيع استرداده من يد الغير الذي يحوزه؛ بواسطة دعوى الاسترداد. وبالتالي يمكن القول: إن حق التتبع يظهر خلال الفترة التي يكون فيها المرتهن منزوع الحيازة رغماً عنه وكأنه وسيلة حقوقية تسمح له بإعادة حق الحبس إليه بمعنى أن المرتهن لن يستطيع ممارسة الحقين في آنٍ واحد، وعلى ذلك فإن حق التتبع وحق الحبس لا يجتمعان في وقت واحد، ويستبعد أحدهما الآخر.

أما في العقار فإن الأمر مختلف، إذ إن ممارسة حق التتبع في الرهن العقاري يأخذ مظهراً قانونياً أكثر منه مادياً، إذ قد تنتقل ملكية العقار من شخص إلى آخر والعقار مازال في حيازة المرتهن، فعندما يحين الأجل دون الوفاء التام بالدين، ويصبح بإمكان المرتهن أن يطلب التنفيذ الجبري على العقار تتبدى سلطة المرتهن الحائز للعقار في تتبع العقار المرهون حيثما استقرت ملكيته للتنفيذ عليه لدى حائزه المادي، واستيفاء دينه من ثمنه.

وواضح أن هذه الصورة من التتبع تختلف عما هو عليه الحال في المنقول، حيث يكون التتبع هناك مادياً وفعلياً يهدف إلى إرجاع المنقول إلى حيازة المرتهن. أما في العقار فهو تتبع معنوي؛ لأن المرتهن يتتبع الملكية المرهونة حيثما استقرت والعقار مازال معتبراً في حوزته من الناحية القانونية.

(4)ـ حق الأفضلية:

إن حقوق المرتهن في حيازة المرهون وفي حبسه وفي تتبعه ما هي في حقيقة الأمر إلا وسائل قانونية منحها المشرع للمرتهن كي يمارس حقه عند التنفيذ في اقتضاء دينه بالأفضلية عن بقية الدائنين. وإلى هذا الحق أشارت المادة (1031) مدني سوري من أن للمرتهن حق الامتياز في استيفاء دينه من قيمة المرهون. غير أن حق الأفضلية ـ خلافاً لحق الحبس الذي يمارس على ذات الشيء في كيانه العضوي والمادي ـ لا يرد إلا على ما يمثله الشيء من قيمة مالية. فممارسة حق التقدم تكون تالية لبيع المرهون، وهي تستلزم تحول الشيء المرهون من كيانه المادي المتميز في عضويته الذاتية إلى مبلغ من النقود.

وإذا كان الشيء نفسه مثقلاً بأكثر من رهن لأكثر من دائن، ويحوزه الغير لحساب الجميع، فإن ترتيب الأفضلية يكون بحسب تاريخ السند المحرر أمام مأمور رسمي أو السند العادي ثابت التاريخ. إذ الامتياز ـ بحسب المادة (1032) من القانون المدني السوريـ لا يترتب إلا إذا كان هنالك سند ثابت التاريخ؛ حتى يحفظ دوره في ترتيب الأفضلية، ولعله يتقدم على دائن مرتهن أسبق منه في الرهن، ولكنه متخلف عنه بتاريخ السند. وفي هذه الحالة، لو كان المرتهن الأسبق رهناً يحوز المال المرهون بنفسه ولحسابه الخاص، لاحتج بحق الحبس في مواجهة الدائن صاحب السند الأسبق تاريخاً. ولكنه هنا فقد حقه بالاحتجاج في مواجهة المرتهن الذي يحمل سنداً أسبق تاريخاً.

