logo

logo

logo

logo

logo



الخط (فن-)

خط (فن)

Calligraphy - Calligraphie

الخط (فن ـ)

 

مرت الكتابة بمراحل خمس لتصل إلى المرحلة الهجائية، وتفنن الإنسان في إبداع أشكالها وفقاً لثقافته ومدى تطوره، وتلك المراحل هي:

1- مرحلة صورية: عبّر الإنسان فيها عن الكلمات بالصور، فرسم الشجرة تعبيراً عن «كلمة شجرة» ورسم حصاناً ليعبر عن كلمة «حصان».

2- المرحلة الرمزية: استطاع بالرمز المصور التعبير عن الكلمات، فصورة الشمس التي تضيء تعني النهار.

3- المرحلة المقطعية: جعل من الصورة مقطعاً هجائياً، فصورة اليد تعني مقطعاً من كلمة (يدل، يدمر، يدرب) كما في الكتابتين البابلية والمصرية القديمة.

4- المرحلة الصوتية: عدّت الصورة حرفاً أول من اسمها، فصورة الحصان ترمز إلى حرف (ح) وصورة النهر ترمز إلى الحرف (ن).

5- المرحلة الهجائية: عدت هذه المرحلة نقطة تحول في تاريخ البشرية. فقد توصل الإنسان إلى الحروف، بأشكالها المجردة، وكان ذلك في عام  1400ق.م مع ظهور أبجدية رأس شمرا (شمال الساحل السوري) على لوح صغير نقش عليه ثلاثون حرفاً ضمن مسافة لا تتعدى سبعة سنتيمترات.

استخدم الإنسان في كل مراحل تطور الكتابة فن الرسم للتعبير عما يريد كتابته، فبدأ بالفن التشبيهي بصور الأشياء، لتصبح في النهاية فناً مجرداً يلخص ويوجز ويبسط ويبدع فناً جديداً حمل الأبجدية إلى العالم أجمع.

الخط والزخرفة

عني الفنان العربي برسم الزخارف الهندسية والنباتية وأكسبها خصوصية وأعطاها من روحه، وقام بالتصاميم الزخرفية ولاسيما بعد الإسلام، وابتدع وحدات زخرفية مبتكرة، واستخدم المستطيلات والمربعات والدوائر والمثلثات والمسدسات والمخمسات. وراح ينظمها ويعيد ترتيبها، ويملأ الفراغات مستخدماً أجمل الألوان محلّياً الزخارف بالذهب على خلفيات من اللونين اللازوردي والعقيق، لتتناغم وتعطي شعوراً بالحياة. كره الفراغ وعده شيطاناً ينبغي عدم السماح له بالظهور. ثم تطور فن الزخرفة وازدهر في ظل الإسلام، وأسهمت في تطويره الشعوب المسلمة المتعددة في مدارسها الفنيّة المختلفة، ومشارب إبداعها المتنوعة، وأظهرت المراحل التاريخية التي كانت تمر بها العصور الإسلامية تقدم هذا الفن وتراجعه.

تناغم الخط مع الزخرفة ليكوّن (الرقش العربي)، ويبدع اللوحة المتكاملة الجمال التي تجمع بين مختلف الخطوط، سواء أكانت بالأسلوب القاسي (اليابس) المعتمد على هندسية المساحات والحروف، أم بالأسلوب اللين الذي يجعل الخطوط اللينة الملتفة والمنبسطة والصاعدة والهابطة، والمنتظمة ضمن تركيبات خطية رائعة، تُظهر متانة التكوين والتوزيع الدقيق للمساحات والفراغات التي تؤلف بين الزخارف النباتية والهندسية، لتشكل آيات جمالية تترجم «إن الله جميل يحب الجمال» على مساحات تزين القصور والمساجد والمدارس والكتب ونسخ القرآن الكريم، وتقدم حلولاً مبتكرة ومتنوعة، مما جعل النقاد يبذلون جهوداً مضنية في تصنيفها وتعدادها وإدراجها ضمن أساليب ومدارس فنية متعددة.

