logo

logo

القانون العام | تداول السلطة

تداول سلطه

alternation of power - alternance politique

 تداول السلطة

تداول السلطة

حسن البحري

مفهوم تَدَاول السلطة أشكال تَدَاول السلطة
علاقة تداول السلطة بالنظم الدستورية وسائل تَدَاول السلطة
شروط تَدَاول السلطة آثار تَدَاول السلطة
 

أولاً ـ مفهوم تَدَاول السلطة:

1ـ المعنى اللغوي: ورد في معاجم اللغة العربية أن «التَدَاول» هو اسمٌ فعله تَدَاولَ، وهذا الفعل مزيد، أصلُه (دَالَ)، فيقال: (دَالَ) الدَّهرُ دَوْلا، ودَوْلَةً: أي انتقل من حالٍ إلى حالٍ، ويقال أيضاً (تَدَاوَلَتِ) الأيدي الشيءَ: أخذته هذه مرة، وهذه مرة. وبناء عليه، فإن المعنى اللغوي لمصطلح «تداول السلطة» هو انتقالها من شخص أو من فريق لآخر.

2ـ المعنى الاصطلاحي: يقصد بتداول السلطة في معناه الاصطلاحي «انتقال السلطة من شخص لآخر، أو من جماعة سياسية لأخرى وفقاً للطرق المحددة في الدستور».

ثانياً ـ علاقة تداول السلطة بالنظم الدستورية:

1ـ في الأنظمة الديكتاتورية: تبدو عملية تداول السلطة صعبة ـ إن لم تكن مستحيلة ـ في ظل هذه الأنظمة، إذ لا تقبل السلطة الحاكمة فيها التخلي عنها مطلقاً لأسباب ومبررات عدة، كما لا تقبل أي رفضٍ لسياستها، وحتى أي اعتراضٍ عليها، وهذا ما يُلحظ في أنظمة المَلَكية المطلقة، وفي الديكتاتوريات العسكرية، وفي الأنظمة القائمة في بعض دول العالم الثالث.

2ـ في الأنظمة الديمقراطية الليبرالية: تبدو عملية تداول السلطة سهلة التحقيق في ظل هذه الأنظمة. وذلك لأنها تقوم على ثنائية السلطة/المعارضة، وهذا الأمر منطقي لأنه ينجم عن قيام هذه الأنظمة على ركائز أساسية أهمها الثقة بالفرد، وخاصة حرية الرأي، والإيمان بفضيلة الحوار والمجتمع التعددي.

ولا شك في أن القبول بثنائية السلطة/المعارضة يقتضي حتماً القبول بمبدأ تداول السلطة فيما بينهما. ولا يشترط في ذلك، أن يتم هذا التداول فعلياً خلال فترات محددة، وإنما يكفي أن تكون هناك فرصة جدية لمن في المعارضة أو للأقلية أن يصبح في السلطة، أو يشكِّل الأكثرية.

غير أنه في الواقع توجد عقبات كبيرة تحول أحياناً دون تحقيق عملية التداول، وهذا يعود إلى طبيعة توزيع القوى السياسية المتنافسة. ولعل النظام الذي حقق التداول، إلى حد كبير، هو النظام البريطاني، بسبب حصر التنافس على السلطة، عملياً، في حزبين كبيرين، هما حزب المحافظين وحزب العمال. لذلك يشكِّل الحزبان، الحاكم والمعارض، قوتين منظَّمتين ومتماسكتين؛ وهذا ما يسهّل عملية تداول السلطة. أما في فرنسا، فيبدو أن التداول لا يتم بسهولة، فاستمرار الديغوليين في الحكم من سنة 1958 إلى سنة 1981 بلا انقطاع، يؤكد هذه الحقيقة. ولعل من أسباب ذلك انقسام المعارضة في هذه الحقبة، بصورة رئيسية بين حزبين يقومان على مرتكزات إيديولوجية مختلفة، هما الحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي. فتحقيق التداول في فرنسا، كان يفترض وضع حد لتشرذم المعارضة وتقهقر وتراجع دورها، من أجل أن تتمكن من الوصول إلى السلطة. وهذا ما حدث فعلاً عام 1981.

