...............صدر المجلد الثالث عشر من الموسوعة الطبية المتخصصة...............صدر المجلد الثالث عشر من الموسوعة الطبية المتخصصة...............صدر المجلد الأول من موسوعة الآثار في سورية...............ترقبو صدور المجلد الأول من موسوعة العلوم والتقانة ...............صدور المجلد الأول من موسوعة الآثار في سورية...............صدور المجلد الثاني عشر من الموسوعة الطبية المتخصصة بعنوان الأمراض العصبية ...............المدير العام لهيئة الموسوعة العربية الأستاذ الدكتور محمود السيد...............صدر المجلد الحادي عشر من الموسوعة الطبية المتخصصة ويتضمن أمراض الرأس ...............صدر المجلد العاشر من الموسوعة الطبية المتخصصة وهو بعنوان: الأمراض النَّفسيّة ...............إلى زوار موقع هيئة الموسوعة العربية الكرام، نلفت عنايتكم إلى أنه لا يوجد حساب لهيئة الموسوعة العربية على أي من مواقع التواصل الاجتماعي...............صدر المجلد السابع والأخير من الموسوعة القانونية المتخصصة ...............دور النشر والمكتبات المعتمدة لتوزيع الموسوعة العربية

المجلد السادس >> العلوم البحتة>> علم الحياة( الحيوان و النبات) >> التبيؤ (الإيكولوجية)

التبيؤ (الإيكولوجية) Ecology Ecologie

التبيُّؤ (الإيكولوجية)

 

التبيُّؤ Ecology هو العلم الذي يدرس علاقات الكائنات الحية بعضها مع بعض، والعلاقات المتبادلة بين الكائنات الحية والوسط الذي تعيش فيه. اشتقت كلمة البيئة من الكلمتين Oikos بمعنى البيت وlogos وتعني العلم أو الدراسة. وقد وضع هذا المصطلح أوّل مرة عالم الحياة الألماني أرنست هيكل Ernst Heinrich Heackel عام 1860.

بدأ الاهتمام بالبيئة في الستينات من القرن العشرين، إذ كان من نتائج التقدم الصناعي، والثورة الزراعية، وزيادة عدد السكان، وما يترتب على ذلك من زيادة في وتيرة استغلال الإنسان للموارد الطبيعية المتجددة وغير المتجددة، أن ظهر العديد من التغيرات التي تنذر بأخطار كبيرة، والتي أحالت أجزاء كبيرة من الأرض، إلى بيئة ملوثة وغير صالحة لحياة الكائنات الحية والإنسان نفسه. وترتب على الإخفاقات في إدارة البيئة زيادة وتيرة التصحر، وقطع الغابات وتدهور التربة وتملُّحها، وتهديد التنوع الحيوي Biodiversity، وتآكل طبقة الأوزون الستراتوسفيري Stratospheric Ozone وارتفاع درجة حرارة الأرض، وحصول الأمطار الحمضية، وتلوث الهواء والماء والتربة.

 

أقسام التبيُّؤ

توجد عدة مستويات من التنظيم في العالم الحي على سطح الكرة الأرضية، يُطلق عليها اسم الطيف الحيوي Biological Spectrum. ويهتم علم البيئة بالمستويات العليا من الطيف الحيوي وهي الجماعة Population، وهي مجموعة من الأفراد من أي نوع من الكائنات الحية، والمجتمع Community، والنظام البيئي Ecosystem، والمحيط الحيوي  Biosphere. ويقسم علم البيئة إلى قسمين رئيسين هما: علم البيئة الفردية أو الذاتية Au toecology الذي يدرس العلاقات بين النوع وعوامل الوسط المحيط، كدرجة الحرارة والرطوبة والضوء والملوحة وغيرها، وتُتعرَّف هذه العلاقات بدراسات تجريبية مخبرية أو حقلية. ولهذا يرتبط علم البيئة الفردية ارتباطاً وثيقاً بعلم الفيزيولوجية، حتّى يصعب إيجاد حد فاصل واضح بين هذين المعلمين. أما القسم الثاني فهو علم البيئة الجماعية Synecology، وهو يدرس العلاقات المتبادلة بين المجتمعات (أو الوحدات الأعلى كالغابة مثلاً) والوسط المحيط، ولعلم البيئة الجماعي ارتباط وثيق بعلم المناخ والتربة والجيولوجية وغيرها. ويُقسَّم علم البيئة الجماعية إلى فروع مثل علم بيئة الجماعة Population Ecology، وعلم بيئة المجتمعاتCommunity Ecology، وعلم بيئة النظم البيئية Ecosystem Ecology، كما يوجد فروع أخرى في علم البيئة أهمها علم بيئة البحار Marine Ecology، وعلم بيئة المياه العذبة Freshwater Ecology، وعلم البيئة الأرضية Terrestrial Ecology.