ولعل أهم ما ظهر في هذا المجال اشتراك الزخرفة مع الخط بصورة تكوينية بنائية جمعت بين فن الخط والهندسة، وتحققت قياسية الخط العربي نتيجة للتطور المهم الذي عرفه علم الهندسة.

الخط في الفن التشكيلي

دخل الخط العربي الفن التشكيلي بمختلف مجالاته (الرسم، والتصوير، والنحت، والحفر) وتسابق الفنانون في الإفادة من طاقاته الجمالية، واختلفوا حول الرائد الأول الذي استخدم الحرف العربي في العمل الفني أول مرة. ولكن التجارب مستمرة والمحاولات متنوعة. وعلى الرغم من صعوبة تصنيفها، من الممكن توزيع اتجاهاتها الرئيسة وفق الآتي:

1- الاتجاه الأول: استلهم من الحرف العربي العفوي، وأقام بحثه التشكيلي منطلقاً من تلك التلقائية في الحركة والتكوين، مثَّل هذا الاتجاه «جماعة البعد الواحد» وأشهر فنانيهم شاكر حسن آل سعيد، الذي رأى في استخدام الحرف العربي في التشكيل الفني محاولة للعودة إلى القيم الحقيقية في الفن، بوصفه يملك طاقات هائلة. وضع فنانو هذا الاتجاه أسساً فلسفية وتنظيرات جعلت الإطار الفكري للتعبير بوساطة الحرف يتطلب من العمل الفني فناً مكانياً ولكن في شكل زماني، وجعل من العمل الفني الحروفي عملاً تأملياً أكثر منه بصرياً.

2- الاتجاه الثاني: حطم الحروف ووضعها ضمن مساحات، واعتمد الحروف رموزاً، وأصر على إلغاء أي معانٍ، أو قراءة لأي نص، معتمداً على الحرف كمساحة لونية تؤكد التضاد ومستفيداً من الفن البصري op-art، ويؤكد هذا الاتجاه أمرين هامين:

ـ الابتعاد ما أمكن عن القراءة الأدبية والاهتمام فقط بشكل الحرف، وعدّه رمزاً تشكيلياً يملأ مساحة، وغالباً ما تستخدم الحروف اللينة.

ـ الاستفادة من التكوينات التجريدية الغربية والاعتماد عليها بشكل أساسي من دون الاكتراث بخصائص الخط العربي من الناحية الحركية والبنية الجمالية.

ويمثل هذا الاتجاه عدد كبير من الفنانين (محمود حماد، وعبد القادر أرناؤوط من سورية، ورفيق شرف من لبنان).

3- الاتجاه الثالث: حاول استنباط خطوط جديدة ضمن تكوينات معاصرة مستفيداً من القواعد والأسس الكلاسيكية لخطوط الأسلوبين الجاف واللين، واعتمد على النصوص المقروءة لقضايا العصر كتجربة (منير شعراني، وسعيد الصكار).

خط عربي على خزف للفنان محمود طه (الأردن)

4- الاتجاه الرابع: اعتمد الخطوط الهندسية مستفيداً من أشكال الخط الكوفي بمختلف أشكاله، وموزعاً الخطوط ضمن مساحات متوضعةٍ على كتل هندسية كالمكعبات والكرات. وقد استخدم فنانو هذا الاتجاه الألوان الزيتية والغواش والإكريليك على القماش أو الورق، وزاوج بعضهم الخط بالزخارف الهندسية والنباتية كتجارب: حسان أبو عياش وسامي برهان من سورية، وأحمد شبرين من السودان، ومحمود طه من الأردن.

5- الاتجاه الخامس: زاوج بين الرسوم التشبيهية والزخارف الهندسية والنباتية مع الخط العربي، مثال ذلك تجربة ناجي عبيد من سورية.