باختصار يمكن القول: إن تحقيق التداول عملياً لا يتوقف فقط على المؤسسات الدستورية، التي يتم من ضمنها نقل السلطة من فريق سياسي إلى فريق آخر؛ إنما على توزيع القوى السياسية في الدولة، ومقدار تماسكها. وهذا مرتبط، إلى حد كبير، بالبنية الاجتماعية والاقتصادية، كون القوى السياسية منبثقة من الواقع الاجتماعي ـ الاقتصادي. وهذه القوى تنشأ وتنمو في ظل الديمقراطية الليبرالية.

ثالثاً ـ شروط تَدَاول السلطة:

إن عملية تداول السلطة لا يمكن أن تتم على النحو المطلوب ما لم تتوافر مجموعة من الشروط أهمها ما يلي:

1ـ التعددية السياسية والحزبية: وهذه تعد من المبادئ الأساسية للديمقراطية؛ فالديمقراطية تؤمن بمجتمع يسوده الاختلاف في الآراء والمصالح، ويترجم هذا الاختلاف في برامج وسياسات عامة تتبناها الأحزاب السياسية، وتخوض على أساسها الانتخابات.

وإذا كانت التعددية السياسية من مبادئ الديمقراطية، فإن التداول السلمي للسلطة من خلال الانتخابات الدورية هو الوسيلة التي يستطيع من خلالها جمهور الناخبين التدخل دورياً، وبانتظام، لتحديد ممثليه في السلطة من خلال المفاضلة بين البرامج السياسية المعروضة عليه.

والتعددية السياسية توجب الالتزام بعدم استخدام العنف أو الدعوة إليه أو التهديد به في العمل السياسي، كما توجب عدم القيام بأية محاولة للوصول إلى السلطة بغير الوسائل الديمقراطية، سواء عن طريق العنف الفردي أو الجماعي أو الانقلابات العسكرية بهدف اغتصاب السلطة وانتهاك الشرعية الدستورية. ولضمان ذلك يجب التعهد بممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب، من خلال علنية نشاطها وعقد مؤتمراتها الدورية وانتخاب هيئاتها القيادية، وذلك إيماناً منها بأن من لا يمارس الديمقراطية في نشاطه الداخلي لا يمكن أن يمارسها في علاقاته بغيره في المجتمع.

وتقوم الأحزاب السياسية بوظائف مهمة في النظام السياسي من حيث تجميع المصالح والتوفيق بينها وصوغها في برامج انتخابية، إضافة إلى كونها المؤسسة الرئيسية التي تكسب الأشخاص المنتمين إليها الخبرات السياسية، وتصقل مواهبهم القيادية وتهيئهم لتولي المناصب القيادية. ووجود الأحزاب السياسية في النظام السياسي وقوتها مؤشر مهم على تطور المجتمع وتقدمه وتميزه من المجتمع التقليدي القائم على العلاقات العائلية والعشائرية.

وإذا كان من أهم شروط التداول السلمي للسلطة وجود تعدد حزبي حقيقي، ومنافسة فعلية بين الأحزاب المختلفة، وانتقال السلطة من ائتلاف أو تحالف إلى آخر، من دون منغصات أو معوقات، فإن الانتقال السلمي للسلطة وتداولها ديمقراطياً لا يمكن أن يتم في ظل حزب واحد مسيطر يحتكر العملية السياسية أو في ظل اختلال العملية الانتخابية وفساد إدارتها وتشويه إرادة هيئة الناخبين أو تزييفها.

2ـ الانتخابات الدورية الحرة النزيهة: فمن المعروف أن الانتخاب هو الوسيلة الديمقراطية الوحيدة لإسناد السلطة إلى الحكّام، ويعدّ ركيزةً ودعامةً أساسيةً لكلّ حكمٍ ديمقراطي سليم، كونه المرجعية الأساسية في تحديد شرعيّة السلطة داخل المجتمع مثلما يشكِّل الأساس في تجسيد مفهوم السيادة الشعبية، أي حق الشعب ـ الذي تنعقد له وحده السيادة باعتباره مصدر السلطات ـ في حكم نفسه بنفسه عن طريق مَن يختارهم لممارسة شؤون السلطة السياسية. وهكذا، فإن الديمقراطية والانتخابات صنوان متلازمان فلا تستقيم الديمقراطية من دون انتخابات حرة ونزيهة، فالأولى أسلوب للحكم والثانية وسيلة لتحقيق تلك الغاية.