النظم البيئية الرئيسية في العالم

يوجد نمطان رئيسيان للنظم البيئية على سطح الكرة الأرضية هما:

ـ النظم البيئية المائية: Aquatic Ecosystems وتشمل النظام البيئي البحري، الذي يختص بدراسة البحار ومصبات الأنهار Estuaries، والنظام البيئي للمياه العذبة الذي يختص بدراسة البحيرات العذبة والأنهار والجداول.

ـ النظم البيئية الأرضية: Terrestrial Ecosystems تختص بدراسة الأنظمة البيئية على اليابسة، وهي أكثر تنوعاً من الأنظمة البيئية المائية، وذلك بسبب تنوع عوامل الوسط وخاصة درجات الحرارة وكمية الهطول. وتُحَدَّدُ الأنظمةُ البيئية الأرضية الرئيسية تبعاً لنمط الغطاء النباتي السائد، ويُطلق عليها أسماء متعددة منها المجموع الحيوي Biome أو منطقة الحياة الرئيسية Major Life Zone. والمنطقة الحيوية هي التشكيلات النباتية Plant Formations والكائنات الحيوانية التي تعيش فيها، وتتميز بمظهر مميز وبصورة حياة متشابهة، وتنتشر على مساحات واسعة من سطح الأرض، وهي انعكاس لظروف الوسط، وخاصة المناخ السائد في المناطق التي تنتشر فيها. وأهم المناطق الحيوية الأرضية ابتداءً من خط الاستواء حتى القطبين هي:

1ـ الغابات الاستوائية المطيرة: Equatorial Rain Forests: وتسود في المناطق الاستوائية غزيرة الهطل السنوي (2000-4000مم)، ومتوسط درجة الحرارة السنوية نحو 25 درجة مئوية. تتميز بغناها بالأشجار الباسقة التي يبلغ متوسط ارتفاعها بين 50 و60 متراً، إلى جانب النباتات السطحية Epiphytes.

2ـ الغابات المدارية ساقطة الأوراق: Decidious Tropical Forests وتوجد في المناطق المدارية التي يسود فيها فصل ماطر طويل وفصل جاف قصير، وسطية الهطل السنوي (1000-2500مم)، معظمها من الغابات الموسمية Monsoon Forests، التي تتميز بغناها بالحياة الحيوانية حيث يعيش فيها الفيل ووحيد القرن والظباء والحمر الوحشية، إلى جانب الحيوانات اللاحمة كالأسود والنمور والذئاب والقطط الوحشية.

3ـ السافانا: Savana توجد في المناطق التي يزيد فيها الهطل السنوي على 600مم، وتراوح فترة الجفاف بين 4 و6 أشهر، وهي منطقة انتقالية بين الغابات المدارية والصحارى، وتسود فيها الحشائش التي يزيد طولها على المتر، إضافة إلى الأشجار المتناثرة مثل أنواع السنط والطلح والسيال والسلم والتبلدي والأدنسونيا Adansonia وغيرها. والسافانا من مناطق الوفرة الحيوانية، وهي موطن لكثير من الحيوانات العاشبة واللاحمة، وأهم الحيوانات العاشبة الجاموس والحمر الوحشية ووحيد القرن والزرافة والغزال والكنغر والفيل، كما توجد فيها الأسود والنمور والفهود والضباع وغيرها.

4ـ الصحارى: Deserts وتتميز بندرة أمطارها، التي نادراً ما تتجاوز الـ 250 مم في السنة، وارتفاع درجات الحرارة التي تتجاوز الـ 45 درجة مئوية في الفترة الحارة، وتسود فيها النباتات العشبية الحولية والمعمرة قصيرة العمر، التي تنتهي دورة حياتها في أشهر عدة تلي سقوط الأمطار، إلى جانب الشجيرات الجفافية. أما الحياة الحيوانية في الصحارى ففقيرة بأعدادها وقليلة في كثافتها، وأهمها الغزلان والوعول والمها والقوارض والسحالي وغيرها.