أما في الرهن العقاري فلم يصرح المشرع بهذا الحق كما فعل بصدد رهن المنقول، غير أن محكمة النقض السورية شدّدت على أن رهن العقار يمنح المرتهن حق الأفضلية، على اعتبار أن الرهن العقاري هو حق عيني للمرتهن يولي في الأصل صاحبه مزيتي التقدم والتتبع (نقض سوري. قرار رقم 274 تاريخ 22/2/1960). فمرتهن العقار يستوفي كامل الدين المضمون أصلاً وفائدة ونفقات من ثمن العقار المرهون بالتقدم على جميع الدائنين العاديين والدائنين الممتازين التالين له في الرتبة.

ثالثاً ـ انقضاء الرهن الحيازي:

 إن القانون المدني السوري لم يأتِ على ذكر طرائق انقضاء رهن المنقول مفصلة، بل ذكر طرائق الانقضاء لدى تنظيمه رهن العقار الحيازي. فالرهن الحيازي ينقضي إذاً بإحدى طريقتين: أصلية أو تبعية.

1ـ انقضاء الرهن بطريقة أصلية:

نصت المادة (1070) مدني سوري على أنه: « يزول الرهن بتسديد الدين عند استحقاقه أو بالاتفاق بين المدين والدائن المرتهن أو بمجرد إرادة المرتهن. ولا يكون لزوال الرهن أثر قضائي إلا بعد ترقين العقد المدون في السجل العقاري».

غير أن الفقرة الثانية من المادة (1070) اشترطت لترتيب الآثار القضائية لزوال الرهن العقاري ترقين  إشارة الرهن، وهي حالة خاصة يتميز بها الرهن العقاري من رهن المنقول.

ينقضي الرهن الحيازي العقاري بطريقة أصلية بمجرد إرادة الدائن المرتهن كالتنازل عن حق الرهن كما صرحت بذلك المادة (1070) مدني سوري. غير أن الرهن العقاري قد ينقضي بغير إرادة المرتهن كهلاك المرهون. وسواء أكان انقضاء الرهن بطريقة أصلية بإرادة المرتهن أم بغير إرادته؛ فإن الدين المضمون يبقى قائماً، ولكن يفقد صفته ديناً مضموناً، ويصبح ديناً عادياً، ويصبح المرتهن دائناً عادياً. وقد أشار إلى ذلك صريح المادة (1066 ) مدني سوري حيث نصت في فقرتها الثانية أن: «للمرتهن أن يرفع الالتزامات عن عاتقه بتخليه عن حق الرهن». وقد أورد المشرع هذا النص في باب الرهن العقاري، ولم يورد نصاً مماثلاً له في رهن المنقول. وبما أن هذا النص لا يمثل خروجاً على القواعد العامة ولا استثناءً منها فيمكن تطبيقه على رهن المنقول بطريقة القياس لاتحاد العلة؛ وهي رفع المرتهن الالتزامات عن عاتقه.

وكذلك ينقضي الرهن بانقضاء الحق المرهون، كما لو كان الرهن وارداً على حق الانتفاع بمعزل عن رقبة العقار.

أ ـ هلاك المرهون:

فإذا انقضى الرهن بهلاك المرهون، وتمخض الهلاك عن مقابل نقدي، كما لو كان العقار الهالك مؤمناً عليه لدى شركة التأمين؛ انتقل الرهن إلى هذا البدل النقدي وفقاً لقاعدة الحلول العيني. ويعدّ في حكم زوال محل الرهن استملاك العقار المرهون للمنفعة العامة، فهنا ينقضي المحل بخروجه عن ملك الراهن إلى ملك الدولة، حيث يتعذر التنفيذ عليه بين يدي الدولة، فيعدّ ذلك في حكم الهلاك.

وبالنسبة إلى رهن المنقول فإن الأسباب التي ينقضي بها الرهن بطريقة أصلية هي: خروج المال المرهون من حيازة المرتهن بإرادته بما يشكل قرينة على نزوله عن الرهن.