3 ـ وجود معارضة قوية منظَّمة: تمارس المعارضة في النظم الديمقراطية الليبرالية وظائف مهمة، لا غنى عنها من أجل الحفاظ على التوازن الداخلي لهذه النظم، والحيلولة دون تحوّل الحكم عن المبادئ الديمقراطية، والجنوح نحو الاستبداد.

ولكي يصبح بالإمكان تحقيق تداول السلطة، يجب أن تطمح المعارضة للوصول إلى السلطة، لا من أجل التنعّم بخيرات الحكم، وإنما من أجل تنفيذ سياسة تتناول مختلف وظائف الدولة. لهذا يجب أن تكون المعارضة، في نظر الناخبين، حكومة المستقبل، فيتوجب عليها أن لا تكتفي بتوجيه الانتقادات للسلطة الحاكمة، إنما أن تصوغ هذه الانتقادات، من خلال رؤية واضحة، في برنامج سياسي متماسك، تخوض على أساسه معركة إسقاط هذه السلطة.

وبتعبير آخر يجب على المعارضة أن تقدّم للمواطنين برنامجاً سياسياً للتغيير، يكون بديلاً من سياسة الحكومة. وعلى هذا البرنامج أن يكون قابلاً للتحقيق، في حال وصول المعارضة إلى السلطة. لذلك يتوجب على المعارضة تجنّب خطرين: الأول، هو المغالاة في المثالية، التي تقود المعارضة إلى إغداق الوعود على المواطنين. وعود لا يمكن تحقيقها عملياً، إذا حازت على ثقة القسم الأكبر من الناخبين. ويزداد خطر اتساع الهوة بين البرامج السياسية وإمكانية تحقيقها عندما تكون المعارضة بعيدة عن الحكم لوقت طويل. فوجود القوى السياسية خارج السلطة فترة طويلة يؤدي بها إلى عدم الاحتكاك بالواقع. وفي بعض الأنظمة الديمقراطية، تلجأ أحزاب المعارضة إلى تدارك هذه المشكلة، بالاعتماد على موظفي الدولة الكبار، المنتمين إليها، والذين يزودونها بالمعلومات والأفكار الواقعية عن الإدارة والمؤسسات الحكومية.

أما الخطر الثاني، الذي يواجه المعارضة، فهو احتمال تقديم برنامج سياسي للناخبين شبيه، إلى حد كبير، ببرنامج الحكومة، فلا يعود الناخب متحمّساً لتغيير الفريق الحاكم؛ لأنه لا يرى فارقاً بين الفريقين المتنافسين.

ولا يتم في النظم الديمقراطية الغربية الاعتراف بالمعارضة، وترسيخها في الواقع السياسي فقط؛ إنما تتأسس في بعض الحالات، بحيث تتحول إلى مؤسسة حقيقية كسائر المؤسسات في الدولة.

ولكن الدول التي توصلت إلى إعطاء هذا المفهوم للمعارضة، نادرة جداً؛ وتأتي في طليعتها بريطانيا، حيث تتمتع المعارضة فيها بوضع قانوني رسمي، فإلى جانب «الحكومة» (التي تسمى حكومة صاحبة الجلالة Her Majesty’s Government) توجد حكومة المعارضة (التي تسمى «المعارضة الرسمية لحكومة صاحبة الجلالة» Her Majesty’s Official Opposition)، ويطلق على الحكومة التي تشكلها المعارضة اسم «حكومة الظل» Shadow Cabinet، وتتألف هذه الأخيرة من وزراء ينتمون إلى الحزب الذي لم يحصل على الأكثرية في الانتخابات العامة، وهذه الحكومة لها وجود فعلي، وهي جاهزة للحلول محل الحكومة القائمة. وهذه الأخيرة تقوم بالاطلاع على رأيها في القضايا المهمة جداً. وقد أصبح، منذ عام 1937، رئيس حكومة الظل الذي هو رئيس الحزب المعارض، يتقاضى من الدولة مُرتَّباً مقابل ترؤسه هذه الحكومة، مما يدل على المهمة الرسمية التي يضطلع بها. كما أن للمعارضة دوراً رسمياً داخل البرلمان، فلا يوضع جدول أعمال الجلسات إلا بعد استشارتها. وقد حذت كندا وأستراليا حذو بريطانيا، في إعطاء المعارضة الصفة المؤسَّسيَّة.

رابعاً ـ أشكال تَدَاول السلطة:

يقسم تداول السلطة عادة بالنظر إلى حجم سيطرة النخبة السياسية الصاعدة إلى الحكم على السلطتين التنفيذية والتشريعية والذي يتعلق عادة بتوقيت ونتائج الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.