 لوحة خطية للفنان محمد غنوم (سورية)

6- الاتجاه السادس: انطلق فنانو هذا الاتجاه من مبدأ يقر بأن استخدام الخط العربي في العمل الفني لا يكون سليماً من دون الاعتماد على دراسة وتدريب وإتقان للقواعد والأوزان التي تضبط أشكال الخطوط العربية بمختلف أنواعها ضمن الأسلوبين اللين والجاف، مع الاستفادة من جمالية صوره التي تطورت عبر مراحله، والاعتماد على دراسة بنيته الجمالية القائمة على أسس فلسفية عربية كونت فكر الإنسان العربي عبر الأجيال، والابتعاد عن المفاهيم الغربية التي تقف والمفاهيم العربية على طرفي نقيض. والاقتصار على الإفادة من التقانات الغربية المتطورة دون الأفكار والفلسفة كما نشهد في التجارب الفنية (حسن المسعود من العراق، محمد غنوم من سورية، عثمان وقيع الله من السودان، جليل رسولي من إيران).

يبقى التصنيف السابق غير كاف ولا يلم باتجاهات التجارب التي استفادت من الحرف العربي واعتمدته أساساً في لغتها التشكيلية، فساحة الاهتمام تتسع كل يوم لتضيف تجربة واسماً جديدين لعالم فن الخط العربي وإثبات شخصيته فناً تشكيلياً قائماً بذاته يؤدي دوراً مهماً وفعالاً في الحركة التشكيلية العربية وتزداد جماهيريته ليحتل مكاناً أكبر.

ومن المفيد والضروري ذكر تجارب فنانين أثْروا الحركة التشكيلية باكتشاف جماليات جديدة في استخدام الحروف العربية أمثال:

يوسف أحمد، رشيد القريشي، وجيه نحلة، محمد المليحي، جميل حمودي، مديحة عمر، وليد الآغا، عيد يعقوبي، علي حسن، حسين زندرودي، ايثيل عدنان، محجوب بن بلال، سعيد نصري، كمال بلاطة، ناصر الموسى، علي البداح، محمد فاضل الحسيني.

واقع فن الخط في الزمن المعاصر

يعد الخط العربي على الرغم من اختلاف النظر إليه قيمةً وتعبيراً، فناً تشكيلياً قائماً بذاته، والمحاولات التي تدرجه ضمن المفاهيم الزخرفية وتأطيره ضمن الحاجات الوظيفية فقط كأداة للاستخدام في الحياة اليومية الاستهلاكية لم يكتب لها النجاح فانطلق الخط العربي، مع كل تلك المحاولات، ليحتل مكاناً مرموقاً في مختلف مجالات الفن التشكيلي، فتصدر الأوابد والأبنية الضخمة وأضاف إليها الوقار والأبهة، وزين الجدران والأسقف والقباب ورسم لوحات جمالية غاية في الروعة، وتوج أغلفة الكتب؛ وتفنن الخطاط في ابتكار تكوينات جعلت من الحروف والكلمات سيمفونيات جمالية، وما تزال آيات القرآن الكريم هي المجال الأرحب للإبداع الذي لا ينضب.

وقف الفنانون أمام هذا الفن اليوم مواقف ثلاثة هي:

1- الفريق الأول: رأى أن هذا الفن وصل في شكله إلى درجة الكمال ولا مجال إطلاقاً للإضافة والحذف والتصرف بقواعده، وأن المس بتلك الأوزان والمقاييس هو من المحرمات، ويجب التقيد والالتزام بتلك القواعد، وليس على الخطاط إلا محاكاة الأعمال السابقة من دون زيادة أو نقصان، فلا مجال للتحسينات. والملتزمون ضمن هذا الفريق يصرفون الوقت والجهد لإتقان الخطوط الكلاسيكية، والتدرب المستمر على الإلمام بأطوال الحروف وعروضها، إضافة إلى استخدامهم الأدوات القديمة بالطرق التي استخدمت من قبل خطاطي الماضي نفسها (القصب، والورق، والأحبار).

ورأى بعضهم أن هذا الفن ليس قوالب جاهزة نأخذها من دون التفكير بتطويرها، فجاءت إضافاته ولمساته لتجعل من خطه مدرسة فنية مميزة أمثال: محمد بدوي الديراني[ر] وتطويره لخط التعليق (الفارسي)، وما قدمه الخطاط ممدوح الشريف من إبداعات في خطي الثلث والكوفي.

