logo

logo

logo

logo

logo



عنف

عنف

Violence - Violence

العنف

 

العنف violence لغة هو الخرق بالأمر وقلة الرفق به، وهو يتضمن ثلاثة عناصر أساسية هي الشدة والإيذاء والقوة المادية، ويُلاحظ في اللغات المختلفة أنه في قلب كلمة العنف  تكمن فكرة القوة، فتأتي ممارستها مضادة للآخر، مما يعطيها طابع الإكراه. 

تتجلى مظاهر العنف في تاريخ الإنسان بأشكال شتى، وأنواع مختلفة، كممارسات فردية تارة، وجماعية تارة أخرى، ويظهر ذلك في مراحل التطور البشري المتعددة، فعلى الرغم من مساهمات الحضارات القديمة، الصينية والهندية والفارسية والبابلية وغيرها، في تطور الإنسان وما قدمته من نتاج ثقافي وحضاري، إلا أنها قامت في جزء كبير منها على مظاهر العنف وممارسة القوة، فقد تعرض المسيحيون الأوائل لأشد أنواع التعذيب على يد الوثنيين والرومان، ولقي الرسول الكريمr وأتباعه المؤمنون أشد أنواع التعذيب الجسدي والمادي والاقتصادي والاجتماعي، عندما أخذت الدعوة الإسلامية تهدد الوجود المعنوي والمادي للشرك والوثنية.

الاتجاهات العامة في تفسير ظاهرة العنف

يولي الباحثون في علوم النفس والتربية والاجتماع والاقتصاد والسياسة اهتماماً كبيراً بمظاهر العنف، فهي تُفَسَرْ بغريزة العدوان عند فرويد Freud، وبالطبيعة المتوحشة للإنسان عند لمبروزو Lombrozo، وبالإنسان الذئب عند هوبز Hobbes، وبالكائن الطبيعي عند كَنْت Kant، وبالخطيئة الأولى في الفكر المسيحي، وبالإنسان المقهور اجتماعياً في فلسفة روسو Rousseau، وقد ساد الاعتقاد لفترة طويلة من الزمن بأن تطور البشرية يخضع لمظاهر الصراع والجدل الحتمي بين القديم والحديث، وبين القوي والضعيف، كما هو الحال في نظريات التطور.

التفسيرات النفسية

يرى علماء النفس والعاملون في ميادينه المتعددة أن العنف يأتي نتيجة الإحباط، إذ تكشف دراسة مراحل النمو الجسدي والنفسي والاجتماعي للطفل أن أي حاجز يحول دون تحقيق  إشباع حاجاته العضوية ينمِّي لديه الشعور بالإحباط، ويؤدي إلى سلوك عدواني كتحطيم الألعاب والأشياء، وقد يستمر هذا السلوك في شخصية الطفل إذا وُجِدَتْ الظروف المعززة له، فيصبح العنف بالنسبة إليه سلوكاً طبيعياً واستجابة تعويضية عن الإحساس بالنقص أو الضعف.

التفسيرات الاجتماعية

يجد العاملون في ميادين علم الاجتماع أن العنف سلوك اجتماعي يأتي من خلال التعلم، ومن خلال ما تعززه البيئة الثقافية والاجتماعية المحيطة من ميول واتجاهات نحو الأشياء عامةً، ونحو الآخرين من بني البشر خاصةً، وغالباً ما تقترن الاتجاهات المعززة للسلوك العدواني بمظاهر التفكك الاجتماعي والانحلال في نسيج العلاقات الاجتماعية، وكلما كان ارتباط الفرد أقل بالمنظومة الثقافية والحضارية والاجتماعية للجماعة التي ينتمي إليها ظهرت في سلوكه أنماط عدوانية، وأشكال من العنف، في حين يؤدي الارتباط بالمنظومة الثقافية والحضارية إلى ظهور أنماط من السلوك، قوامها التضافر والآخرَ ضمن المنظومة الاجتماعية والثقافية الواحدة.

التفسيرات الثقافية والحضارية

يأخذ علماء أصل الإنسان Anthropologie بتفسير مظاهر العنف من خلال طبيعة البنية الثقافية والحضارية للجماعات، فالعنف ظاهرة ثقافية تختلف في طبيعتها وحجمها وأشكالها بين مجتمع وآخر، ومن مرحلة تاريخية إلى أخرى، تبعاً لخصوصيات التجربة التي تعيشها هذه الجماعة أو تلك، فشروط الحياة في البيئة القبلية والصحراوية تدفع الجماعة لتنظيم شؤونها في ضوء ظروفها الطبيعية، وقد يكون العنف واحداً من عناصرها الأساسية للتفاعل مع الآخر، في حين تأخذ جماعات أخرى بمبدأ التضافر والتعاون بغية تحقيق حاجاتها، ولهذا يجد علماءُ أصلِ الإنسان أنه لابد من العودة إلى المعايير السائدة في المجتمع، والتي تسوِّغ العنف أو ترفضه تبعاً لخصوصياتها التاريخية والثقافية والحضارية.

النظريات العلمية المفسرِّة لمظاهر العنف عند الإنسان

يفسِّر الباحثون في العلوم النفسية والاجتماعية والاقتصادية  مظاهر العنف وفقاً لنظريات عديدة، منها: التحليل التاريخي، والتحليل الوظيفي، والتحليل البنيوي.