ب ـ النزول عن الرهن:

إن المادة (1033) نصت على أن الدائن يفقد امتيازه إذا خرج المرهون من يده. وفقدان الامتياز يعني صيرورته دائناً عادياً. وهذا الشكل هو من قبيل التنازل الضمني عن الرهن لحين ثبوت العكس، أي إن على من يدعي نزول المرتهن عن الرهن إثبات ادعائه. وقد يكون التنازل صريحاً، ولكن لم يرد نص في ذلك بشأن رهن المنقول، بل ورد بشأن رهن العقار، غير أنه لا مانع من تطبيق الحكم الوارد بشأن العقار على المنقول على اعتبار أن عقد الرهن ـ سواء أكان واقعاً على منقولٍ أم على عقارٍـ فهو من العقود غير اللازمة لجهة المرتهن. على أن نزول المرتهن عن الرهن لا يزيل الرهن إذا تعلق به لأحد من الغير حق، عندها لابد من موافقة هذا الغير لنفاذ النزول في حقه، كما لو رهن المرتهن الدين المضمون بالرهن إلى آخر، ثم نزل عن الرهن؛ فإن هذا النزول لا يسري في حق هذا الآخر إلا إذا أقره.

ج ـ بيع المرهون عن طريق القضاء:

الأصل ألا يتم بيع المرهون إلا بطريق المزاد العلني، على أن المشرع خرج عن هذا الأصل بالنسبة إلى المنقول كما في حالة تعيب المرهون، وهذا الحق ممنوح على السواء لكل من الراهن بموجب المادة (1040) مدني وللمرتهن بموجب المادة (1039). إن البيع بغير الطريق الأصلي هو ممتنع ولو برضاء الراهن، فلو اتفق الراهن والمرتهن على أن يتملك هذا الأخير المرهون إذا لم يوف الراهن بالدين عند حلول الأجل؛ لوقع ذلك الاتفاق باطلاً. وبالنسبة إلى العقار فقد نصت المادة (1061 ) مدني سوري على أنه: «لا يجوز الاتفاق على أن يبقى العقار المرهون ـ في حالة عدم وفاء الدين ـ ملكاً للدائن». وقد أكدت محكمة النقض السورية أن هذا الاتفاق مخالف للنظام العام (هيئة عامة رقم 152 تاريخ 11/5/1954، التقنين المدني، الجزء التاسع، قاعدة رقم 3222). وكذلك يعدّ باطلاً شرط بيع المرهون بغير الطريق القانونية، وهو ما يعرف بشرط الطريق الممهد، مع مراعاة الأحكام الخاصة برهن المنقول. (المواد 1039 ، 1040 ، 141 من القانون المدني السوري) وهي حالات تعيب المرهون أو نقصان قيمته أو سنوح فرصة مؤاتية بشرط الحصول على إذن القاضي.

وإذا حل أجل الدين، وامتنع الراهن عن الوفاء، ولم يطلب المرتهن من القاضي تمليكه المرهون مقابل دينه؛ فليس أمام المرتهن إلا أن يلاحق الراهن ببيع المرهون المنقول بطريقة نزع الملكية الجبري. وقد نصت الفقرة الأولى من المادة (1108) من القانون المدني السوري على أنه يحق لكل دائن مرتهن أو صاحب تأمين ـ مهما كانت درجته ـ أن يلاحق في حال عدم الوفاء عند استحقاق المبالغ المضمونة بيع العقار أو الحق الجاري عليه التأمين بطريقة نزع الملكية الجبري. كما نصت الفقرة الثانية على أنه تقوم دائرة التنفيذ بنزع الملكية الجبري وفاقاً لقانون أصول المحاكمات المدنية. وفي هذا الصدد يجب مراعاة أحكام المواد (340) وما بعدها من قانون أصول المحاكمات المدنية والمتعلقة ببيع الأشياء المحجوزة، وأحكام المادة (1045) مدني المتعلقة بسلطة القاضي على قصر البيع على الحد الذي يؤمن وفاء الدين.