2- الفريق الثاني: ابتعد عن دراسة قواعد الخط العربي والإلمام بأساليبه وأنواعه، واعتمد استخدامها لشغل المساحات، وأقدم بعضهم على تحطيم تلك الأشكال المبنية على إبداعات مرت بمراحل تطور عبر مئات السنين على يد فنانين أفذاذ. وحجة هذا الفريق أن تلك القواعد والأوزان تقيد إبداعهم وبحثهم عن المبتكر والجديد، وسرعان ما أُنتجت كميات كبيرة من تلك الأعمال التي رأى فيها آخرون سهولة في عمل اللوحات الفنية والتي أطلق عليها «الحروفية»، وولدت تنظيرات مدافعة عنها، ورُوِّج لها في الغرب المعجب بعالم الطرائف والغرائب، فهي تزين التكوينات الفنية الشائعة في الفن العربي الحديث بالحروف العربية مستفيدة من طاقاته الحركية. ويحرص فنانو هذا الاتجاه على خلو العمل الفني من الكلمات المقروءة والمعاني الواضحة كي لا ينشغل المشاهد بالنص الأدبي على حساب الشكل الفني. وقد عمل في هذا الاتجاه فنانون من أمثال نجا المهداوي، وفريد بلكاهية، وسعيد أ. عقل، ونجيب بلخوجه، ورافع الناصري، وضياء العزاوي.

3- الفريق الثالث: وضع التدرب على القواعد والأوزان وإتقانها نصب عينيه، وصرف وقتاً وجهداً كبيرين، وحرص على دراسة جمالية الخط العربي الاتباعي (الكلاسيكي) نظرياً وعملياً، ورأى أن التطور لا يأتي من فراغ، ووصل إلى قناعة أن أي إضافة أو حذف لا يأتيان إلا بعد معرفة هذا الفن وإلى ما وصل إليه معرفة كاملة.

وبعد الدراسة والاطلاع يبدأ عمل الفنان الذي يريد تطوير الخط العربي والبحث في طاقاته من جديد، إيماناً منه أن هذا الفن هو نتاج إنساني وليس مُنزلاً لا يمكن المساس بقواعده ومقاييسه (كما يرى الفريق الأول)، ولا يرى القفز على تلك النتائج الهامة التي حددت تلك القواعد (كما يعتمدها الفريق الثاني) أمراً منطقياً، بل يبحث في الخط العربي ويكتشف كل يوم كنوزاً جمالية كامنة في بنيته، وفي موسيقاه العذبة المتولدة من حركاته وسكناته، وفي توافق الشكل والمضمون وانسجامها وتآلفها، فجاء تراثاً متجدداً على مر الأيام كتجربة حسن المسعود، ومحمد غنوم، وعثمان وقيع الله.

محمد غنوم 

مراجع للاستزادة:

 

ـ شربل داغر الحروفية العربية (فن وهوية) (شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت 1990).

ـ حسن المسعود، الخط العربي (دار نشر فلاماريون، باريس 1981).

ـ عبد الكبير خطيبي ومحمد سليجماسي، فن الخط العربي (باريس 1976).

ـ محمود شكر الجبوري، نشأة الخط العربي وتطوره (مكتبة الشرق الجديد، بغداد 1974).




التصنيف : العمارة و الفنون التشكيلية والزخرفية
النوع : عمارة وفنون تشكيلية
المجلد: المجلدالثامن
رقم الصفحة ضمن المجلد : 831
مستقل

آخر أخبار الهيئة :

البحوث الأكثر قراءة

هل تعلم ؟؟

للحصول على اخبار الموسوعة

عدد الزوار حاليا : 32
الكل : 2789549
اليوم : 1483

السلافية (اللغات-)

السلافية (اللغات ـ)   تعود اللغات السلافية في أصولها الأولى إلى أسرة اللغات الهندية الأوربية، وتشترك ببعض خصائصها مع أسرة اللغات البلطيقية. وقد انبثقت عن اللغة السلافية القديمة، التي كانت تسمى «السلافية الكنسية» التي تشكلت في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين من لهجات محلية تأثرت بترجمة الكتب والشعائر الكنسية من اللغة اليونانية في مقدونيا الجنوبية، وكانت تعد اللغة الفصحى للشعوب السلافية.

المزيد »