5ـ الغابات قاسية الأوراق: Sclerophyllous Forests وتنتشر في شواطئ البحر المتوسط والمناطق المشابهة، ذات الصيف الحار والجاف والشتاء المعتدل والرطب. وأهم الأنواع في هذه الغابات هي السنديان Quereus calliprinos والغار Laurus nobilis والبطم Pistacia lentiscus والقطلب Arbutus unedo وأنواع الصنوبر Pinus وغيرها. ومعظم حيوانات هذه المنطقة  ليست أصلية بل تنتسب إلى المناطق المجاورة، وأهمها الماعز الجبلي والذئاب والظباء والسناجب والخنازير البرية إلى جانب الطيور وبعض القوارض.

6ـ السهوب: Steppes تسود في المناطق التي تقع بين الصحارى والغابات المعتدلة ساقطة الأوراق، ولها أسماء متعددة: السهوب في آسيا، والبراري Prarie في أمريكة الشمالية، والبامبا Pampa في أمريكة الجنوبية. يسود في مناطق السهوب المناخ الحار صيفاً والبارد شتاءً، يراوح الهطل السنوي فيها بين 300 و500 مم، وتنتشر فيها الحشائش والأعشاب، كما تتنوع الحياة الحيوانية فيها، فهي موطن للعديد من الحيوانات كبعض أنواع الغزلان والظباء وابن آوى والسنجاب والأرانب، إضافة إلى الأفاعي والطيور والحشرات.

7ـ الغابات المعتدلة ساقطة الأوراق: Temperate Forests وتوجد في المناطق المعتدلة حيث يراوح الهطل السنوي فيها بين 750 و1000 مم، وتسقط الأمطار على مدار السنة مع زيادة واضحة في فصل الصيف الدافئ. ومعظم أشجار هذه الغابات عريضة الأوراق وغير متحملة للجفاف. وتتمثل الحياة الحيوانية فيها بالدببة والخنازير البرية والسناجب والقطط البرية والثعالب والعديد من الطيور، ومعظم الحيوانات من ذوات الفراء.

8ـ التايغا: Taiga توجد في نصف الكرة الأرضية الشمالي، وهي كبرى المناطق الحيوية اتساعاً، وتمتد من أقصى غرب أمريكة الشمالية إلى أقصى شرق آسيا، وتتميز بمناخ شديد القارية، إذ تصل درجة الحرارة الدنيا إلى أقل من 50 درجة مئوية تحت الصفر، ولا يزيد متوسط درجة الحرارة صيفاً على10 درجات مئوية. تسود فيها الغابات المخروطية Conferous Forests إبرية الأوراق ودائمة الخضرة، كالصنوبر Pinus والتنوب Apies واللارِكس Larex وغيرها، أما الحياة الحيوانية فيها فمحدودة وتقتصر على الحيوانات ذات الفراء كالدببة والذئاب والأيائل والسناجب وبنات عرس وغيرها.

9ـ التندرة: Tundra يوجد معظمها ضمن الدائرة القطبية الشمالية حيث الصيف قصير، ولا يتجاوز متوسط درجة حرارة تموز الـ 10 درجات مئوية، والشتاء طويل وشديد البرودة حيث تنخفض فيه درجة الحرارة الدنيا إلى ما دون الـ 50 درجة مئوية تحت الصفر، كما يراوح الهطل السنوي بين 200 و250 مم. وتسود في الغطاء النباتي الأشن Lichens والنباتات البريوية[ر] Bryophyta وقليل من الشجيرات والأعشاب. وأهم حيوانات التندرة هي الرنَّة Reindeer وثور المسك Musk Ox والدب القطبي والذئب القطبي والثعلب القطبي، ومعظمها ذات فراء بيضاء. وتكثر في مياهها الساحلية حيوانات بحرية أهمها عجول البحر Seals والأسماك المتنوعة.