2ـ انقضاء رهن المنقول بطريقة تبعية:

إن من أهم خصائص رهن المنقول أنه حق تبعي، يتبع في نشوئه وانقضائه الالتزام المضمون، فيرتبط به ارتباط الفرع بالأصل، ويخضع بالتالي للمبدأ الفقهي القاضي بأن الفرع يتبع الأصل. فعندما ينقضي الحق المضمون يتبعه الرهن في الانقضاء؛ لأنه في هذه الحالة يبقى الرهن بلا سبب. وعلى ذلك فجميع أسباب انقضاء الالتزام المضمون تؤدي إلى انقضاء الرهن تبعاً له.

أ ـ انقضاء الرهن تبعاً للوفاء بالالتزام:

إن الوفاء بالالتزام إما أن يكون وفاء بسيطاً صادراً من المدين الراهن؛ وإما أن يكون وفاء مع الحلول صادراً عن غير الراهن.

(1)ـ الوفاء البسيط:

وهو أن يقوم المدين الراهن بالوفاء التام بالالتزام على نحو إرادي، فيلتزم عندها المرتهن برد المال المرهون إلى الراهن، وتنتهي بذلك قصة الرهن. وإذا كان الراهن غير المدين الأصلي كالكفيل العيني، وأدى المدين الأصلي الالتزام كاملاً؛ نشأ على عاتق الدائن المرتهن التزام برد المرهون إلى الكفيل العيني باعتباره هو الراهن.

(2)ـ الوفاء مع الحلول:

 إذا كان الرهن ينقضي في حالة الوفاء البسيط، فإن الحال ليست كذلك في الوفاء مع الحلول؛ لأن من شأن الحلول أن يبقي المال مثقلاً بالحق العيني الناجم عن الرهن، ولكن في هذه الحالة ليس لمصلحة الدائن المرتهن، بل لمصلحة الموفي الحالّ الذي حل محل المرتهن والذي أصبح بهذا الحلول يملك في مواجهة الراهن كل الدعاوى التي كان يملكها الدائن المرتهن والمتعلقة بالدين المضمون قبل حلول أجله.

ب ـ انقضاء الرهن تبعاً لانقضاء الالتزام بما يعادل الوفاء:

ينقضي رهن المنقول تبعاً لانقضاء الدين المضمون بما يعادل الوفاء ـ بحسب القانون المدني السوري ـ في الحالات الآتية: الوفاء بمقابل، التجديد والإنابة، المقاصة، اتحاد الذمة.

ج ـ انقضاء الرهن تبعاً لانقضاء الالتزام من غير وفاء: 

 قد ينقضي الالتزام المضمون من دون وفاء ولا معادل الوفاء، فينقضي تبعاً لذلك الرهن لزوال سبب بقائه. والحالات التي ينقضي فيها الالتزام المضمون من دون وفاء ولا معادل الوفاء هي: الإبراء واستحالة التنفيذ وبطلان الالتزام المضمون والتقادم المسقط. في حالة التقادم المسقط في الرهن الحيازي عموماً يثور موضوع القرينة القانونية بالإقرار الضمني القاطع للتقادم التي أنشأتها المادة (381) من القانون المدني السوري لمصلحة الدائن، والتي من شأنها أن تجعل من المبدأ العام غير قابل للتطبيق على الرهن الحيازي بحيث يمكن القول إن الالتزام المضمون برهن حيازي لا يسقط بالتقادم، فقد نصت على أنه:

« ينقطع التقادم إذا أقر المدين بحق الدائن إقراراً صريحاً أو ضمنياً.

ويعتبر إقراراً ضمنياً أن يترك المدين تحت يد الدائن مالاً مرهوناً رهناً حيازياً تأميناً لوفاء الدين».