وبناء عليه، يمكن القول إن التداول على السلطة يتخذ في التطبيق العملي الصور والأشكال الثلاثة الآتية:

1ـ التداول المطلق L’alternance absolue (ومثاله المملكة المتحدة):

وهو التداول الذي تنتقل على أثره السلطة بكاملها إلى المعارضة. ويتأتى هذا النوع من التداول عادةً في النظام البرلماني إثر فوز حزب أو تكتل حزبي متجانس من المعارضة بالأغلبية المطلقة من الأصوات في الانتخابات العامة مما يؤهله لتشكيل الحكومة بمفرده.

كما يمكن أيضاً أن يحصل تداول مطلق على السلطة في النظامين الرئاسي ونصف (أو شبه) الرئاسي إذا ما كان عقد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في فترة زمنية واحدة مما يتيح للرئيس والأغلبية البرلمانية أن يكونا من تكتل أو حزب واحد قادر على أن يشكِّل الحكومة بمفرده.

ويتواجد التداول المطلق على وجه الخصوص في المملكة المتحدة، التي يسود فيها نظام الحزبين Bipartisme الذي يعدّ أهم ما يميّز النظام السياسي البريطاني، إذ فيه حزبان سياسيان رئيسيان يتقاسمان معظم مقاعد مجلس البرلمان الأدنى (مجلس العموم)، ويتناوبان على السلطة لحصول أحدهما على الأغلبية المطلقة للمقاعد فيه، على الرغم من وجود أحزاب أخرى تحصل على بعض المقاعد القليلة في البرلمان.

وجدير بالذكر أن انقسام البرلمان البريطاني بين تيارين رئيسين يعود في الواقع إلى ما بعد ثورة 1688؛ فقد كان هناك حزبان قويان: حزب التوري Tories (الذي أصبح اسمه في القرن التاسع عشر حزب المحافظين le parti conservateur) المؤيد لسلطات التاج، وحزب الهويج Whigs (الذي سمي فيما بعد بحزب الأحرار le parti libéral) المؤيد لسلطات البرلمان. هذا الانقسام في الحقيقة كان يرجع إلى أسباب دينية، ولا يستتبع بالضرورة اختلافاً في النظرة إلى القضايا الاقتصادية والاجتماعية. ولكن مع بداية القرن العشرين وظهور حزب العمال le parti travailliste الذي نشأ بمبادرة من النقابات العمالية، أخذ هذا الانقسام يستند إلى اختلاف في النظرة إلى القضايا الاقتصادية والاجتماعية. فبعد النجاح السريع والكبير الذي حققه هذا الحزب عاشت بريطانيا في ظل نظام من الثلاثية الحزبية: المحافظين، الأحرار، والعمال.

وبعد فترة قصيرة من عدم الاستقرار الحكومي (بين عامي 1922و1935، إذ عرفت بريطانيا تسع حكومات)، عادت الثنائية الحزبية بعد خروج حزب الأحرار من حلبة المنافسة على السلطة، وبقي حزبان رئيسيان يتداولان السلطة فيما بينهما حتى الوقت الحاضر هما: حزب المحافظين وحزب العمال.

2ـ التداول النسبي L’alternance relative (ومثاله الولايات المتحدة الأمريكية):

وهو التداول الذي ينتقل فيه قسم من السلطة فقط إلى صف المعارضة. ويوجد هذا النوع من التداول في النظامين: الرئاسي (كالولايات المتحدة الأمريكية) ونصف أو شبه الرئاسي (كفرنسا في ظل الجمهورية الخامسة)، إذ يتم انتخاب رئيس الدولة والبرلمان في وقتين متباعدين. وعلى نقيض التداول المطلق الذي تنتمي بموجبه السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية إلى كتلة واحدة أو حزب سياسي واحد يحصل على الأغلبية المطلقة من الأصوات، فإن التداول النسبي يتيح سيطرة طرف من المعارضة على قسم من السلطة فقط، والحزب الحاكم على القسم الآخر، أي بعبارة أخرى تنتمي أغلبية البرلمان إلى حزب أو كتلة سياسية في الوقت الذي ينتمي فيه الرئيس إلى حزب أو كتلة سياسية أخرى. ويوجد هذا النوع من التداول بشكل خاص في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ لا ينتمي الرئيس بالضرورة إلى حزب الأغلبية المسيطرة على الكونغرس.