المحيط الحيوي

تعيش الكائنات الحية في طبقة رقيقة من الكرة الأرضية تسمى المحيط الحيوي Biosphere، وقد وضع مصطلح المحيط الحيوي العالم النمسوي سويس Suess عام 1875، وشاع استعماله بعد دراسات فيرنادسكي Vernadsky بين عامي 1926 و1929. ويمتد المحيط الحيوي على مسافات صغيرة تحت سطح الأرض، وعلى مسافات أكبر فوق سطح الأرض، ويشكل طبقة رقيقة من الكرة الأرضية بما فيها اليابسة والماء والغلاف الجوي المتاخم لسطح الأرض. والمحيط الحيوي ليس متجانساً ويمكن تقسيمه إلى مجامع حيوية (بيومات) ومشاعات ونظم بيئية وغيرها، أي يتكون من مناطق كبيرة وأخرى صغيرة، ويعرف كل من هذه المناطق بالنظام البيئي Ecosystem، أي إنَّ المحيط الحيوي هو مجموع النظم البيئية الموجودة على سطح الكرة الأرضية. وللمحيط الحيوي أهمية خاصة، ليس فقط لكونه المكان الذي تعيش وتتكاثر فيه الكائنات الحية، وإنما بوصفه المكان الذي تجري فيه التغيرات الأساسية، الفيزيائية والكيمياوية التي تصيب المكونات غير الحية من الكرة الأرضية.

النظام البيئي

هو أي مساحة من الطبيعة وما تحويه من كائنات حية، نباتية وحيوانية وكائنات دقيقة، ومن مواد غير حية، وتكون الكائنات الحية والمواد غير الحية في أي نظام بيئي في تفاعل بعضها مع بعض، وكل التفاعلات المتبادلة بين مكونات النظام البيئي مبنية على تبادل المواد والطاقة فيما بينها، ومن أمثلة الأنظمة البيئية الطبيعية الغابة والبحر والنهر والبركة وغيرها.

مكونات النظام البيئي: يتكون النظام البيئي من:

1ـ مكونات غير حية Abiotic Components وتتمثل  بالمركبات الأساسية غير العضوية والعضوية في الطبيعة، كالكربون والأكسجين والماء والعناصر المعدنية والتربة وغيرها.

2ـ مكونات حيّة Biotic Components  وتشمل:

أ ـ الكائنات المنتجة: Producers، وهي النباتات الخضراء التي تصنع غذاءها بنفسها (الكائنات ذاتية التغذية Autotrophic) من مواد غير عضوية بسيطة، بعملية التمثيل الضوئي. وهي تمثل صلة الوصل بين المكونات غير الحية والمكونات الحية للنظام البيئي.

ب ـ الكائنات المستهلكة: Cunsumers وهي الكائنات الحية غير ذاتية التغذية، وتشمل الحيوانات العاشبة التي تتغذى بالنباتات، والحيوانات اللاحمة التي تقتات بالحيوانات العاشبة.

ج ـ الكائنات المفككة: Decomposers كالفطريات والبكتريا وبعض الحيوانات الأولية وغيرها، التي تقوم بتفكيك جثث الكائنات الحية النباتية والحيوانية وبقاياها، وتحولها إلى مركبات بسيطة تستفيد منها النباتات في تغذيتها. وبذلك تمثل الكائنات المفككة صلة الوصل بين المكونات الحية والمكونات غير الحية للنظام البيئي.

العلاقات بين مكونات النظام البيئي

تتفاعل مكونات النظام البيئي الحية وغير الحية فيما بينها تفاعلاً متبادلاً، بحيث تشكل كلاً متوازناً ومستقراً، فالنباتات الخضراء تصنع المواد السكرية بعملية التمثيل الضوئي، من ثنائي أكسيد الكربون والماء والطاقة الشمسية، وبذلك تدخل هذه المواد الأولية في الحلقة الحياتية. وتتغذى الحيوانات العاشبة بالنباتات، وتصير الحيوانات العاشبة غذاء للحيوانات اللاحمة. وتقوم الكائنات المفككة بتفكيك بقايا الكائنات الحية وجثثها جميعاً، وتحولها إلى مواد بسيطة تستعملها النباتات في غذائها وفي تكوين أجسامها. وهكذا يتميز النظام البيئي بوجود سلسلة غذائية Food Chain بين مكوناته المختلفة (الشكل -2). وتتداخل السلاسل الغذائية بعضها مع بعض في صورة شبكة غذائية Food Web (الشكل -3)، ذلك أن الكائنات المستهلكة لا تتخصص بنوع واحد من الغذاء، مما يؤدي إلى تداخل السلاسل الغذائية بعضها مع بعض، وتأخذ عندها العلاقات الغذائية صورة شبكة غذائية، يكون فيها أمام الكائنات المستهلكة الكثير من فرص الاختيار، مما يحفظ للشبكة الغذائية، ومن ثمَّ للنظام البيئي، التوازن والاستقرار.