ونظراً لوضوح النص فقد جاءت الاجتهادات القضائية في هذا السياق ذاته، وتوالت حتى أصبح الاجتهاد مستقراً على أن ترك المدين تحت يد الدائن مالاً مرهوناً رهناً حيازياً يعدّ إقراراً ضمنياً بثبوت الدين قاطعاً للتقادم (نقض مدني سوري رقم 863  تاريخ 7 /5/1966. ونقض سوري رقم 332 تاريخ 51/3/1980). وعلى ذلك فإن التقادم المسقط ليس سبباً لانقضاء الرهن الحيازي.

رابعاً ـ الأحكام الخاصة برهن المنقول المعنوي:

 بالنسبة إلى رهن حق الدين، فإنه من حيث المبدأ لايعدّ تأميناً خاصاً مختلفاً عن رهن المنقول، فقد ورد ذكره ضمن الأحكام القانونية العامة لرهن المنقول. لكن عندما يكون وعاء الرهن حق الدين فإن علاقة ثلاثية الأطراف تنشأ بين الراهن والمرتهن ومدين الراهن. وهذا الرهن ـ على الرغم من قيامه على حق معنوي ـ فإنه يخول المرتهن حقاً في مواجهة الغير، وهو مدين الراهن؛ أي مدين مدينه. وقد أخضع المشرع السوري رهن حق الدين في إنشائه وإنتاج آثاره وانقضائه للقواعد العامة لرهن المنقول المادي. غير أنه وبالنظر إلى أن الدين هو حق، وليس شيئاً مادياً، بمعنى أنه مال معنوي، فقد أفرد له المشرع إضافة إلى الأحكام العامة أحكاماً خاصة تأخذ بالحسبان الطبيعة الحقوقية لهذا الحق المالي سواء في إنشائه أم في ترتيب آثاره أم في انقضائه. فنص في المادة (1054) من القانون المدني على أنه تطبق أحكام الفصل الأول (المتعلقة برهن المنقول المادي) على جميع الأحوال التي لم ينص عليها في هذا الفصل.

1ـ الأحكام الخاصة المتعلقة بإنشاء الرهن على حق الدين:

يجوز قانوناً أن يكون الدين محلاً للرهن الذي ينشأ عليه عن طريق تسليم السند المثبت لهذا الدين؛ على أن يكون ذلك مصحوباً بتبليغ إلى مدين الراهن يتم بواسطته إعلامه بنشوء الرهن على هذا الدين.

وقد نصت المادة (1046) من القانون المدني السوري على أن: «من رهن ديناً له يلزمه أن يسلم إلى المرتهن السند المثبت لهذا الدين». فعلى سبيل المثال فقد نصت الفقرة الثامنة من المادة (66) من قانون الشركات السوري رقم (3) الصادر عام 2008 بشأن الشركات محدودة المسؤولية أنه يجوز رهن الحصص فيها. كما نصت المادة (69) من قانون التجارة السوري رقم (33) لعام 2007 أنه يمكن تخصيص المتجر لوفاء دين بإنشاء حق تأمين عليه. كما نصت المادة (118) من القانون نفسه على أن جميع القيم المنقولة يمكن تخصيصها لوفاء دين. وبالعودة إلى المادة (407) من قانون التجارة السوري رقم (33) لعام 2007 يتبين أن المقصود بالقيم المنقولة هو الأسهم وأسناد القرض وأسناد الدخل وغير ذلك من السندات القابلة للتداول التي تصدر بالجملة، وتخول الحق بقيم متساوية من المال، ويمكن تسعيرها في إحدى الأسواق المالية.

فكل تلك الحقوق يجوز إذاً رهنها شريطة أن تكون مثبتة بسند يجري تسليمه إلى المرتهن وألا يكون هذا الدين غير قابل للتفرغ عنه أو غير قابل للحجز. وبما أن السند المثبت للحق يمثل التجسيد المادي للحق المعنوي المرهون فإن هذا السند يجب أن يبقى في حوزة المرتهن لحين الوفاء، فحيازة هذا السند هي التي تمنح المرتهن القدرة على ممارسة حق الحبس.