وقد ابتدعت فرنسا عبارة «التعايش» أو «المساكنة» Cohabitation بين رئيس الجمهورية الذي لا يمتلك أكثرية نيابية في مجلس البرلمان الأدنى (أي الجمعية الوطنية) وزعيم الأكثرية النيابية الذي لم يجد الرئيس مفراً من تكليفه تشكيل الحكومة. وقد حدثت هذه المساكنة في ظل دستور الجمهورية الفرنسية الخامسة لسنة 1958 ثلاث مرات في الفترات التالية: (1986ـ1988 ، 1993ـ1995ـ 1997ـ2002).

3ـ التداول عبر وسيط L’alternance médiatisée (ومثاله ألمانيا):

يوجد هذا النوع من التداول بوجه خاص في جمهورية ألمانيا الاتحادية، إذ بحكم عدم حصول أي من الأحزاب السياسية المتنافسة على الأغلبية المطلقة في المجلس الأدنى للبرلمان الاتحادي «البوندستاغ» Bundestag، يتم التداول عبر ترجيح حزب ثالث «صغير» كفة أحد الحزبين الرئيسيين (الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) والحزب الديمقراطي الاجتماعي (SPD)) من أجل تشكيل الحكومة. وقد أدى «الحزب الديمقراطي الحر» (FDP) لفترات طويلة دور المرجِّح لكفة أحد هذين الحزبين من أجل السيطرة على السلطة.

وكثيراً ما يأخذ الحزب الثالث بالبرلمان في هذا النوع من التداول حجماً أكبر مما هو عليه في حقيقة الأمر، وغالباً ما يفرض على الحزب الذي اختار ترجيحه من أجل تشكيل الحكومة تنازلات سياسية.

وجدير بالذكر، أن الحكومة في هذا النوع من التداول كثيراً ما تكون غير قوية وذلك لظلال الشك التي تعتريها من أن ينفرط عقد التحالف بين الحزبين اللذين يؤلفانها على عكس ما هو موجود عادة في نظام الحزبين، إذ يكون للحزب الفائز في الانتخابات القدرة على تشكيل الحكومة بمفرده من دون الحاجة إلى الاستعانة بأقلية أخرى في البرلمان.

خامساً ـ وسائل تَدَاول السلطة:

يتم تداول السلطة في النظم السياسية المختلفة بإحدى طريقتين:

الأولى: هي طريقة التداول السلمي للسلطة، أي بالوسائل الديمقراطية المنصوص عليها في الدستور، ويأتي في مقدمة هذه الوسائل إجراء انتخابات دورية ومنتظمة تكون حرة ونزيهة؛ فالانتخابات هي البوابة الوحيدة للتداول السلمي للسلطة، والأحزاب والتنظيمات السياسية هي وحدها صاحبة القرار في اختيار مرشحيها إلى حلبة المنافسة الانتخابية.

وهذه الطريقة شائعة في الأنظمة الديمقراطية الغربية (الليبرالية)، حيث يتم فيها التداول على السلطة على نحو سلمي وهادئ بالاحتكام إلى صناديق الاقتراع، إذ تجرى الانتخابات في جو من النزاهة والحيادية والبعد عن الضغوط المختلفة التي تمارسها الإدارة الحكومية للتأثير في اقتراع الناخبين.

والثانية: هي طريقة التداول غير السلمي للسلطة، أي بالوسائل غير الديمقراطية (الأوتوقراطية)، ومن أمثلتها انتقال السلطة للحكام بالوراثة أو بالتعيين أو بالاستخلاف. وهناك وسائل أخرى أكثر شيوعاً في دول العالم الثالث تعتمد على القوة والعنف وهي الثورات والانقلابات العسكرية. ولا شك في أن وصول الحكام إلى السلطة بمثل هذه الوسائل سيشكل تهديداً خطيراً للحقوق والحريات العامة للمواطنين، إذ غالباً ما يلازم الحكم المطلق الاستبدادي الشمولي مثل هذه الوسائل الأوتوقراطية.

وتُعَدُّ سورية من الدول، التي عرفت أعلى معدلات العنف، سبيلاً إلى تغيير السلطة السياسية بالقوة. وسيطر النمط الانقلابي على الحياة السياسية فيها، طوال فترة الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، حتى وصول الرئيس الراحل حافظ الأسد إلى السلطة في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1970.