اختلال توازن الأنظمة البيئية:

تمتاز البيئة باستتباب يلفت النظر، من حيث مكوناتها الحية وغير الحية. لكن البيئة تتعرض إلى كوارث غالبيتها من صنع الإنسان المتمدن. وأهم مسببات اختلال التوازن البيئي هي:

1ـ تغير الظروف الطبيعية كدرجة الحرارة وكمية الهطل وانجراف التربة وغيرها، فحين تصاب مناطق معينة بالجفاف، كما حدث في جنوب الصحراء الكبرى مثلاً، يتدمر الغطاء النباتي، ويتبع ذلك انجراف للتربة، وموت عدد كبير من الكائنات الحية، وهجرة الإنسان إلى المدن، الأمر الذي يقود إلى تفاقم مشكلات المدن، وتدهور البنية الأساسية فيها وزيادة سكان الأحياء الفقيرة وتفشي الأمراض.

2ـ يؤدي إدخال كائن حي جديد إلى بيئة تتوافر فيها ظروف صالحة لحياته، وتقل فيها أعداؤه الطبيعية، إلى اختلال التوازن في هذه البيئة، ويكفي أن نتذكر أن إدخال الأرانب إلى المراعي الأسترالية، التي تكاثرت بصورة كبيرة بسبب توفر الظروف المناسبة لحياتها وتكاثرها، وعدم وجود أعداء طبيعية لها، حوَّلت ملايين الهكتارات من المراعي الخصبة إلى صحارى عارية وأراضٍ متآكلة. ويوجد كثير من الآفات الزراعية في بلادنا بسبب نقلها من موطنها الأصلي دون قصد، وبسبب انحسار عوامل المقاومة البيئية، أو توفر ظروف أكثر ملاءمة، أو بسبب غياب الأعداء الطبيعية لها، تكاثرت هذه الآفات حتى وصلت إلى المستوى الضار اقتصادياً. فالبومة الواحدة مثلاً تقضي على أكثر من 300 فأرة في العام، وتُوَفّر بذلك أكثر من 500 كغ من الحبوب في العام، وهكذا تقوم الحيوانات المفترسة بدور الرقيب على الحيوانات العاشبة وتَحُولُ دون زيادة أعدادها، وتعد بذلك عنصراً مهماً في توازن النظام البيئي.

3ـ تدخل الإنسان: ازدادت قدرة الإنسان على التأثير في الأنظمة البيئية الطبيعية، لتطور التقانات التي وَضَعَت بين يديه آلات ومواد شديدة الفعالية. ويؤدي التدخل غير الرشيد للإنسان في البيئة إلى اختلال في توازنها، وخلق مشكلات بيئية انعكست على الإنسان نفسه. فازداد التصحر الذي يعد واحداً من أخطر المشكلات البيئية التي صنعها الإنسان، وخاصة في المناطق الجافة وشبه الجافة التي تتسم أنظمتها البيئية بالهشاشة والحساسية. وتشير المعطيات إلى أن نحو 29٪ من مساحة اليابسة تعاني تصحُّراً خفيفاً أو معتدلاً أو شديداً. كما أدَّت الأنشطة البشرية إلى تدهور التربة وزيادة تآكلها، إذ يقدر ما يقطع من الغابات في دول العالم النامي بأكثر من 14 مليون هكتار، ونتج من ذلك إزالة الغابات، فانجرفت التربة وفقدت خصوبتها ونقصت تغذية المياه الجوفية وزادت الفيضانات.

ويشهد العالم بسبب النشاطات البشرية، زيادة عدد الأنواع الحيوانية والنباتية المهددة بالانقراض، بمعدلات تزيد مئات المرات على المعدل الذي كان سائداً في عصور ما قبل التاريخ، وتقتل الأمطار الحامضية (التي تتشكل من اتحاد بخار الماء الموجود في الهواء مع أكاسيد النتروجين وثنائي أكسيد الكبريت التي تطلقها المصانع ومحطات توليد الطاقة التي تحرق المنتجات النفطية) الغابات وأشكال الغطاء النباتي الأخرى، وينتج من ذلك موت أسماك البحيرات وتلوث مياه الشرب وفقدان المركبات الكلسية من التربة، الأمر الذي يضر بالأحراج والمحاصيل وخصوبة التربة وتدمر التراث الفني والمعماري. كما يؤدي حرق الوقود الأحفوري إلى زيادة تركيز ثنائي أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، مما يتسبب في رفع درجة حرارة الأرض، إضافة إلى تآكل الأوزون الستراتوسفيري.