ولا شيء يمنع من إنشاء أكثر من رهن على السند ذاته، وفي هذه الحالة يحوزه طرف ثالث أو أحد المرتهنين نيابة عنهم، ولكن تترتب الأولية بينهم في اقتضاء الدين بحسب تاريخ نشوء رهن كل منهم..

أما بشأن كيفية التسليم، فقد نصت المادة (408) من قانون التجارة الجديد لعام 2007 على أن السند لحامله ينتقل بمجرد التسليم (أي التسليم المادي للورقة المثبتة للحق). أما بشأن السند الاسمي فقد نصت المادة (409) من القانون نفسه على أن الحق الذي يمثله السند الاسمي يثبت بالتسجيل في سجلات المؤسسة التي أصدرته، وبموجب المادة (410) يتم التفرغ عنه بتصريح يفيد الانتقال يدون في السجلات، ويوقع عليها المتفرغ أو وكيله. ويتم رهنه بموجب الفقرة الثانية من المادة (119) من قانون التجارة الجديد بمعاملة انتقال على سبيل التأمين تسجل في سجلات المحل الذي أصدر السند وعلى السند نفسه.

وفيما يتعلق بأسناد القيم المنقولة المنشأة لأمر فإنها تنتقل بموجب المادة (412) من قانون التجارة بطريقة التظهير، وبينت الفقرة الثالثة من المادة (119) من القانون نفسه كيفية التظهير، فنصت على أن السند المحرر بصيغة الأمر يتم رهنه بتظهيره على سبيل التأمين كأن يذكر فيه عبارة (القيمة ضمان أو القيمة تأميناً أو أي عبارة تؤدي ذلك المعنى). أما غير ذلك من الديون التجارية المترتبة لشخص معيّن؛ فيتم رهنها بتبليغ ذلك إلى المدين أو بقبوله به بسند ثابت التاريخ ما لم ينص القانون على خلاف ذلك (المادة 119/4 من قانون التجارة). وإضافة إلى ذلك أوجبت الفقرة الأولى من المادة (1047) من القانون المدني السوري تبليغ نشوء الرهن إلى المدين أو رضائه به في سند ثابت التاريخ تحت طائلة عدم نفاذ الرهن في مواجهة مدين الراهن؛ أي إنه لن يكون بمقدور المرتهن المطالبة بالامتياز على الدين المرهون.

2ـ الأحكام الخاصة المتعلقة بالآثار الناشئة من رهن الدين: 

نصت المادة (1048) مدني سوري على أن من ارتهن ديناً يلزمه أن يستوفي الفوائد وسائر التكاليف المؤقتة التي تختص بهذا الدين، وتستحق في أثناء مدة الرهن على أن تخصم أولاً من النفقات ثم من الفوائد ثم من رأس المال، ويجب عليه صيانة الدين المقدم تأميناً. فعليه مثلاً أن يقطع التقادم كما عليه في حالة حلول أجل الدين المرهون قبل استحقاق الدين المضمون أن يستوفيه وأن يجري المقاصة بين الدينين، وعليه المطالبة بفوائد الدين المرهون حتى لا تسقط بالتقادم واستيفائها وأن يستعمل الأسناد المالية لحساب الراهن وأن يقبض الأرباح السنوية ثم يخصمها من النفقات التي دفعها في سبيل صيانة الدين المرهون، فإن بقي شيء خصمها من فوائد دينه ثم من رأس المال. كما نصت الفقرة الأولى من المادة (126) من قانون التجارة السوري لعام 2007 على أنه يجب على الدائن المرتهن أن يستعمل لحساب المدين جميع الحقوق الملازمة للأسناد المسلمة إليه على سبيل الرهن.