التحليل التاريخي

يرى منظِّرو هذا الاتجاه أن العنف لا يمكن تفسيره بطبيعة الفرد، بل هو نتاج لتاريخ الحياة الاجتماعية، وغالباً ما يقترن بانتشار مظاهر غياب المساواة في توزيع الخيرات، فيرى سارتر J.P.Sartre أن العنف وليد الندرة، حيث لا مواردَ تقابلُ الحاجات، بل إن الموارد الأساسية والضرورية لإعادة إنتاج الحياة محدودة وغير كافية، غير أن نوربر إلياس Norbert Elias يجد أن العنف يتراجع تاريخياً، ويعود ذلك إلى تطور الاتجاه نحو التحكم في الغرائز، أو ما يسميه بحضارة الأخلاق.

التحليل الوظيفي

ينظر أصحاب هذا التوجه من ناحية وظيفة العنف الاجتماعية، فهو يسمح بظهور قيم وتوازنات جديدة تساعد على التقليل من شدة التوترات، وتسهم في تعزيز الأمن، أي إن العنف يمكن أن يكون وسيلة لبلوغ هدف أو غاية مشروعة اجتماعياً.

التحليل البنيوي

يجد أصحاب التحليل البنيوي، ومنهم جوهان غالتونغ Johan Galtung أن العنف البنيوي ينتج من النظام في حدِّ ذاته، ويقوم على عدم التكافؤ في توزيع السلطة، ومن ثمَّ عدم تكافؤ الفرص، أي إن العنف البنيوي يرتبط بغياب العدالة الاجتماعية.

تجليات العنف في جوانب الحضارة المعاصرة

إذا كانت الحضارة المعاصرة ردَّ فعلٍ على اضطهاد الأنساق الدينية الكنسية للعقل والذات، وظهر ذلك في إعادة الاعتبار للعقل وتركيز سلطته واحتكاره لترتيب شؤون الحياة الفردية والجماعية، فإن هذه الحضارة ما لبثت أن أخضعت العقل ذاته إلى الاستلاب المؤسساتي، والتي تحول معها إلى أنظمة شمولية (توتاليتارية) ملصق بالسلطة السياسية تقيد حرية الفرد بعقلنة سلوكه وضبطه، حتى صار العقل ينتهج اللاعقلانية باستمرار، ويراكم التوترات النفسية والاجتماعية التي تتفجر بين حين وآخر، كما أن النظام الجمعي (الجمعنة) بوصفها نمطاً من أنماط المجتمع التكنوقراطي تولد أيضاً ألواناً جديدة من العنف أشد من عنف الفرد للفرد.

إن العنف كممارسة، كما يبدو ذلك في التاريخ، يأخذ صورة استعمال القوة دفاعاً عن الوجود في حيِّز الوجود المادي أو المعنوي، ويحدث في كلتا الحالتين عند الإحساس بما يُهدِّد الوجود، وتكشف الحداثة عن وجهها الآخر من خلال العنف لحظة تعبيرها عن ذاتها ومواجهتها للآخر، سواء أكان ذلك في حالة الهجوم وإنتاج الحداثة بالحرب، أم في حالة ما يسمى بالتحديث الدفاعي الذي يقتضي القمع وضبط المجتمع بتركيز الدولة على مفاصله.

كما أن التباين في توزيع الثروات المادية في العالم المعاصر، واستجرار الخيرات لشعوب من دون غيرها، وإفقار شعوب أخرى، يسهم في تعزيز مظاهر العنف على المستوى الدولي، إذ إن مظاهر الظلم والعدوان التي تنتشر مع انتشار مظاهر الحداثة وتطور التقانات تنتج مظاهر أخرى للعنف للتعبير عن رفض غياب العدالة في توزيع الخيرات، مما يدلُّ على أن ممارسة العنف لاتؤدي إلا إلى مزيد من العنف.

كامل عمران

 الموضوعات ذات الصلة:

الإرهاب الدولي ـ التطورية ـ الطبقات الاجتماعية.

 مراجع للاستزادة:

ـ فيليب برنو وآخرون، المجتمع والعنف، ترجمة الأب إلياس زحلاوي (منشورات وزارة الثقافة دمشق، 1975).

- J.C.CHESNAIS, Histoire de la violence (Robert Laffont 1981).




التصنيف : الفلسفة و علم الاجتماع و العقائد
المجلد: المجلد الثالث عشر
رقم الصفحة ضمن المجلد : 593
مستقل

آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 16
الكل : 2384064
اليوم : 749

الدين (فلسفة)

الدين (فلسفة -)   يطلق الدين religion عند الفلاسفة القدماء على وضع إلهي يسوق ذوي العقول إلى الخير. للدين اصطلاحاً عدة معان: فهو مجموعة وقائع تشمل العقائد والطقوس والواجبات والشعائر بذاتها. وهو تدبير المقدس. والدين مؤسسة اجتماعية لها جانبان أحدهما روحي مؤلف من العقائد والمشاعر الوجدانية والآخر مادي مؤلف من الطقوس والعادات. وتضم أفراداً يتحلون بصفات مشتركة: كقبولهم أحكام الدين، وقيامهم بشعائره، وإيمانهم بقيمه، وحرصهم على توكيد هذا الإيمان وحفظه؛ واعتقادهم أن الإنسان متصل بقوة روحية أعلى منه ومفارقة لهذا العالم أو سارية فيه.

المزيد »