 

 

ولم تقتصر تأثيرات الإنسان في الأنظمة البيئية، وإنما تعدتها لتشمل المحيط الحيوي والغلاف الجوي للكرة الأرضية، كتأثيره في الحلقات البيوجيوكيميائية Biogeochemical Cycles، مثل دورة الكربون والنتروجين والفسفور، التي تحدث بشكل يفوق التصورات وبكيفيات لم تكن متوقعة، ومن أمثلة ذلك تأثير الإنسان في دورة الكربون (الشكل -4). فقد بدأت الصورة تتغير منذ بداية القرن العشرين، وأخذ تركيز ثنائي أكسيد الكربون يزداد في الغلاف الجوي بنحو 0.5 ٪ سنوياً في الوقت الحالي، بسبب انبعاثاته الناتجة من حرق الوقود الأحفوري، لتبلغ نحو 24 ألف مليون طن من ثنائي أكسيد الكربون، إضافة إلى مقدار يزيد على 7 آلاف مليون طن بسبب إزالة الغابات. ويبقى من مجموع انبعاثات ثنائي أكسيد الكربون في الجو ما بين 40 إلى 60٪ على الأقل في الأجل القصير، ولهذا فقد ارتفع تركيز هذا الغاز في الهواء، منذ الثورة الصناعية وإلى وقتنا الراهن بنحو 25٪ (من 280 إلى 353 جزء في المليون) ومن المتوقع أن يزداد في نهاية القرن الواحد والعشرين ليصل إلى 460 - 560 جزء في المليون. وصار معروفاً أن زيادة تركيز غاز ثنائي أكسيد الكربون هي المسؤولة، بدرجة كبيرة، عن ارتفاع درجة حرارة الغلاف الجوي للأرض، الذي إذا استمر، فسيؤدي إلى تغير في نظام الأمطار وتوزيعها وذوبان الجليديات وارتفاع مستوى سطح البحر الذي سيغمر مساحات واسعة من الأراضي الساحلية التي تُعدُّ من أفضل الأراضي الزراعية في العالم.

تهدد الإخفاقات في إدارة البيئة والمحافظة على التنمية البيئة في جميع البلدان، فالبيئة والتنمية ليستا تحديين منفصلين بل متلازمين لا فكاك بينهما ولا يمكن للتنمية أن تقوم على قاعدة من موارد بيئية متداعية، كما لا يمكن حماية البيئة حين تُسقطُ التنميةُ من حسابها الحفاظ على هذه البيئة، وهذه المشكلات لا يمكن معالجتها بصورة منفصلة عن طريق مؤسسات وسياسات مجزأة، لأنها تتشابك في منظومة معقدة من الأسباب والآثار، لذا فإن تجنب مشكلات البيئة والتنمية يتطلب مساراً جديداً للتنمية هو التنمية المستديمة التي تلبي حاجات الحاضر دون المساومة على قدرة الأجيال المقبلة على تلبية احتياجاتها، كما ينبغي أن تدخل الاقتصاديات والبيئة بصورة مترابطة في عمليات صنع القرار وسن القوانين، ليس بهدف حماية البيئة فحسب بل لحماية التنمية وتعزيزها، ذلك أن التنمية والبيئة مرتبطتان بصورة متساوية في تحسين مستقبل الإنسان. وتتطلب التنمية المستديمة مدخلاً جديداً تتوجه الشعوب عن طريقه نحو نمط من التنمية يجمع بين الإنتاج وحماية المصادر الطبيعية وتعزيزها. إن هذا التوجه مطلوب في بلادنا أكثر منه في البلدان الأخرى، لأنَّ الموارد الطبيعية في بلادنا تعرضت لفترة طويلة من الاستغلال غير المنظم الذي نتج منه تدمير الجزء الأعظم من الغابات والمراعي الطبيعية وانقراض كثير من الأنواع الحيوانية وانخفاض أعدادها انخفاضاً بالغاً.

 

محمد العودات

 

الموضوعات ذات الصلة:

 

البيئة (المحيط ـ).



رقم صفحه البحث ضمن المجلد:3