سادساً ـ آثار تَدَاول السلطة:

إن الآثار المترتبة على عملية تداول السلطة تختلف حسب ما إذا كان التداول قد جرى بطريق سلمي أو بطريق غير سلمي:

1ـ آثار التداول غير السلمي للسلطة: يؤدي إلى انتشار ظاهرة العنف داخل الدولة (كقيام الاضطرابات والاحتجاجات والثورات والانقلابات العسكرية) وتعميق الصراعات الداخلية فيها، ومن ثم زعزعة استقرار الحكومة وتقويض أساس بنيانها، وما يترتب على ذلك من آثار سلبية أهمها عرقلة عملية التنمية الشاملة في المجتمع؛ إذ لا يمكن لجهود التنمية في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية أن تثمر في ظل نظام سياسي متخلف لا يؤمن بفكرة الديمقراطية وما تتطلبه من تعددية حزبية ووجود معارضة منظمة وتقبُّل لفكرة التناوب على السلطة وانتقالها سلماً من فريق سياسي إلى آخر بحسب ما تعبر عنه نتائج الانتخابات الحرة النزيهة.

وقد حذَّر تقرير التنمية البشرية في العالم العربي للعام 2004 من أن الخطر المقبل قد يكون من القهر الداخلي للشعوب والاستحواذ على السلطة لفترات طويلة، ما قد يمهِّد لتداول السلطة عن طريق العنف المسلح في حال استمرار العجز التنموي للدول العربية.

2ـ آثار التداول السلمي للسلطة: يؤدي إلى تراجع شبح العنف داخل الدولة وجفاف ينابيعه، ومن ثم قيام مجتمع متماسك متآلف، الأمر الذي يسهم في تعزيز مفهوم الديمقراطية التي تقوم على أساس إشراك أكبر عدد ممكن من أفراد الشعب في ممارسة السلطة وإدارة شؤونهم العامة، وتحقيق الاستقرار الحكومي وما ينتج منه من دفع عجلة التطور نحو الأمام، وتحقيق التنمية بجميع أشكالها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وذلك بفضل المعارضة الإيجابية البنَّاءة.

وبناء عليه، فإن التداول السلمي يحول دون قيام الثورات والانقلابات العسكرية، ويشهد على ذلك التاريخ، فالدول التي تتبنى التداول السلمي للسلطة لم تقم فيها ثورات أو انقلابات ومن ثم تتمتع باستقرار سياسي، كبريطانيا مثلاً، ذلك أن الإيمان بفكرة التداول والعمل بموجبها يعني إتاحة الفرصة للغير للتعبير عن رأيه في حكم البلاد، ومن ثم تتجنب البلاد الثورات والانقلابات والمساوئ التي تنجم عقب نشوب أي منها.

 

مراجع للاستزادة:

 

ـ حافظ علوان حمادي الدليمي، النظم السياسية في أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية (دار وائل للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، عمَّان 2001).

ـ عصام سليمان، مدخل إلى علم السياسة (دار النضال للطباعة والنشر، الطبعة الثانية، بيروت 1989).

- JEAN-LOUIS QUERMONNE, L’alternance au pouvoir (Montchrestien, Paris, 2003).




التصنيف : القانون العام
النوع : القانون العام
المجلد الثاني: بطاقة الائتمان ــ الجرائم الواقعة على السلطة العامة
رقم الصفحة ضمن المجلد : 160
جزء : السلطة

أصول المحاكمات الإدارية

 أصول المحاكمات الإدارية أصول المحاكمات الإدارية مهند نوح أولاً- تعريف أصول المحاكمات الإدارية و مصادرها: قانون أصول المحاكمات المدنية هو القانون الذي ينظم المحاكم المختلفة وحدود اختصاص كل منها، كما يعنى ببيان الإجراءات واجبة الاتباع من جانب الأفراد و القضاء، وذلك فيما يتعلق بنظر المنازعات التجارية والمدنية ، وبذلك يمكن القول إن قانون أصول المحاكمات المدنية والتجارية يشمل جميع المراحل التي يجب اتباعها في الدعوى. أما قانون أصول المحاكمات الإدارية Les procédures administratives فهو مجموعة القواعد التي تحكم سير الدعوى أمام القضاء الإداري منذ رفعها حتى صدور...

المزيد »