إن شكلية التبليغ هنا ضرورية ليس فقط من أجل نشوء الرهن صحيحاً، بل أيضاً من أجل سريان آثار الرهن على الغير، وهو هنا مدين الراهن. ونظراً لأهمية هذا التبليغ؛ أكدت محكمة النقض الفرنسية أن عقد رهن الدين لا يكون تاماً إلا بتسليم السند إلى الدائن وبتبليغ مدين الراهن بنشوء الرهن، وأن هذا التبليغ لا يمكن أن يكون بديلاً من تسليم السند.

3ـ الأحكام الخاصة المتعلقة بانقضاء رهن الدين:

 نصت المادة (1050) من القانون المدني السوري على أن للدائن عند عدم الإيفاء أن يطلب تمليكه الدين المقدم تأميناً وغير المستوفى وفاقاً للشروط المنصوص عليها في المادة (1043) مدني، أي عند عدم الحصول على ترخيص من القاضي ببيع المرهون بسعر السوق أو البورصة. وعلى ذلك فطرائق الانقضاء الأصلية والتبعية لرهن المنقول المادي يمكن تصورها هنا. غير أنه يجب ملاحظة أن الدين المرهون إذا كان أسهماً وسندات؛ فالطريقة السابقة بالتمليك واجبة الاتباع. أما إذا كان الدين المرهون مبلغاً من النقود؛ فإن إجراء الخبرة ليس له أي مقتضى قانوني أو حسابي إذ التقدير أصلاً يكون بمبلغ من النقود، والحال هنا أن الدين نفسه عبارة عن مبلغ من النقود.

وعلى ذلك نصت المادة (1051) مدني على أنه: «إذا كان محل الدين المرهون شيئاً غير النقود؛ فللدائن المرتهن بعد قبضه أن يطلب استبقاءه لنفسه أو بيعه وفاقا لأحكام المادة (1043) أو بناء على خبرة».

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ سرميني وترمانيني، القانون المدني، الحقوق العينية، الجزء الثاني(بلا تاريخ).

ـ فارس كرباج، التأمينات العينية (الطبعة الأولى، 1995).

ـ مأمون الكزبري، القانون المدني، الحقوق العينية، الجزء الأول (بلا تاريخ).

ـ وحيد الدين سوار، الحقوق العينية التبعية (جامعة دمشق).

- C. KRIEF-VERBEAR, Recherche sur la possession en droit des sûretés réelles. Thèse, (Paris 1994).

- MAZEAUD.H.L et J, Leçons de droit civil.T.III, sûretés et publicité foncière, (1988).

- MESTRE, PUTMAN et BILLIAU, droit des sûretés .(P.U.F.2001).

- P. RONSSERAY, Gage sans dépossession et droit de rétention. (G. P. 1995).

- P. SALVAGE- GEREST, Les sûretés et la publicité foncière. (P.U.F., 1994).




التصنيف : القانون الخاص
النوع : القانون الخاص
المجلد الرابع: الرضاع ــ الضمان المصرفي
رقم الصفحة ضمن المجلد : 61
مستقل

البحوث الأكثر قراءة

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 3
الكل : 794521
اليوم : 140

جريمة العدوان

 جريمة العدوان جريمة العدوان إبراهيم دراجي تحديد مفهوم العدوان وإشكالية تعريفه حالات العدوان وأمثلته العملية أركان جريمة العدوان أحكام المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة وتمييز الدفاع الشرعي من العدوان صلاحيات مجلس الأمن الدولي في تحديد وقوع العدوان والآثار الناجمة عن وقوعه تُعد جريمة العدوان aggression من أخطر الجرائم الدولية وأكثرها فداحةً على الإطلاق؛ فهي الجريمة الدولية الكبرى التي تُرتكب في أثنائها وخلالها وبمناسبتها العديد من الجرائم الدولية الكبرى، كجرائم الحرب والإبادة والجرائم ضد الإنسانية. وهي الجريمة التي تسببت بخسائر بشرية في الحرب...

المزيد »